رواية أنا ووشمي وتعويذة عشقك

في صباح أحد الأيام و تحديدًا الساعة التاسعة صباحًا، كانت تضع لمسـ ـاتها الأخيرة قبل رحيلها، نظرة أخيرة لتطمئن على مظهرها، ثوبها الوردي و وشاحها الأبيض اعطى لها شكلًا جميلًا، هي تعشق هذه الالوان، جذبت حقيبتها الجلدية ذات اللون الأسود وخرجت من غرفتها، سارت بخطوات هادئة متجهة نحو المائدة المستديرة، جلست على مقعدها وبدأ في تناول وجبة الإفطار، الجميع في حالة من الصمت، لا تعرف لماذا الصمت الذي حال فجأة هكذا، على الرغم من اقتراب موعد شقيقتها إلا أن حالة الحزن مخيمة على الجميع، تناولت القليل من الجبن مع قطع الطماطم ثم رشفات سريعة من الشاي الساخن، سرعان ما وقفت عن مقعدها و هي تهندم ملا بسها للمرة الأخيرة، القت السلام ثم غادرت و قبل أن تغلق باب الشقة استوقفتها والدتها وقالت بإستفهام.
– متنسيش يا نبيلة تجيبي الحاجات اللي قلت لك عليها وتعدي على الخياطة تشوفي الهدوم خلصت و لا لأ، عشان اختك مشغولة .
استدارت ” نبيلة ” بجسدها وقالت بغضبٍ مكتوم من والدتها التي لم ترأف بحالتها المادية أبدًا وتطلب منها فوق طاقة تحملها
– حاضر يا ماما ربنا يسهل ها شوف كدا هعمل إيه و هقدر اجيب ايه ادعي لي أنتِ بس .
جُملتها المعتادة لتخبر والدتها بأن المبلغ المتبقي معها بالكاد يكفيها، لكن لا حياة لمن تنادي، خرجت من السجن الذي تقطن فيه إلى الحرية، تتنفس الهواء بعمقٍ وكأنها كانت محرومة من هذه الحركة، يسمح لها والدها الخروج صباحًا للذهاب إلى عملها .
حتى تأتي له بالمال الذي يجمعه لها على حد قوله .
سارت بخطوات هادئة اقتربت من دكان حبيبها ودقات قلبها تتسارع، كل شئ تفعله يهون مقابل هذه المقابلة الصباحية، وعدها بالز و اج وطلب منها التحلي بالصبر فقط أن تتحلى حتى يحين الوقت
تأجلت زيارته لأبيها يومًا بعد يوم عامًا تلو الآخر، وها هو يأجل للعام الخامس على التوالي زيارته هذه المرة لم تتحدث لأن شقيقتها ستـ ـتزوج وأخذت كل ما ادخرته هي لنفسها، كان قلبها يتمزق على متعلقاتها اللتي شغلتها بـ ـيده ليلًا، تراجعت سريعًا ما إن رأت مجموعة من رجال الشرطة تجتمع حول دكان حبيـ ـبها، وأحدهم يقف جواره وبيده أكياس بلاستيكية بها قطع صغيرة من المخدرات وضعت يـ ـدها على فاها لتكتم صدمتها مما رأته للتو .
ظلت تتابع المشهد بأعين ذاهلة، كيف، متى، ولماذا يعمل في تجارة المخدرات هو صاحب محل مشغولات نحاسية، ويأتي إليه الكثير و الكثير، حتى السُياح يأتون إليه، لا تعرف من أين أتت بكل هذه الجرأة لتكمل سيرها متجهة حيث محل عملها في مجال المشغولات اليدوية المخصصة لزينة المرأة تبدل حال يوميها بل حالها ككل، فتى أحلامها يساعد في تدمير عقول الشباب، من أين أتى بهذه الجراة ليفعل بقلبها ما فعل، .
كانت تشعر بنياط قلبها تتمزق، دمر لها احلامها و حياتها، طوق النجاة التي كانت تحسبه خيرًا ابعده الله عنها، ترددت الأقاويل حول قضية ذاك الحبيب الغادر، اصبح علكة في فم الجميع، فقدت السيطرة على اعصابها لو رأت أحدًا يُلقي عليها تحية الصباح لقتــ ـلته في الحال، ولج شاب طويل القامة عريض المنكبين، ذو بشرة سمراء و عينان بُنية داكنة، يميز وجهه شارب كثيف تتوارى خلفه شفتاه الغليظة قليلًا، يُدعى ” عبد الكريم ” هذا الشاب افضل شباب جيله، حيث السُمعة الطيبة و الشهامة و الكرام، تجاوز الخامسة و الثلاثون من عمره ومازال أعزب، قلبه معلق بها وهي لا ترأه من الأساس، و لكن لا بائس هو يناجي ربه ليلًا نهارًا لترضى بهِ زو جًا، فـ صبرًا جميلًا .
❈-❈-❈
و ضع ” عبدالكريم ” الصناديق الخاصة ببعض أدوات التصنيع، ثم جلس ليلتقط أنفاسه و هو يجفف حبات العرق المتكونة أعلى جبينه، بطرف قميصه الأسود، كانت عيناه تسترقان النظر إليه، اليوم ليست كسابق عهدها، تُرى ماذا حدث، هل هي غاضبة بسبب والديها أم قام بتوبيخها مدير المحل ؟ .
انتشله من بئر أفكاره صوت ذاك الرجل العحوز و هو يشير بيده آمرًا إياه أن يحمل الصناديق إلى المخزن الداخلي و راح يقول بحدة .
– شيل يا عبده الصناديق دي جوا يلا وهات الأسور و السلاسل عشان نبيلة تقفلهم عشان النهاردا الفرع الرئيسي جاي ياخدهم .
أومأ برأسه و قال بلسانه الثقيل و حروفه المتلعثمة قليلًا .
-حـاضـر يا عدلي .
بدأ في حمل الصناديق و ترك ” نبيلة ” تتحدث مع صاحب المحل عن النقوشات المطلوبة، و ما الأدوات التي تنقصها لتُنهي عملها كما يجب أن يكون، عاد من جديد و بين يده العمل المطلوب، جلس مقابلتها و بدأ يساعدها .
في ترتيب الأشياء حسب أولويتها، تردد كثيرًا في فتح باب الحديث، دائمًا صامتة دائمًا تحدثه داخل إطار عمله، يريد أن يخبرها برغبته في الز واج منها، و هي لم تدع له فرصة واحدة لفعل ذلك، ظل شاردًا في ملامحها حتى لوحت بيدها أمام وجهه وقالت بنبرة ساخرة .
– مالك يا عبده سرحان فيا كدا ليه .
حرك رأسه علامة النفي وقال بكذب وهو يحاول أن يوضح مخارج الفاظه لتفهم مايريد قوله
– مافيش أنا بس سرحت شوية
تابع بتذكر وهو يخرج مبلغ من المال وقال
-معلش يا نبيلة نسيت اديكِ الجمعية، هو أنا هقبضها الشهر دا ؟ .
تناولتها “نبيلة ” منه ثم قامت بعدها ببطءٍ شديد و هي تنظر إليه لتبدء في مقدمات لا حصر لها ليرد بعتذار قائلا
– أنا مش فاهم حاجة أنا عاوز اعرف هو دا دوري ولالأ ؟
– بص الشهادة لله دا دورك بس أنا بستأذنك يعني اخدها أنا الشهر دا عشان فرح أختي وأنت الشهر الجاي
– بس
-و الله العظيم يا عبده هتاخدها الشهر الجاي و عد مني أنا عارفة إن دي تاني جمعية اعمل فيك كدا بس معلش أنت عارف ظروفنا و إن اختي دعاء هتتجوز خلاص معلش يا عبده تعال على نفسك المرة دي .
توسلها ورجائها الممزوجة بالإبتسامة الواسعة جعلته يرضخ لرغبتها معلنًا استسلامه كالمعتاد
تلك الغبية لاتعرف إن هذه النقود هي نقود مصوغاتها الذهبية التي يريد أن يبتاعها لها و كيف تعلم و هو كالتمثال أمامها، باشر عمله في هدوءٍ تام بينما بداخله بركانًا من الغضب لم يختلف حالها عن حاله كثيرًا فهي أيضًا تشعر بالغضب لكنعا بارعة في كتم غضبها في و قت عملها.
❈-❈-❈
في منزل ” عبد الكريم ”
جلست والدته تتناول وجبة الإفطار في هدوء حتى و لج شقتها من يعكر صفوها دائمًا، زوجات ابنائها عاشقات في فعل ذلك، و لكنها لم تترك لهن المجال، قامت بسحب الأطعمة أسفل الأريكة الخشبية، و قبل أن تتحدث سألها ابنها الأكبر قائلًا بسخرية
– إيه ياما بتداري الأكل ليه تحت الكنبة متخافيش احنا فاطرين فوق
– و ها داري ليه ياحبيبي أنا بس شبعت والحمد لله
– طب ياما انا عاوز 300 جنية سلف منك لآخر الشهر .
مصمصت والدته شفتيها ساخر و هي تقول بكذب كعادتها في مثل هذه المواقف الشهرية
– منين يا حبيبي كان على عيني و الله كل معايا 100 جنية هكمل بيهم الشهر
ضحك ابنها وهو يتسأل بتعجب قائلا
– بقى 100 جنية هتكملي بيها يافوزية و بعدين أنا طلبتهم من عبده و هو قالي هاسبهم مع أمك بليل لما ارجع من الشغل
– ممدوح عاوز إيه فلوس مش معايا ولو معايا مش هاديك، و اخوك ماسابش معايا حاجة ارتا حت كدا ؟! .
ردت زوجة ممدوح وقالت بنبرة مغتاظة و هي تلوك العلكة في فمها يمينًا يسارًا
– ليه يا خالتي ما هو بيستلف و بـ يرجعهم
– ايوة و بيرجعهم إمتى يا حبيبتي بعد ما الشارع كله يتفرج علينا و بعدين مالك أنا و ابني بتتدخلي ليه
همت زوجة ممدوح لترد فـ غمز لها زوجها مانعًا إياها ليستطيع أخذ النقود من و الدته لكنها كانت صارمة، حاسمة، ورفضت إعطائه من فعل ذلك، ا رتشفت رشفات سريعة من الشاي الساخن غير مبالية بما يحدث حولها، غادر ا لجميع وبقت هي وحيدة بعد أن فشل ابنائها في إقناعها بإعطائهم النقود المطلوبة، أتت إحدى جاراتها و بدأت تحدث عن ما حدث بالوصف التفصيلي، سألتها الجارة قائلة بفضول .
– طب و افرضي سأل عبده ها تقولي إيه
– هاقل له اديته الفلوس و هو بيكدب عليك عشان زيادة ممدوح لو لاقى عبده جنية هياخده و الواد غلبان نفسه يلم نفسه و يتجوز وأنتِ زي ما أنتِ كدا شقته عاوزة فلوس قد كدا عشان تخلص
تابعت بحماس شديد وقالت
– قولي لي أنا ها قبض الأسم بتاغي إمتى ؟
– الشهر دا بأمر الله
– طب كويس خليهم معاكِ لحد ما ممدوح يدفع لك الفلوس .
.
ختمت و الدة ” عبد الكريم” حديثها قائلة بتحذير
– اوعي يا دعاء تقولي لـ مراته إني داخلة معاكِ و لا دا الإسم بتاعي احسن يقولوا مش معانا ندفع و الفلوس تروح عليا
– لأ متقلقيش أنا مش بعرف حد مين داخل
❈-❈-❈
في مساء نفس اليوم
التف الجميع حول المائدة لـ تناول وجبة العشاء .
الأطفال يلعبون في ساحة البيت، و الأبناء يتبادلون أطراف الحديث مع أخيهم “عبدالكريم” الذي خيم عليه الحزن اليوم، علمت والدته سبب حزنه و قبل أن تخبره أنها لديها الحل السحري، دخلا اشقائه وصمتت هي و قامت بتحضير وجبة العشاء، و عند عودتها وجدت ابنها ” ممدوح” يخبر اخيه عن احتياجاته و متطلبات البيت و قبل أن يُنهي حديث دس ” عبد الكريم” يده في جيبه ليخرج مبلغ مادي التقطه ” ممدوح ” كالبرق في سرعته و لكن لم تتدوم فرحته كثيرًا فقامت والدته ذات الحركة، مبررة فعلتها قائلة:.
– معلش يا ممدوح بس دي فلوس البقال و الجزار علينا ديون يا ابني معلش
اتسعت أعين ” ممدوح” عن آخرها و قبل أن ينطق بحرفًا واحد، تابعت بسعادة قائلة
– اخوك عبده هايخطب خلاص
رد ” حمدي” قائلا بسخرية
– و دي مين اللي أمها داعت عليها ورضيت بي
ذلة لسان، إهانة، و سخافة اعتاد عليها من الجميع بسبب تلعثمه في الكلام، لكنه لم يعد يهتم لهذه التافهات، كانت والدته كالدرع الواقي له من صدامات الغير و تحديدًا اخواته .
تناول وجبته و هو يشعر بالمرارة في حلقه لكنه استمر حتى لا تصنع أمه مشاجرة جديدة معهم، انتهى سريعًا من وجبته و ذهب إلى المطبخ ليصنع كوبًا من الشاي الساخن، و قبل أن يلج غرفة نومه نادته والدته و اخبرته بترتيباتها لن ينكر أن مفاجاة والدته هي التي اثلجت صدره حقا، جلس و بدأ يصغى إلى جيدًا و هي تسرد كيف دبرت النقود، طلبت منه العفو قائلة بحزن
– متزعلش مني ياعبده بس أنت عارف اخواتك لو لاقوك. جنية هياخدوك و أنت غلبان انا يا ابني قلت احسن العمر مش مضمون و بعدين اخواتك يقولوا امك سابت فلوس معاك و أنت تصدق و تديهم .
ضمها لحضنه بعد أن قبل يدها ثم رأسها و قال بإمتنان
– تسلم دماغك ياما و الله ماعارف اقل لك إيه
– تقولي إمتى هنروح نطلب نبيلة و نفرح بيك
– اختها هتتجوز الخميس الجاي خليها
قاطعته و هي تقول بحماس بعد أن عانت في جمع جملة مفيدة من حديث الذي يستمر طويلًا.
– و ليه يا حبيبي نأجلها احنا نروح بكرا و لا بعده نطلبها و نحجزها و نديهم ست شهور يحضروا نفسهم نكون احنا كمان حضرنا نفسنا .
❈-❈-❈
في منزل ” نبيلة ”
كانت تستمع لوالدتها التي تشكو دائمًا من قلة النقود، لم تستطع تحمل هذه الشكو انفجرت فيها قائلة بغضبٍ جم
– في إيه ياما كل شوية مافيش مافيش اومال إمتى بيبقى في ؟ و بعدين اجيب لك منين ؟ و بعدين فين معاش ابويا و لا مرتب دعاء هو أنا بس اللي معايا فلوس ؟ .
ردت والدته بنبرة مغتاظة لا تختلف عن نبرة ابنتها و قالت بسخرية و هي ترتب حقائب ابنتها العروس
– معاش سلامات يا معاش معاش إيه دا يابت اللي يجهز عروس و لا يفضل طول الشهر و لايسد ديون، دا أنا لولا بدبر قرش من هنا على قرش من هناك كنا اتفضحنا ربك ياختي بيسترها، و اختك دعاء شالت ايدها خلاص من المصاريف و قالت دبروا نفسكم أنا ماشية آخر الشهر دا وروني هتعملوا إيه بقى من غيري ؟ .
– اه و المفروض عليا اشيل الليلة دي كلها لوحدي صح ؟
– اعمل إيه أكتر من اللي بعمله كل قرش معايا بحطه في و قرش منك على قرش من ابوكِ و الدنيا بتمشي، خلاص ياختي هانت كلها يومين تلاتة و اختك تتـ ـجوزها و بعدها الدور عليكِ و
قاطعتها ” نبيلة” قائلة بنبرة لاتقبل النقاش و هي تضرب بكفها على الآخر
– ريحي دماغك أنا مش هتجوز أنا هقعد جنبك
ردت والدتها مقاطعة بسرهة و هي تنهرها و تعنفها قائلة
– تقعدي جنبي تعملي إيه ياعنيا ياختي أنا خليني اخلص منكم واحدة ورا التانية دا إنتوا زي الهم على القلب .
❈-❈-❈
تركتها” نبيلة ” و ذهبت حيث شرفة الردهة كادت تقف فيها حتى وصل إلى مسامعها صوت أختها و هي تخبر ز و جها المستقبلي بأدق التفاصيل التي تحدث في البيت و ليس ذلك فحسب بل تطمئنه أنها لن تتخلى عنه و سوف تساعده في انهاء تحضيرات حفل الزفاف .
ولجت لتعلن عن وجودها، انتفضت أختها من ظهورها المفاجئ، ضغطت على زر القفل و سألتها بصوتٍ مرتفع قائلة
– في إيه يانبيلة حد يخض حد كدا ؟
– في إنك باردة و ماعندكيش دم، في إن أنا طالع عيني شغل في البيت وبرا البيت عشان اكمل مصاريف جهازك و اساعدك و أنتِ رايحة تساعدي حبيب القلب .
– ايوة اساعده جوزي ؟
– جو زك ؟ طب و أنا ذنبي إيه ؟ها ذنبي إيه اتحمل مصاريف اكتر من طاقتي ؟؟
ردت ” دعاء ” بنبرة ساخرة و ملامح تحمل كل الغضب والغيظ الشديدة من ردة فعل أختها
– ماخلاص يا ست بلبلة نبقى نعوضها لك في يوم فرحك و بلاش تذليني كل شوية كدا
– و حياتك ماهشوف وشك من بعد ماتتجوزي لـ تكوني فاهمة يابت إن الواد دا هايسبك تصرفي علينا كدا فلوسك اللي هي أصلًا هتروح عليه أول بأول
– مابراحة يا ست نبيلة الواد مش حِملك هو كان عمل لك إيه لدا كله يعني ؟! .
❈-❈-❈
تعلم أنها كان مخطئة عندما تحدث بكل هذا العنف الذي لم تجد له مبرر، منذ بداية اليوم و هي تعنف الجميع، اعتذرت لأختها و طلبت منها أن تبتسم و أن ما حدث بسبب الضغط الذي تتعرض له يوميًا من صاحب العمل
لم يكن بالـ ـيد حيلة كمان يقولون، ابتسمت إبتسامة مزيفة لتخبرها أنها لن تحمل في قلبها كُرهً لها و لكن بقرارة نفسها، هي لا تُكن أي مشاعر تجاهها سوى الحقد والكُره، لأختها و لأي أحد يريد هدم بيتها الجديد، كانت ترمقها بنظراتٍ سخط و كُره، رغم محاولاتها في إخفائها لكن باءت جميع محاولاتها بالفشل .
ردت” نبيلة” قائلة بجدية
– ماشي يا دعاء بكرا تقولي نبيلة أختي قالت
و على العموم ياستي متزعليش حقك عليا و ادي راسك ابو سها ااااه ايـ ـدي يا دعاء مالك في إيه ؟!
نظرت لها اختها بسخطٍ و كره ثم قالت بنبرة محذرة .
يتبع
الفصل الثاني
—————
نفضت ” دعاء” يـ ـد اختها ” نبيلة” رافضة المصالحة أو كلمة الإعتذار من الأساس
عاتبتها كثيرًا و لكن لا حياةً لمن تنادي، ربتت على كتـ ـفها و قالت بنبرة صوتها الهادئ قائلة:
– ماشي دعاء مش هزعل منك عشان أنا اللي زعلتك في الأول و أنتِ عر و سة من حقك تتدلعي ياستي و من الحق الكبير يدلع .
❈-❈-❈
ظلت تدا عبها حتى ترى إبتسامتها على وجهه مرةً أخرى لكنها أبتسمت ابتسامة مزيفة بالكاد ارتسمت على ثغرها و انتهت المشاجرة المعتادة عليها و غادرت ” نبيلة” من الشرفة جلست في غرفتها تتصفح آخر الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، ظلت تتنقل بين الصفحات و هي تتمنى يومًا من الأيام أن ترتدي ثو بها الأبيض من احد بيوت الازياء الشهيرة، العجيب أنها لم تتأثر بقضـ ـية حبيبها بل القته من حياتها كأنه لم يزور قلبها يومًا، بل تحمد الله على إنقاذها قبل فوات الأوان .
و قبل أن تغلق حسابها الشخصي و جدت ابن صاحب المحل الذي تعمل فيه قام بتحديث صورته الشخصية، لاحت إبتسامة خفيفة على ثغرها و هي تقول
بتحسر على حالها
– اهي دي العرسان و لا بلاش مش أحمد اللي كنت هقع في
قامت بكتابة تعليق مجامل و سرعان ما و جدته يرد على هذا التعليق دون غيرها، وفي أثناء الكتابة و انتظار الرد بين التعليقات جائنتها رسالة عبر حسابها الشخصي، نظرت لها و قالت بنبرة حائرة
يا ترى عاوز إيه ؟
قامت بالرد على رسالة” عبد الكريم” ظلت تتبادل معه اطراف الحديث حول العمل ثم أخبرها أن يريد مقابلة و الدها، لم تفهم في البداية لِمَ هذه المقابلة لكنها ظنت أنه يريده في أمرًا هام و لم يأتي ببالها أمر الخطبة، قامت بترحيب زياريه كـ نوع من أنواع المجاملة و انهت معه الحديث .
قامت بغلق حسابها ثم هاتفها و دخلت لغرفتها، تمددت بجـ ـسدها على الفراش، تفكر في حياتها المستقبلية كم تمنت أن تـ ـتز وج بـ رجلًا قادرًا ماديًا يغير لها نمط حياتها، يا إلهي إن حدثت المعجزة و تز و جت بـ ابن صاحب العمل، هنا فقد ستعلم أن والدتها دعت لها يوم ليلة القدر، و لكن كل هذه أحلام وردية لا علاقة لها بـ الواقع الذي تعيش فيه، ظلت هكذا حتى غلبها النعاس .
❈-❈-❈
و في مكانًا آخر و تحديدًا في منزل “عبد الكريم” لم تستطع ز و جة شقيقه كتم ما يعتمل أكثر من ذلك، كل ما فعلته و سوف تفعله والدة ز و جها لا يروق لها من الأساس، ظلت تجوب الغرفة ذهابًا إيابًا تنفخ وجهها و كأنها تنفخ نيران الغيظ و الغضب الشديد، ثم تنظر لـ ز و جها و تقول بغيرةً شديدة
– بقى اخوك اللي ما بيعرفش يقول كلمتين على بعض ياخد الشقة و يفرشها لأ و كمان
يتـ ـجوز فيها بعد ماكنت خلاص هاخدها أنا لابنك
تابعت بغيظٍ يفوق غيظ العالم بأسره قائلة بصوتٍ مرتفع
– آآآآه يا ناري همـ ـوت من الغيـ ـظ و القهـ ـرة
رد ” ممدوح ” و هو ينفث سحابة دخان كثيفة في سقف الغرفة و قال بهدوءٍ شديد عكس
ز و جته تمامًا
– ما خلاص يا لُبنى بقى اعصابك مش كدا و بعدين مين قالك إن حد هيرضى بـ عبده
– كتير يا خويا كتير اخوك شغال و بيكسب على قلبه قد كدا و الراجل مافيش حاجة تعيبه غير جيبه و دا جيبه قد كدا
– اه جيبه عامران بس زي الاهبل ما بيعرفش يقول كلمتين ورا بعض و مين دي اللي هاترضى بي على رأي حمدي
– خليك أنت كدا أنت و اخوك لما يتـ ـجوز و يخلف و مراته تيجي تلم الجمل بما حمل
تابعت بنبرة مغتاظة و هي تجلس على حافة الفراش وقالت
– آآآه يا ناري لو أعرف العروسة دي مين و لا ساكنة فين لا كنت رحت و فضلت على ودنها زي اللي راحوا، بس اقول إيه امك زي
العـ ـقربة فضلت ساكتة ساكتة لحد ما صحتنا على خبر زي وشها، منها لله !
قام”ممدوح” بسحب الدثار على جسده ، وهو يتمتم بكلماتٍ يسُبها فيها مرة و يلعن حاله الف مرة لن تهدأ حتى تدمر زيـ ـجة أخيه كعادتها
أما هي تتحسر جلست تتحسر على ذلك البنك المركزي الذي كاد يلحق في سماء غيرها، ليته لم يتزوج ليتها تعرف من هي العروس هذه المرة، كم تمنت أن تحظى بـ ـزوج مثله سخي لا يترك صغيرة و لا كبيرة إلا و ابتاعها لها، لن تنكر أنها تغار و لكن لاتعرف منه أم عليه ؟!
وثبت من مكانها و كأن لدغة للتو، ظلت تتوعد للعروس القادم إن أتت هنا ستندم ندمًا لم تعرفه من قبل، لن تترك هذا يذهب لغيرها ابدًا
حتى و إن كانت ز و جته لن تترك هذا الخير ابدًا
❈-❈-❈
في الشقة المقابلة
لا يختلف حالة زوجة حمدي عن زوجة ممدوح، النيران تأكلها أيضًا و لكن هذه المرة
ز و جها هو من يشعر بالغيـ ـظ الشديد، كان يريد هذه الشقة ليـ ـتزوج فيها، لو كانت تعلمت ز و جته لأكلت عظامه قبل لحمه، متى قام بجمع كل هذه الاموال، اللعنة والدته تساعده اكثر منه و من أخيه، دائمًا هو الفتى المدلل، ربما لإعاقة لسانه المتلعثم، دائمًا ينعته بالابله
و اخيه لا يرد و هذا ما يزيد من غضبه يريد مشاجرة لطرده من البيت ليفعل ما يحلو له بهِ
ظل على هذا الوضع يفكر و يُدبر و ينفث غضبه في سجائره حتى تجاوزت الساعة الخامسة فجرًا ذهب إلى عمله و هو لم ينعم بالنوم ولو لمدة خمس دقائق على الأقل
❈-❈-❈
في عصر اليوم التالي
قرر أن يضع مخططًا جديدًا لفسخ الخطبة قبل حدوثها من الأساس
هبط سلالم الدرج بخفة وسرعة، ثم ولج شقة والدته ظل يبحث عن أخيه ” عبدالكريم” فلم يجدهُ، سأل ز و جته فـ لوت شفتاه ساخرة و هي تهمس بجانب أذنه وراحت تقول
– راح ياحبيبي يشتري شوية حاجات عشان العروسة الجديدة
– و أمي فين مش شايفها يعني ؟
– دخلت تلبس
– الاه هو مش هنروح معاها و لا إيه ؟
خرجت والدته من غرفتها و قالت بهدوء كعادتها في مثل هذه الأمور
– ها تروح ياحبيبي متقلقش بس احنا هنروح بس نعرض لسه عليهم
تابعت بحزن مصطنع و هي تجلس على حافة الفراش قائلة
– بيني و بينك خايفة العروس ترفض و مشوارنا يبقى على الفاضي عشان كدا قلت لأخوك عبده خلينا نروح زيارة عادية نشوفها انا و هو و بعدها نتجمع كلنا و نقرأ الفاتحة
خرجت الأم وسط دهشة و ذهول كل من في البيت نفذت مخططاها رغم أنف الجميع، استقلت سيارة الأجرة و هي تستمع لـ سؤال
” عبد الكريم” و هو يحدثها هامسًا بجانب أذنيها بصوته المتلعثم
– اومال فين اخواتي ؟
– مش هايجيوا قلت لما الموضوع يتم نبقى ناخدهم ساعتها .
– كدا ها يزعلوا مننا
– يا اخويا سيبك منهم اللي يزعل يزعل و بعدين دا عينهم وحشة
❈-❈-❈
حرك ” عبدالكريم ” رأسه حركة يمينًا و يسارًا
و على ثغره إبتسامة خفيفة لكنها نابعة من قلبه يشعر بسعادة لا مثيل لها ، و لكنه يخشى أن يفقد هذه السعادة، أما و الدته فـ هي تفكر في شيئًا آخر رغم سعادتها له إلا إنها تخشى أن يتم رفض ابنها ككل مرة، كانت في صراع مع الجميع لتـ ـز و جه، الجميع يطمع في امواله و هو كـ والده سخي، و ما في جيبه ليس له تريد أن تأخذ ابنائها معاها و تتباهى بعائلتها مثلها كـ مثل أي أسرة عادية و لكن كيف و أبنائها يكرهون أخيهم و يريدون فسخ أي خطبة قبل بدايتها، و صلا أخيرًا إلى منزل العروس، التي لا تعلم حتى الآن إنها عروس
قرع الناقوس و تم التعارف ثم جلست العائلتين في غرفة الضيوف، بدأ
“عبد الكريم” في شرح ما يريد على الرغم من أنه قام بـ تدريب حاله كثيرًا إلا إنه باءت جميع محاولاته بـ الفشل .
ساعدته والدته في تسيهل هذه المهمة و نجحت بالفعل في نقل رغبة ابنها بالز و اج من ابنة العم محمد، نظرت العم محمد لـ ز و جته
التي حاولت جاهدة كبح ضحكاته بسبب لسانه المتلعثم، لكزها ز و جها و نهضت على الفور قبل أن تحرجه أكثر من ذلك، تنحنح و هو يعود ببصره و قال بجدية
– و اللهِ يا ابني أنت تشرف أي عيلة و أنا شخصيًا ما عنديش أي مانع، بس زي ما أنت عارف البت دعاء بنتي ها تتـ ـجوز على يوم الخميس الجاي و جو ا ز البنات مش بالسهل يعني
ردت والدة عبد الكريم قائلة بتوتر
– ما هو احنا يا حاج محمد مش ها نتـ ـجوز في يوم و ليلة، و بعدين احنا مش ها نعرف بعض النهاردا دا جيران و العيال متربية سوى و أنت اللي مربي عبده
– و الله ياست أم عبده انا ما عنديش مشكلة بس كل بطلبه إني اخد مُهلة خطبين في الراس تو جع و أنتِ ست العارفين
– طب نقسم البلد نصين إيه رأيك لما نخلي مدة الخطوبة ست شهور منها الولاد يعرفوا بعض و منها يكون كل واحد مننا خلص الحاجات اللي عليه و مش ها نختلف و اللي تقدر عليه هاتوا قلت إيه
– لا إله إلا الله محمد رسول الله خلاص اللي تشوفي اهي البت بنتك و عبده ابني و مش ها نختلف
تهللت أسارير العريس و والدته رفع ” عبد الكريم” و قال بـ سعادة
– نقرأ الفاتحة يا عمي
و أخيرًا نجح العم محمد في جمع جملة مفيدة
رد بإبتسامة خفيفة رافعًا يده لأعلى و قال
– يلا يا ابني نقرأ
تابع بتذكر قائلا بفضول
– لا مؤاخذة في السؤال اومال فين اخواتك ماجوش ليه ؟
ردت والدته قائلة بسرعة
– في الشغل يا حاج و بيني كنا جاين مجرد زيارة بس النصيب بقى الزيارة الجاية بأمر الله
– و ماله مافيش مشكلة
❈-❈-❈
تعالت الزغاريد و بدأت المباركات و إلى الآن
” نبيلة ” لا تفهم سببها أو لا تريد، وقفت شقيقتها تزين وجهها بمساحيق التجميل، و هي تسخر منها محدثة إياها قائلة
– عريس الهنا يا ياما جه لاختي ياما
ردت والدتها و هي تضع الحلوى في الأطباق المخصصة لها قائلة
– بس يا بت اختك تزعل
ردت ” نبيلة ” بغضـ ـبٍ وغيـ ـظٍ شديدان
– و ازعل ليه هو أنا كنت العر و سة
وضعت والدتها يدها أسفل ذقنها و قالت بنبرة ساخرة
– اومال فاتحة مين اللي قرأها ابوكي دي عروسة ؟
وثبت من على حافة الفراش و قالت بغضبٍ جم قائلة
– ماما ما تجبيش سيرة عروسة دي تاني، و عشان تبقوا عارفين أنا مش ها تجـ ـوز اللي اسمه عبد الكريم دا لو حتى قتـ ـتلوني أنا بقلها لكم اهو !
اقتربت منها والدتها و قالت بهدوء معتاد في مثل هذه المواقف
– لأ الكلام دا أنتِ تقولي لـ ابوكي أنا مليش دعوة بالحوار دا، لكن دلوقتي يا حبيبة أمك خُدي بقى العصير و الجاتوه دا و طلعي برا يلا
جلست ” نبيلة ” على طرف الفراش مرةً أخرى و قالت بعناد و هي تهز قدماها
– مش خارجة و شوفي مين بقى ها يقدم لـ عريس الهنا
فرغ فاه والدتها و كادت تتحدث لكن صوت
و الدها قاطعها و هو يناديها حتى تأتي بـ العصائر، لم يكن أمامها سوى الموافقة، توسلات والدتها، حملت حامل العصائر بين يدها لكنها قررت أن تضـ ـرب بكل هذا عرض الحائط و ترفض ” عبد الكريم” خرجت و وضعت العصائر بطريقة غير لائقة، حدجها والدها، فـ اعتذرت منهم، و قبل أن تتحدث أمرها والدها بأن تخرج من الغرفة، عادت تجر خيبات الأمل خلفها، لو كان الأمر بيـ ـدها لرفضت للتو، لكن والدها دمر مخططها، ظلت تجوب الحجرة ذهابًا إيابًا و نيـ ـران الغيـ ـظ و الغضـ ـب تأكلها بلا رحمة، غادرت والدة العريس برفقة ابنها، و ولج العم محمد غرفة ابنته و هو يتوعد لها بالضـ ـرب المبرح انكمشت في أحد الأركان و هي تتلقى ضربات والدها القاسية محدثًا إياها بغضـ ـبٍ
– إيه اللي عملتي دا يا بت كدا قلة الذوق دي
رفعت بصرها وقالت بنبرة متحشرجة و الدموع تملئ مقلتها
– في إيه يابا انا مش عاوزة عبده أنا
ها تجـ ـوز واحد اهبل و ما بيعرفش يتكلم كلمتين على بعض !
– ماله يا اختي الاهبل اللي بتقولي عليه دا شوفي داخل عليكي شايل و محمل إيه مش زي عريس الهنا جـ ـو ز أختك اللي مدخلش علينا بطبق مخلل حتى
❈-❈-❈
ردت ” نبيلة ” صارخة في وجه أبيها و قالت من بين دموعها
– إن شاء الله يكون جايب لي نجمة من السما بردو مش عاوزاه ومش هاتجـ ـوزه يابا و لو اتجـ ـوزته همـ ـوت نفسي
– مو تي و لا تغوري في داهية حتى مش احسن ما تمو تي من الجوع، يا بت أنا عامل على مصلحتك الواد هايعيشك في عيشة متحلميش بيها
– لأ يابا مش عاوزاه يعني مش عاوزاه
– طب و الله العظيم لتاخديه و لو ماخدتيش عبده ما في خروج و لا شغل ورجلك دي مش ها تعتب برا باب البيت و وريني ها تعملي إيه نبيلة
غادر والدها تاركًا إياها تستشيط غضبًا من تحكماته لو كان الأمر بيدها لصرخت الآن وأخبرت الجميع بهذا الخبر التعيس، ظلت تبكي و كأن هذا الاختيار الوحيد امتاح أمامها الآن .
أما “عبد الكريم” كان شاردًا في تصرفات العروس و قبل أن يصل إلى منزله نظر إلى والدته و قال بنبرة لا تقبل النقاش و صوت مختنق
– أنا مش هاكمل الجواز دي ياما .
يتبع
الفصل الثالث
=========
لطمت والدته بـ ـيدها على صد رها ما إن وصل إلى مسامعها صوت ابنها المختـ ـنق و هو يعبر عن حالة الحزن التي انتابته قبل أن يصل بيته ربتت على كتفه و طلبت منه أن يهدأ و يخبرها ما الذي حدث ليُنهي الخطبة قبل أن تبدأ، بدأ في شرح ما حدث و وصف تعابير وجه العروس، استمعت له و بينها و بين حالها تؤكد على حديثه لكن ما باليد حيلة كما يقولون فـ لن تفوت عليه فرصة كـ هذه، ابتسمت بحنو و حب ثم قالت
– يا حبيبي هي كدا كل البنات كدا بيتكسفوا حتى لو هي معاك في نفس الشغل، الشغل حاجة و الخطوبة و الجواز حاجة تانية خالص
أنت بس اصبر عليها إنتوا معاكم فرصة ست شهور بحالهم لو مش مرتاحين مع بعض ابقى كل واحد يروح لحاله، لكن نروح نقول للراجل إيه رجعنا في كلامنا بعد ما نزلنا دا حتى يبقى عيب في حقنا !!
ظلت عيناها معلقتان بخاصته في انتظار كلمة تريح قلبها الذي انتابه القلق و الخوف الشديدان، منحت قلبه بعض الطمأ نينة، قرر أن يرضخ لـ رغبة والدته، كان يمني نفسه أن ردة الفعل التي حدثت طبيعية و ورادة منها مثلها كـ مثل أي عروس مكانها، وصلا أخيرًا إلى المنزل وجد الجميع في انتظاره، حاول ” عبد الكريم ” رسم البسمة على شفـ ـتاه رغم حزنه الشديد الذي يعتري قلبه، و لكنه قام بـ إخفائه بطريقة مثالية جدًا.
جلست والدته و بدأت تحدثهم عن المقابلة تارة تصدق و تارة أخرى تُجمل الحقيقة، لم يستطع تكذيب والدته، جلس لمدة نصف ساعة تقريبًا ثم غادر المكان، تاركًا والدته تفعل ما يحلو له، أما هو ولج حجرته و قام بـ سحب صندوقه الخشبي المزخرف و بدأ في صُنع مشغولاته النحاسية التي يصنعها في البيت لـ يبيعها لأحد الزبائن بـ منطقة خان الخليلي في حي الحُسين .
❈-❈-❈
في مكان آخر و تحديدًا في منزل يمتاز بالفخامة و الذوق الرفيع، كان جالسًا في ردهة شقته يتابع أسعار الذهب و الفضة على شاشة حاسوبه النقال؟ عدل من وضع عو يناته الطبية، تنهد بعمق و هو يغلق الشاشة بمللٍ
للقد هاجمته تلك الذكريات المؤلمة مرةً أخرى و التي على ما يبدو أنها لن ترأف به حتى بعد مرور تلك السنوات، عاشت حياتها بعد إنفصالهما بشكلٍ طبيعي، لم تعود له و لم تندم أو تُظهر أي ردة فعل، تريد أن يأتي هو غرورها و ثقتها العامية بحبه لها جعلها تتحلى بالصبر، لم ينسى ذاك اليوم الذي ولج فيه داخل عِش الز و جية المستقبلي تستقبل عـشـ ـيقها بكل برودة أعصاب، كانت تخبرهُ بأنه افضل مهندس للديكور و لن تثق في احدًا غيره لأنه زميلها منذ أيام الجامعة، وافق على مضض وترك لها حرية الاختيار لرسم عِش
الز وجية كما تريد، قرر أن يذهب إلى هناك ليُعد لها مفاجاة و أن يخبرها بأنه تم تحديد موعد الزفاف رغم أنه عقد قرانه إلا إنها لم تجعله يقترب منها متحججة بأنها تخجل ولا تريد أن يأخذ شئ كهذا قبل الزفاف .
تحنحنح و هو يعتدل في جلسته ما إن رَ والده يلج من باب الشقة و على وجهه ملامح لا تبشر بالخير أبدًا
هوى على أقرب مقعد و هو يلتقط أنفاسه اللاهثة بسبب صعوده درج البناية بدلًا من المصعد الكهربائي .
سأله ابنه قائلا بفضول
– خير يا بابا مالك بتنهج كدا ليه و شكلك مش رايق خالص
نظر والده لها و كأنه يؤكد حديثه بل و يزيد من نظراته التي تخبره أنه المتهم الأول فيما يشعر به الآن .
رد والده و قال بصوت هادئ لكنه خلفه يتوارى غضبٍ شديد
– بجد بتسألني مالي ؟ قال يعني مش عارف أنا مالي ؟ ماشي يا شهاب ها اقل مالي، أنا يا سيدي رحت خان الخليلي عشان ادور على حد بـ يصمم اكسسوارات بسعر مناسب و أشكال حلوة
– و بعدين ؟
– و لا قبلين زي ما رحت زي ما جيت
– طب و الولد اللي كان بيعمل لك الشغل بتاعك راح فين ؟
– قصدك عبد الكريم ؟
– اه
– لا دا ساب المكان من سنتين و اشتغل في حتة تانية دا أنت حتى ما عرفش هو راح أي منقطة
تابع والده بنبرة مغتاظة و هو ينظر إليه و قال
– كله منك أنت
سأله ” شهاب ” بدهشة و ذهول شديدان قائلًا
– أنا يا بابا ؟
رد والده قائلا
– ايوة أنت يا حبيب بابا لولا اصرارك إننا نمشي من السوق كنا زمانا عرفنا ناخد حتى نمرته و نتواصل معاه بس اقول إيه ربنا ابتلاني بـ واد هو اللي ابويا مش أنا !!
ارتسمت إبتسامة صافية على وجه ” شهاب”
بسبب حديث والده، تنحنح و هو يربت على يده قائلا بنبرة حانية
– يعني كان عجبك يا المكان الزحمة دا على العموم أنا هاتصرف و هحاول اوصل له
رد والده صارخا
– إمتى بقى يا حبيبي و رمضان على الابواب و بعدها العيد يعني مافيش وقت و الله أعلم بقى هيرضى يشتغل لنا شغل مخصوص و لا لأ
ابتسم ” شهاب” و قال بهدوء حد البساطة
– بابا يا حبيبي الفلوس بتصنع المعجزات و هو ها يوافق يعمل أي حاجة و كل حاجة عشان دا شغله و هو أكيد محتاج لـ الفلوس و بعدين أنت مش واثق في ابنك و لا إيه أنا شهاب بهجت الشناوي يعني مش أي حد .
– ماشي يا شهاب ها سيبك لك الموضوع وريني بقى ها تعمل إيه
تابع بجدية مصطنعة قائلًا
– قوم يلا حضر لنا لقمة حلوة نأكلها و لا معملتش أكل !!
رد ” شهاب” ضاحكًا و هو يقف عن المقعد قائلا
– اكيد عملت هو أنا اقدر معملش دا اطرد من البيت و المحل دوق و ادعي
– و لا ادعي عليك ما هو أنا عارف أكلك دا بيجيب تلبك معوي و بعمل غسيل معدة مرتين في اليوم
ولج ” شهاب” المطبخ المطلة على ردهة الشقة حيث تم تصميمه على الطريقة الإيطالية وقف يحضر الطعام و عيناه لا تبرح الموقود لكنه يحدث أبيه قائلا بنبرة متعجبة
– و لما اكلي وحش اوي كدا إيه اللي غصبك عليه
– قال إيه اللي رماك على المُر قال الأمر منه
عقد ” شهاب” حاجبيه و قال بتساؤل و على ثغره إبتسامة خفيفة
– يعني إيه ؟
– يعني اكلك ما يتأكلش صحيح بس اهو احسن من أكل الشارع و المطاعم على الأ قل عارف دا مين عامله إنما التاني لأ
تابع والد شهاب و هو ينظر إلى المجلات الموضوع على سطح المنضدة الخشبية و قال بفضول و هو يقبل بين صفحاتها
– هو دا الكولكشن الجديد ؟
رد ” شهاب” و هو يضع الطعام على حامل الطعام و قال بعدم رضا
– اها بس مش ها تلا قي حاجة حلوة
– معقول كل دا ما فيش فيهم طقم واحد عجبك ؟
– فيهم في حاولي تلا ته بس مش الواو اللي انبهر بيهم فاهمني
– اه فاهمك طب و أنت ها تفضل مختفي كدا كتير ؟
خرج” شهاب ” من المطبخ و أتى لـ والده جلس جواره ثم ناوله الصحن المخصص له و قال بعدم فهم
– قصدك إيه ؟
– قصدي إن دي تاني سنة تغيب عن العرض السنوي و الناس بدأت تسألني شهاب ما بينزلش ليه فين شهاب ؟
– بابا حضرتك عارف إن أنا راجل مزاجي جدًا و مش أي حاجة تنزل اخدها و لا أي أنا بحب اجري ورا الشهرة و الصحافة، أنا بعمل اللي أنا برتاح له و بس و لأني مبحبش أبقى مقرر و الناس تحس إني ما نزلت جديد بفضل إني انزل كل سنتين احسن ما انزل كل سنة و أنا زي ما أنا مابغيرش حاجة .
– ولاه أنت واجع قلبي في كل حاجة كدا و كل حاجة عندك ليها رد عشان كدا مش ها تعب قلبي معاك هات قوم اعمل قهوة دماغي ها تنفجر
رد ” شهاب ” ضاحكا و قال
– حاضر
تابع والده قائلًا بتذكر قائلًا
– صحيح أنت نازل إمتى ؟
– نازل فين ؟
– مش بقالك كام يوم بتنزل تروح النادي مع صحابك
– لأ مش هنزل تاني
– ليه ؟
– مش مرتاح معاهم
ليه كدا إيه اللي حصل ؟
– مش عارف بس بحس نفسي مش مرتاح معاهم
– بص أنا مش ها قدر اغصبك على حاجة و اعرف منك بس طالما أنت مش حابب تتكلم خلاص براحتك، عموما أنا ها ادخل انام شوية
– طب و القهوة ؟
– لأ خلاص مش مهم لو ها تخرج متتأخرش
– حاضر
كاد أن يغلق شاشة حاسوبه النقال لكنه ضغط على احدى الملفات لتظهر صورتها أمامه
وقف والده خلفه و قال بنبرة معاتبة
– ليه مش عاوز تنسى ؟! ليه دافن نفسك في ذكريات وحشة زي دي
نظر له ” شهاب” و قال بنبرة ذاهلة
– انسى ؟! انسى إيه بالظبط ؟! دا أنا كنت بحرم نفسي من إني أأقرب منها رغم شوقي و حبي ليها فاهم يعني إيه تلاقي حب حياتك و خطيبتك اللي هي كلها أيام و تبقي مراتك بشكل رسمي في حضـ ـن راجل غريب، عارف يعني إيه تتكـ ـسر قصادها قبل ما
تتكـ ـسر أنت قصاد نفسك داست على قلبي و كرامتي و رجولتي، كانت عاملة عليا أنا
شر يفة و تقولي أنت كتاب كتابك اه بس دا مايدكش الحق تقرب لي و أنا كنت بحافظ عليها أكتر من نفسي !!
قال” شهاب ” عبارته الطويلة بنبرة متحشرجة تملؤها الحزن و الآسى، بينما غادر ذاك الأخير لعدم قدرته على التكلم أكثر من ذلك، اختلا بنفسه داخل حجرته متخذًا وضع القرفصاء ليجبرهُ عقله على تذكر تلك الليلة الملعونة
كانت مستلقية بجسدها داخل الفراش الوثير
متوسدة صدر عشيقها العارِ، بينما ولج هو الشقة متجهًا صوتها حين قالت
– مبحبوش و مش عاوزاه بس مضطرة افضل معاه ماهو مافيش حل تاني
– طب و أنا ؟!
– أنت حبيبي و روحي و قلبي انما هو لا كان ولا هيكون و إن كان على مقابلاتنا هتفضل في السر زي ما هي لحد ما نشوف حل للوضع دا ما هو أنا بصراحة مش هفضل كدا كتير حتى لو بابا
قـ ـتلني
وقف متخشبًا مكانه لا يعرف مالذي يجب عليه فعله هل يغادر أم يلج و يواجههما الوضع الذي وقع فيه لا يحدث عليه تمامًا، حسنا سيغادر المكان دون أدنى مواجهة لا بل عليه يواجه بين هذا و ذاك وقفت هي عارية تمامًا محاولة جذب الشرشف من يد عشيقها لتستر بها جسدها لكنه رفض، دوى صوت ضحكاتها المكان لم يستطع التحمل اكثر من ذلك فتح الباب ليجدهما في حالة من التوتر و القلق
نظر لها بنظراتٍ تملؤها السخط و الكره و قبل أن تتحدث بكلمة واحدة قال
– كان ممكن الوث ايدي بد مكم ومأخدش فيكم ساعة واحدة سـ ـجن بس أنا هاخد حقي بالقانون منكم
سألته بنبرة متعلثم قائلة:
– قصدك إيه ؟!
ابتسم لها بهدوء مريب
– مبروك علكم قضية الز نا يا نريمان
اقتربت منه وتوسلته قائلة:
– شهاب ارجوك أنا آسفة و الله ما كان قصدي اخو نك شهاب أنا بجد آسفة
استدار بجـ ـسده دون أن يعقب على حديثها بكلمة واحدة دفعها بعيدًا عنه لتسقط ارضًا اغلق باب الحجرة ثم قام بمهاتفة الشرطة لإثبات القضية، تحولت الشقة الهادئة التي كانت خلال أيام سوف تستقبل عروسان لأخرى مملؤء بالمباحث، نجح في اثبات قضية الز نا و بدأ والد ناريمان يركض خلف “شهاب” ليُنهي الأمر قبل أن يصل للصحافة والإعلام .
تنفس بعمق وهو يغلق شاشة حاسوبه ثم نزع عنه عويناته الطبية عنه و القى بها على سطح المنضدة الخشبية، ود لو يمحي ما حدث من مخيلته و يعود لحياته التي اشتاق لها .
❈-❈-❈
على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل
” نبيلة ” كانت تفرك بجـ ـسدها لم تنعم طيلة الليلة بالنوم دموعها لا تجف، كيف تــ ـتز وج من رجل لا يناسبها من جميع النواحي، لكل مقامًا مقال هي مؤمنة جدًا بهذه المقولة، فـ كيف يجرؤ على أن يتقدم لها، يا له من لعين لا يعرف قيمة من يتقدم لها، لا لن يتزوجها إن فعل ذلك فـ الانتحار هو الحل الأمثل في مثل هذه الظروف .
مر يوم ثم يوم حتى مر ثلاث أيام و أتى موعد الخطبة و زفاف أختها، من المفترض أنها اسعد إنسانة على وجه الأرض و لكن هي اتعس إنسانة على وجه الأرض، تزوجت أختها بـ من تحب أما هي اجبرت على الزواج منه
” عبد الكريم ” شكلًا لا بأس به و لكن عندما يتكلم لا تريد أن تسمع صوته من الأساس، تشعر بأنها زوجة المعتوه أم أبله لا تعرف لكن ما تعرفه إنها لا تريده، مر الوقت و أتى موعد تقديم المصوغات الذهبية، مدت يدها و عيناها لا تبرح الأرض ليس خجلًا بل قهرًا مما اقدمت عليه ستــتز و ج من شخصًا لا تريده، رغم المصوغات التي تجاوزت العشر الاف جنية إلا إنها لا تريده أما عائلتها بأكملها تريده، انتهى من تلبيسها خاتم الخطبة و بارك لها فـ ردت بنبرة مقتضبة قا ئلة
– شكرًا
تلك الكلمة رغم بساطتها إلا إنها كانت كالخنجر في صـ ـدره، ابتسم ما إن رَ المصور اقبل عليهما أتى موعد الرقصة الأولى فـ رفضت و تحججت بالتعب مر اليوم بسلام رغم كل محالاوتها البائسة في تد ميرها، مر اليوم بسلام و عادت لبيتها و أختها عادت إلى بيتها الجديد كان والديها سعداء بمصوغاتها و حياتها التي ستقبل عليها و على أيام سعادتها معه اما هي كانت ترى أنه حِملًا ثقيلًا يجثو على صـ ـدرها
❈-❈-❈
في مساء اليوم التالي
أتى ” عبد الكريم ” و معه الكثير من الحلوى و الهدايا جلست ” نبيلة ” و على وجهها غضبًا لا تعرف لماذا، بدأ يقدم لها الهدايا و قبل أن يرحل قامت بمشاجرة كبيرة قائلة
– شقة إيه اللي تتدهنها بنفسك أنت بخيل و لا إيه ؟
رد ” عبد الكريم ” المتلعثم و جاهد ليحدثها بمخارج الفاظ منتظمة و سليمة كي تفهم عليه
-أبدًا و الله أنا بس كنت فرحان بشقتي و عاوز اعملها بنفسي، خلاص متزعليش يا بلبلة قولي عاوزة إيه و أنا اعمل اللي يعجبك
ردت ” نبيلة “بجدية تطلب ما فوق طاقته كـ نوع من انواع الإجبار أو الرحيل بطريقة غير مباشرة
– عاوزة شقتي تتعمل احسن من أي شقة
– حاضر
– و العفش كله يكون من أحسن المحلات و اغلاهم كمان
– حاضر
– و أنت ملكش دعوة بالشقة أنت كل اللي على عليك تدفع و بس فاهم ؟
– حاضر يا بلبلة هي مملكتك و أنا ضيف فيها
و ضعت ” ساق فوق الأخرى و هي تشعر بنشوة الإنتصار، على ما يبدو أن هذا هو ماتريده ” نبيلة ” أن تقود المركب بدلًا منه أن تصبح المسيطرة، أما هو نفذ لها أوامرها دون أدنى اعتراض منه.
الوضع يزداد سوءً بينهما لذلك قرر أن يجاري الأمور، حتى تسير الأيام بشكلٍ أفضل، عاد إلى بيته سرد لـ والدته ما حدث بينه وبين خطيبته اغتاظت منه و من تصرفاته، حدثته و أخبرته بـ غضبها الذي تولد داخلها، لكنها كانت تحدث نفسها حتى وصلت إلى حلًا صائبًا ألا و هو أن تهاتف ز و جته المستقبلية و تقدم لها النصحية و ليتها لم تفعل هذا أو تفكر به من الأساس .
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي
كانت والدة عبد الكريم في بيت نبيلة زيارة عادية، تبادلت فيها أطراف الحديث مع أفراد العائلة إلى جلست بمفردها مع ” نبيلة” اتخذت دور المستمع حتى انتهت من حديثها، رحلت والدة عبد الكريم من بيت العروس، و تولت والدة نبيلة دس السم داخل عقل ابنتها، و نجحت بالفعل، تركت غرفة الضيوف و ولجت
غرفتها تبحث عن هاتفها و نيران الغيظ و الغضب تلتهم عقلها و قلبها، تراقصت أناملها على لوحة المفاتيح، رفعته على أذنها و ما هي إلا ثوانٍ و بدأ صراخها يدوي المكان قائلة
– كدا يا عبد الكريم كدا أ مك تقل لي أنا كدا، اهدأ اهدأ إيه و زفت إيه بقلك أمك جت هنا و قعدت تقولي بلاش مصاريف و وفري با حبيبتي و مش عارفة شكرًا يا أستاذ عبده كنت فاهمة إن قرار تنا من دماغنا
تابعت بحزن مصطنع و هي تنظر لـ هدايها و قالت
– تعال خد حاجتك و أوعى اوعى تكلمني تاني فاهم،و لا لأ
ارتسمت إبتسامة تشفي ثم قالت بغنج بالغ
– طيب يا عبده و ريني ها تعمل و ياريت تعرف أمك إنها متتدخلش في حياتنا دي خاصة بينا و بس ماشي مع السلامة
ردت والدتها قائلة بشماتة ممزوجة بسعادة
– ايوة كدا وريهم العين الحمرا، و عرفيهم إن الله حق دول فاكرين إننا ناس هبلة و لا إيه ؟
– خلاص يا ماما أنا عرفته إن أنا مش ها سكت لحد تاني أما نشوف ها يعمل إيه مع أمه ؟!
❈-❈-❈
على الجانب الآخر من نفس المنطقة كان ” عبد الكريم” يتحدث و لأول مرة يحدثها بـ انفعال جحظت عيناها من هول المفاجأة، كيف، متى، و لماذا كل هذا الصراخ، هل يعقل أن ابنها فلذة كبدها يعنفها بعد أن قدمت النصيحة فقط النصيحة لزوجته المستقبلية، انتفضت ما إن قام بـ صفع باب الغرفة في وجهها لأول مرة مُنذ ولادته و حتى الآن .
تركت لـ دموعها العنان لـ تنسدل و لأول مرة يكن السبب في نزولها هو ” عبد الكريم ”
❈-❈-❈
في منزل شقيقة نبيلة
كانت تبكي حتى يغلبها النعاس، ما هذه الحياة المأساوية، ظاهريًا هي عروس لم تُكمل يومها الثالث و فعليًا هي فتاة اخطأت الاختيار و ندمت من أول يوم، و لن تستيطع البوح بهذا الحديث لأحد حتى لا تصبح علكة في فم الجميع، ولج ز و جها غرفة النوم وجدها تكفكف دموعها، لكزها في كتفها و قال من بين أسنانه حتى لا تسمعه والدته
– قومي يلا اعملي الغدا اخواتي زمانهم جاين
ردت ” دعاء ” بصوتٍ مختنق
– حرام عليك يا وجدي أنا عروسة عاوزني اعمل أكل لـ خمستاشر نفر كتير اوي ما تخلي عندك د م وحس بيا و
لم تكمل” دعاء ” حديثها، قام بصفعها و جرها خلفه كالبهائم، متجهًا حيث المطبخ القى بها على اعتابه و قال بنبرة آمرة
– عاوز سفرة تشرفني قدام أهلي و
لم يُكمل. حديثه تفاجئ بها تقبض بيدها على مقبض السكين رافعة إياها تجاه، لتغرسها في ….
يتبع
الفصل الرابع
=========
لوى ” و جدي ” ذراعها محاولًا فك السـ ـكين من قبـ ـضتها نجح بالفعل، و قال بغضبٍ شديد و هو يلكزها في كتـ ـفها قبل أن يغادر المطبخ لـ يستقبل عائلته:
– ماشي يا دعاء ماشي حسابك معايا بعدين و اللهِ ما ها عديها على خير
غادر المطبخ تاركًا إياها تبصق على ظهره٠ ضاربة بـ كل تحذيراته و تهديداته عرض الحائط، ولجت و بدأ تحضر الطعام و دموعها تنساب على خديها بغزارة، ولجت شقيقة زوجها و جدتها تبكي، ضـ ـمتها لحضـ ـنها و بدأت تهدئها حتى تسرد لها ما حدث و ليتها لم تفعل ذلك، كانا شقيقة ز و جها تستمع و بداخلها تتدبر مشاجرة جديدة، لتضع الخطوط الحمراء لها، انتهت العزيمة على خير هكذا ظنت دعاء, ولجت غرفتها لترتاح قليلًا من تعب اليوم، وجدت ” وجدي ” خلفها يجذبها من شعرها مرةً أخرى، نشبت مشاجرة جديدة، وصلت إلى التشابك بالإيـ ـدي من الطرفين، انتهت بـ مصالحتها عندما أراد حقوقه الشرعية فـ وافقت، وافقت ليس حبًا له بل تجنبًا لمشاجرة جديدة لا تعرف كيف ستنتهي فهو لن يهدأ حتي يقـ ـتل أيًا منهم الآخر
❈-❈-❈
في منزل” شهاب” جلس يدون احتياجاته الأسبوعية قبل أن يتجه إلى أحد المحالات التجارية، تذكرها و هو يدون قسم الخضراوت
لاحت على شفـ ـتاه إبتسامة خفيفة، كلماتها غضبها، و إصرارها على رأيها نال إعجابه كثيرًا
حرك رأسه و عاد يُكمل ما بدأه، ارتشف رشفات سريعة من كوب قهوته الفرنسية، ثم وقف أمام المرآة ينظر لصورته المنعكسة، ظهر ذاك الوشم الذي يزين يسار صـ ـدره، بكلماتٍ بسيطة أسفل صورتها عبر عن حبه لها، و ليته لم يفعل ذلك، لم يكن يعلم أن الحُب له وجهًا آخر كـ العملة، لم يشتاق لها و لم يريدها من الأساس هذا ما يقوله دائمًا لـ والده و لكن والده له رأيًا آخر و هو أنه إن أراد نسيانها عليه أولًا التخلص من وشمها، فكرة جيدة عادةً يفكر بها و لكن هو له رايًا مخالف لـ رأي والده ألا و هو أن هذا الوشم يذكره بـ غبائه و تسرعه لذلك كلما حاول التسرع في قرا رته نظر لـ الوشم و تراجع عن هذا القرار، منطق غريب لا يقتنع بهِ والده و لكن كما يقولون ما باليد حيلة.
❈-❈-❈
غادر غرفته و من البيت بأكمله، ليبتاع مستلزمات البيت، استقل سيارته و هو يتابع الطريق، توقفت سيارته في إحدى إشارات المرور ظل ينظر يمينًا و يسارًا، لفت نظره ذاك الشاب الذي يبحث عنه والده، حاول النداء و لكن قام الشرطي بفتح إشارة المرور، قرر أن يسير خلف سيارة الأجرة، و بعد معانأة استطاع أن يحدثه، ترجل ” عبد الكريم و خطيبته” هي ذات الفتاة التي قابلها في أحد المحلات التجارية، هي لم تتذكره لأنها لم تكن تعرف أنه كان يتابع المشاجرة التي دارت بينها و بين إحداهن بسبب الزحام عند المحاسب الخاص بـ المحل، أما هو ظن أنها تعرفه و تتعمد تجاهله بسبب خطيبها، حاول ألا يلفت الأنظار و تبادل مع ” عبد الكريم ” أطراف الحديث حول أمرًا هام ثم أعطى له بطاقة التعريف خاصته، و قبل أن يغادر قال له
– كدا معاك كل أرقامي حتى رقمي الخاص معاك كلمني ضروري يا عبد الكريم
– حاضر يا أستاذ شهاب ربنا يسهل و اقدر اعمل لك اللي أنت عاوزه
– إن شاء الله
تابع بعتذار و هو ينظر إلى “نبيلة” و قال
– أنا بعتذار على اللي حصل بس احنا حرفيًا بقالنا شهور بندور عليه
ردت ” نبيلة ” بتلقائيتها المعتادة
– اعتذار إيه بقى بعد ما السواق ما اخد الأجرة كاملة و احنا في نص المشوار
كبح ” شهاب” إبتسامته و قال بجدية
– إيه رأيكم اوصل لكم لـ المكان اللي حابين تروحوا ؟
رد ” عبد الكريم ” قائلا بامتنان رغم ضيقه من جرأة حديث خطيبته
– شكرًا أنا مش عاوز اتعبك معايا
بينما قالت ” نبيلة ” و هي تقوده تجاه السيارة الفارهة
– تعب إيه بس يا عبده ما هو كدا كدا هاياخدنا في طريقه
صمت ” عبد الكريم ” بينما أزاح ” شهاب” الحرج عنه و قال بجدية
– زي ما قالت لك كدا، أنا ها خدك في طريقي
استقل ثلاثتهما السيارة و بدأ الحوار يأخذ مجراه و معدل كل دقيقتين تقاطعهما “نبيلة” و تتدخل في الحوار، و قبل أن تصل إلى أحد المطاعم وجهت حديثها إلى ” شهاب”
– أنا كمان بعمل اكسسوارت زي عبده، حتى بص كدا دي حاجة بسيطة من تصميماتي
اجبرته على النظر في هاتفها ليجدها هي نفسها التي تريدي كل ما تصنعه يـ ـدها، كانت تأخذ لنفسها عدة صور ثم تقوم بعرضها على الزبائن و إن نالت إعجاب ذاك الشهاب ستنتقل إلى عالمًا آخر كم تتوق شوقًا لدخوله .
و يالها مصممة ماهرة جذبت انتباهُ من أول مرة لم يكن غريب عليها فـ هذا ما فعلته من قبل دون أي تكلف منها، كاد أن يحدثها لتتواصل معه لكن يد ” عبد الكريم” كانت السبب الرئيسي في كتم طلبه قبل الإفصاح به
اعاد يـ ـد خطيبته و بدأ يحدثه عن تحديد موعد لـ مقابلة والده فـ قال له
– الوقت اللي يناسبك يا عبد الكريم احنا موجودين شوف حابب نبدأ شغل إمتى و اخنا معاك في أي وقت و مش هنختلف
لوت ” نبيلة ” فمها و هي تعود بجــ ـسدها للخلف عاقدة ساعديها أمام صـ ـدرها، كل هذه التصرفات كانت أسفل ناظريه يتابعها من مرآة سيارته لم يكن متعمدًا لكنه كلما نظر خلف ليتابع الطريق وجدها تكتم غضبها، وصلا أخيرًا إلى المكان المنشود، ترجلا. من سيارته و هي تكاد تصرخ من فرط غيـ ـظها، لوح بيده لهما و غادر المكان، تاركًا إياها تتشاجر مع خطيبها على فرصة عمرها التي قطـ ـعها ذاك المخـ ـتل بتصرفاته و التي بررها بالغيرة و الحب فـ قابلتها بسخرية .
و بعد معاناة طويلة في محاولة إرضائها وافقت على مضضٍ أن تغفر له ذنبه الذي اقترفه دون عمد و كأنه التعبير عن الحب و الغيرة أصبح ذنب لا يغتفر، ولج المطعم و بدأ في طلب كل ما لذ و طاب، لترضى ست الحُسن و الجمال أما هي لا تعرف لماذا تفعل معه ذلك هل لأنه متلعثم في مخارج الفاظه أم لأنه مغلوب على أمره من قِبل قلبه، دائمًا تسأل حالها عن سبب تغيرها تجاهه، لو عاد الزمن بها لتختار رجلًا آخر هل ستختار أحدًا غيره، فجأة و بدون أي مقدمات ابتسمت له و قالت بنبرة هادئة و كأن التي تجلس أمامه امرأة أخرى غير التي يعرفها
– متزعلش مني يا عبده بس و الله غصب عني كنت حاسة إني متغاظة منك اوي ، أنا عارفة إنك بتحبني و بتغيير عليا بس ما هو أنت عارف إني بشتغل و بتعامل مع الكل كدا يعني مش جديد عليك شغلي و لا طريقتي في الشغل مع الزباين .
رد ” عبد الكريم ” بنبرة تملؤها العتاب و الحب معًا و قال
– ايوة بس بس أنا مش عاوزك تكلمي شهاب دا
سألته بفضول
– ليه هو مش كويس يعني يا عبده ؟
أجابها بالنفي قائلا
– أمانة ربنا لأ بس أنا مش عاوزك تكلمي و خلاص
ابتسمت وقالت بمشاكسة
– بتغيير عليا يا عبده ؟
رد بذات الإبتسامة و هو يضع يـ ـده فوق يـ ـدها و قال:
– و ليه لأ مش راجل و لا مش راجل
-و سيد الر جالة يا عبده، متزعلش مني حقك عليا بس أنا محسبتهاش كدا أنا قلت لو عجبه حاجة كدا و لا كدا اعملها له واطلع بـ قرشين حلوين اكمل بيهم جهازي ما أنت عارف الظروف يا عبده
– أنا ها ديكي اللي أنتِ عاوزاه بس بلاش تتعاملي مع اللي اسمه شهاب دا
– خلاص براحتك طالما ها تعوضني عن الشغل اللي ضيعته لي يبقى ليه لأ حد يقول للراحة لأ
❈-❈-❈
على الجانب الآخر، و تحديدًا في منزل “دعاء” شقيقة ” نبيلة ” رغم مرور مدة قصيرة على ز و اجها لكنها ندمت أشد الندم على هذه الز يجة المتسرعة، جلس ز و جها يتجرع الخـ ـمور، الحبوب المنشطة، و يشاهد الأفلام التي أصبحت سببًا رئيسيًا في كل مشاجرة تتدور بينهما، أمرها بأن تأتي له ببعض المقبلات التي توضع مع الخـ ـمور وضعتها بعـ ـنف، و قبل أن تغادر المكان قبض على رسغها بقوةً، تأواهت إثر هذا الضغط
حاولت فك قبـ ـضته المحا صرة لخـ ـصرها بعنف شديد و لكنها فشلت حـ ـملها و هو يترنح لم يستمع لـ صرا خها، تو سلها كي يتركها و لكنه لا يصغى لها أخذ حقه الشرعي ثم تركها و هو ينهرها و يسُبها سبابه اللاذع، بصقت على وجهه، لم تتحمل هذا العـ ـنف قامت بالإتصال على أختها، كي تنجدها، و بدلًا من أن تتغاضى عن العتاب و تفتح لها ذراعيها، وجدتها تؤكد لها ظنونها و تصرخ بوجهها، قامت بـ اغلاق الهاتف و القت بهِ على السرير، ظلت ” نبيلة ” تحاول الوصول إليها، لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل، فـ لم تجد سوى أن تذهب إليها لـ تساعدها في هذه الأزمة .
❈-❈-❈
و بعد أقل من مرور عشر دقائق سيرًا على الأقدام وصلت إلى منزل شقيقتها، لم تتوقع “دعاء” زيارة أختها، حاولت أن لا تشكو لها، و لكنها وجدت نفسها، ترتمي بين احـ ـضان أختها تسرد لها كل شئ و دموعها تنساب على وجهها جلست ” نبيلة ” حافة الفراش و قالت بصوت مخـ ـتنق قائلة:
– ينـ ـضرب في ايده ما يوعى، بس يا حبيبتي بس مش قلت لك بلاش العيلة الو
ولج ز و ج أختها بعد أن استمع لحديث
ز و جته مع شقيقتها، نشب بينهما خلاف كاد يصل للتشابك بالإيدي لكنها تمالكت أعصابها في اللحظة الأخيرة، قرر أن يضع ز و جته في اختيار ليعرف أيًا منهما ستختار، فـ بالطبع وقفت في صف ز و جها، فـ أمرها قائلًا بشماتة
– قولي لأختك ما تتدخلش بنا و ياريت ما نشوفش وشها الكريم هنا تاني مفهوم !!
تابع بنبرة خبيثة و هو يقف جوارها
– اختك عاوزة تخر ب عليكي يا دودو، بتغيير منك عشان اتجو زتيني
ردت ” نبيلة ” بإبتسامة ساخرة و عدم استيعاب مما يدور داخل الغرفة و قالت
– و اللهِ هاغيير من مين أختي ؟! و اللي المفروض اغيير منه دا مين أنت ؟! ليه عمر الشريف و أنا مش واخدة بالي ؟!
رد بنفسة النبرة و قال:
– على الاقل لساني عدل مش زي سي عبد الكريم اللي بيقول كلمة و يغلط في عشرة
ختم حديثه قائلًا بنبرة آمرة
– قولي لأختك تحل عننا و تبطل تتدخل في حياتنا يا دعاء و إن مسيرنا لبعض
دام الصمت لثوانٍ معدودة كانت ” نبيلة” خلالهما عاقدة ساعديها أمام صدرها ناظرة له بتحدٍ و كأنها واثقة من اختيار اختها إلى أن وصل إلى مسامعها صوتها يأمرها بـ الخروج من البيت و من حياتها، أصابتها الصاقعة ظلت متخشبة تحاول أن تستوعب ما يدور، لـ يخرجها صوت ز و ج شقيقتها قائلًا بشماتة
– يارب تكوني سمعتي كويس أنا و هي أحرار نحب بعض نضرب بعض احنا أحرار ما تتدخليش في اللي مالكيش دعوة بي
– سامعة جـ ـوزك يا دعاء راضية عن اللي بيقوله دا ؟
– اه سامعة و راضية و ياريت تخليكي في حالك ياما بيحصل بين المتـ ـجوزين
اغتاظ ” نبيلة ” من ردة فعل ” دعاء” جذبت حقيبتها و قالت من بين أسنا نها
-الهي تو لعوا في بعض و اللهِ ما هادخل تاني بنكم
ختمت حديثها قائلة بغيظٍ شديد وهي تضربها على كتفها
– خليه يبيع و يشتري فيكي براحته ما هو أنتِ اللي مرخـ ـصة نفسك يا رخيـ ـصة
❈-❈-❈
غادرت البيت و بداخلها نـ ـيران غيظ تُشعل عالم بأثره، تعلم طباعه جيدًا كان يعمل معها في ذات المحل الذي يعمل فيه ” عبد الكريم” لكنه سئ السُمعة حاولت كثيرًا إبعاده عن شقيقتها لكنها فشلت على الرغم من أن شقيقتها ” دعاء” اتممت عامها العشرين مُنذ ستة أشهر إلا إنها توصفها بـ الطفلة الصغيرة ذات التفكير المحدود، تكبر ” نبيلة” عن أختها بـ خمسة أعوامًا فقط و لم تنجب والدتها بعد شقيقتها الصغرى نظرًا لمرضها و تقدمها بالعمر
والدتهما لم تكن قريبةً منهن ما تفكر فيه دا ئمًا هو أن تز و جهما حتى تطمئن عليهن و ترى احفادها قبل أن يتجاوز بناتها سن الثلاثون و لم يزرقوا باطفال كما حدث معها، تفكير عقيم
يدور بخلدها فـ الله سبحانه و تعالى يكتب لكل شخص رزقه، و علميًا تستطيع المرأة أن تنجب حتى سن الخمسين كل هذا قالته ” نبيلة ” لـ والدتها لكنها لم تصغى لها و تفعل ما يحلو لها .
عادت إلى البيت و هي تعـ ـض على أ ناملها من الغيظ و عندما سألتها والدتها نكرت الواقعة و تحجت بشئ آخر، هدئت قليلًا ثم سألت والدتها عن تحضيرات الز و اج و ما يتعلق به بسطت يـ ـدها و قالت بجدية
– منين يا حبيبتي إن شاء الله احنا يا دوب ها نجيب لبس الصيفي و شوية حاجات صغيرة و مش مهم تـتـ ـجو ز ي بالشتوي عشان الحمد لله مش معانا لا أبيض و لا اسود
– يعني إيه يعني ؟! و الفلوس اللي كنت بحوشها معاكي و تقولي عشان لما يجي لك العريس نعرف نشرفك قدام أهله !!
– جت جو از ة أختك و خدتها كلها كنت ناوية اعمل لك جمعية و اجهزك بيها بس أعمل إيه مش معايا
تابعت والدتها بـ إقتراح قائلة
– اقول لك روحي اشتغلي تاني
-يا سلام يا اختي ما أنتِ عارفة إن عبد الكريم مش راضي بيقول لي أنا هاديكي مرتب الشهر بدل ما تروحي تشتغلي و تبهدلي نفسك
– يا سلام يا اختي و دا من إمتى إن شاء الله بتسمعي كلامه كدا ؟
– يا ماما الواد غلبان معايا و صراحة ربنا بقى أنا جيت عليه كتير
– طب يا اختي ربنا يهني سعيد بـ سعيدة احنا نكره
– سيبك من سعيد و سعيدة و قولي لي ها تعملي إيه في جهازي ؟
– هي حكاية يا بت ما قلت لك ها نجيب كام جلبية على كام ترنج و خلصنا
– لا ما خلصناش يا ماما عشان و اللهِ حرام عليكي
❈-❈-❈
خرجت ” نبيلة” من غرفة والدتها و هي تتدب قدماها أرضا من فرط غيظها، ولجت غرفتها و جلست على حافة الفراش تهز سا قيها بقوةً شديدة و هي تكز على شفـــ ـتاها السُفلى لمعت فوق رأسها مصابيح الأفكار حتى وصلت إلى حلًا وحيد و لا شئ غيره
التقطت هاتفها ثم قامت بالبحث السريع عن حساب ” شهاب الشناوي ” الشخصي قضت أكثر من ساعتين و هي تبحث وصلت أخيرًا إليه قامت بكتابة رسالة سريعة إليه و انتظرت الرد مرت ساعة ثم ساعتين ثم خمس ساعات كاملة حتى نال منها الإحباط
ترك هاتفها جنبا و مددت جسـ ـدها و عيناها معلقتان على شاشة الهاتف، فجأة اتاها الرد في رسالة صوتية قائلا فيها
ضغطت على زر الرسالة ثم قربته من أذنها لـ تسمعه يقول بصوتٍ هادئ
– ازيك آنسة نبيلة آسف و لو الرد بتاعي جه متأخر بس أنا للاسف مش بفتح فيسبوك كتير طبعا يشرفني نشتغل مع بعض و عشان نعرف نتواصل بشكل افضل ها بعت لك رقمي الخاص ابعتي لي علي الواتساب جزء من شغلك و نحدد معاد مع بعض و نتقابل بعتذار مرة تانية
كان نشط الآن في انتظار ردها، رغم أن رسالته مُبشرة بالخير إلا أن قلبها يحدثها أن ما تفعله سوف يغضب خطيبها، و في نفس الوقت هي بحاجة للمال فـ ماذا عليها أن تفعل
حسمت قرار و ضغطت على زر تحسيل الصوت ثم أرسلت له رسالة قائلة
( بص أنا مش حابة عبد الكريم يعرف دا اولًا ثانيًا بقى هابعت لك شغلي كله حاضر ثالثًا و دا الأهم مش ها قدر اشتغل اكتر من عشر اطقم بس ها تاخد مني شغل ها تحلف بي، و آخر حاجة بقى معلش مش ها ينفع نحدد معاد و نتقابل اللي أنت عاوزه كله ابعته لي وسبني اخلص الخاجة و ها قل لك هاتخلص في قد إيه و التسليم إمتى و بعدها اقل لك تبعت لي الفلوس ازاي )
ضغط على زر الرسالة و بدأ يستمع لها حتى انتهت، ضغط على زر التسجيل و ارسل لها رسالته الأخيرة قائلًا:
(آنسة نبيلة دا شغل يعني لازم نقعد مع بعض اتكلم معاكِ عن افكاري وعن متطلبات السوق و بعدها نحدد هنشتغل مع بعض ازاي، بعيدًا عن إن عبد الكريم يعرف و لا لأ دا يخصك أنتِ و هو مش أنا، انا ليا شغلي و بس عمومًا شوفي حابة نبدأ إمتى و عرفيني )
تنهدت بإحباط و هي تستمع لرسالته، لا مفر لا بُد من المقابلة ضغطت على زر الرسالة و طلبت منه تحديد الزمان و المكان، فـ وافق و عندما اخبرته بعدم معرفتها لـ المكان عرض عليها أن يصطحبها بنفسه فـ رفضت و قالت أنها سوف تتصرف، بعد مرور يومين من هذه المحادثات الالكترونية جاء اللقاء الاول بينهما
كان جالسًا في أحد المطاعم الفاخرة ينظر بين الفنية و الأخرى في ساعة معصمه، بدأ يشعر بالملل، أتت أخيرًا بعد معاناة كبيرة، ولجت و على وجهها إبتسامة خفيفة توحي بالإعتذار
وقف و صافحها اعتذرت منه بسبب تأخيرها قائلة
– الطريق زحمة اوي و التاكسي طلع عيني على ما وصلني لهنا
رد” شهاب” باسمًا
– ما هو أنا قلت لك اخدك أنا
رفعت ” نبيلة ” كفها قائلة بهدوء
– لأ لأ كدا احسن كتير دا أنا كنت حاطة
ايـ ـدي على قلبي أحسن عبد الكريم يشوفني و لا يتصل بيا
– للدرجة خايفة منه ؟
ردت ” نبيلة ” مصححة له جُملته قائلة:
– قصدك خايفة على زعله تفرق كتير من خايفة منه و خايفة على زعله و بصراحة هو إنسان محترم و بيحاول يعمل أي حاجة ترضيني يبقى ليه ازعله ؟
– طب و بتعمليها ليه دلوقت ؟.
ردت بصوتٍ هادئ ونبرة تملؤها الحزن قائلة:
– معلش بقى ظروف المضطر يركب الصعب
حرك ” شهاب” رأسه قائلًا بعدم فهم قائلا:
– بتقولي حاجة يا آنسة نبيلة ؟
تنحنحت و هي تقول بجدية
– لا ابدًا ما فيش قل إيه هي طلباتك ؟ عشان مستعجلة و عاوزة امشي
– مش تشربي حاجة الاول ؟
و قبل أن تعتذر كان النادل يقف بينهما في انتظار طلباتهما، نظر ” شهاب ” لها و قال بإستفهام
– تشربي إيه ؟
– عصير مانجا
– و أنا قهوة مظبوط
تركهما النادل يخططون لأول عمل مشترك بينهما كانت مستمعة جيدة، كانت معه رسوماته التي يريد تنفيذها، عارضته علي جزء منها بسبب اختلاف الخامات، كان إصراره عجيبًا في تنفيذها، حتى قامت بفتح هاتفها و ارسال عدة صور لها على حسابه و قالت بجدية و عملية
– صدقني الخامة دي ما تنفعش نهائي ما الموديل دا أنا كنت مصممة لنفسي واحد بعته لك هو و شوية صور تاني شوفهم بنفسك و احكم قبل و بعد
نظرت في ساعة معصمها و قالت بـ اعتذار
– يااه الوقت اتأخر اوي مضطرة امشي معاك الصور شوف عاوز تعمل إيه و عرفني، لو مش مقتنع بشغلي يبقى اعتبر اتفقنا كأنه محصلش
فرصة سعيدة إني شفتك و اتعاملت معاك مع السلام يا أستاذ شهاب
لم تترك له مجالًا للحديث القت ما جعبتها و ذهبت كاد أن يصاب بالجـ ـنون من وراء تلك المجذوبة التي لم تجلس معه سوى ساعة كاملة لكنها تحدثت في كل شئ إلا أنا تستمع له، غادر المكان و عاد إلى بيته وجد أبيه يتابع مسلسله المفضل على شاشة التلفاز، و هو يرتشف قهوته الساخنة، جلس جواره تاركًا متعلقاته على سطح المنضدة الزجاجية، عاد برأسه للخلف مغمض العينين، فتحهما على سؤال والده و هو يقول بإستفسار
– مين البنت دي يا شهاب ؟!
تابع ممازحًا ابنه
– الجو الجديد ؟
ابتسم ” شهاب” و هو يقول بجدية قائلا
– دي نبيلة خطيبة عبد الكريم
يتبع
الفصل الخامس
=========
جلس جواره تاركًا متعلقاته على سطح المنضدة الزجاجية، عاد برأسه للخلف و هو مغمض العينين، فتحهما على سؤال والده الذي قال بإستفسار
– مين البنت دي يا شهاب؟!
تابع ممازحًا ابنه
– الجو الجديد ؟
ابتسم ” شهاب” و هو يقول بجدية قائلا
– دي نبيلة خطيبة عبد الكريم
رد والده مقاطعًا إياه قائلا بنبرة متعجبة
_ و دي صورها على تليفونك ليه ؟
– لأ دي مصممة بتصمم اكسسوارات بطريقة حرافية يمكن دي أحسن واحدة شفتها بتعمل شغل عالي جدًا، كنت حابب اشتغل معها بس حسيت إن خطيبها مش موافق فـ سكت بس هي كلمتني امبارح و اتقا بلنا النهاردا
– طب و عبد الكريم ؟
– ماله ؟
– اقصد يعني يعرف بـ المقابلة دي ؟
– لأ دا كان شرطها الأساسي إن خطيبها ما يعرفش بـ الا تفاق بتاعنا
– طب ليه من الاول ؟
– بابا بص يا حبيبي هي شكلها كدا محتاجة لي عشان الفلوس و أنا محتاج لها جدًا، هي هتاخد اللي هي عاوزاه و أنا كمان ها اخد اللي عاوزه منها يبقى ليه لأ
– نقي مصطلحاتك
رد ” شهاب ” ضاحكًا و هو يقول بجدية قائلا
– حاضر
تابع والده قائلا بجدية
– مش عاوزين نكون سبب أذية حد، اعمل شغلك بالطريقة اللي تريحك بس لو هتأذي حد يبقى بلاش منه أصلا
– متقلقش ما فيش أي أذية إن شاء الله
❈-❈-❈
وقف والده عن الأريكة متجهًا حيث غرفته لـ يأتي له بمجموعة من الصور عله ينتقي أي شيئًا منهم، أما ” شهاب” فـ وقف متجهًا نحو باب الشقة لـ يستقبل صديقته المقربة في العمل و المنزل، مال بجذعه للأمام بطريقة ساخرة و هو يشير بيده للداخل وقال بجدية
– و أخيرًا ميرنا هانم قررت ترضى عننا و تيجي
تجاوزته و على شفتاها إبتسامة عريضة اتجهت فورًا إلى غرفة المكتب لـ تأخذ ملف خاص بـ اجتماع الغد، خرج والده في ذات اللحظة التي و لجت فيها هي تلج، و هو يحمل بين يده مجموعة من الصور و قال:
– جبت لك شوية تصميمات إنما إيه حكاية
تابع بتذكر قائلًا
– قل يا شهاب هي البت ميرنا ما بتجيش ليه بقالها فترة؟
رد ” شهاب ” محاولًا كبح ضحكاته ما أن رأها تخرج من باب غرفة المكتب، أشار بيده لـ تلج مرةً أخرى و هو يقول بجدية مصطنعة
– مافيش يا بابا بس هي مشغولة مع خطيبها الفترة دي في تحضيرات الجواز
– هي مخطوبة ؟
– اه
-و أنت كنت عارف ؟
– اه ليه في ايه ؟
– يعني هي كانت بتيجي تسحب الاكسسوارت من المحل و هات يا بوجي و خد دا يابوجي و في الاخر تطلع مخطوبة و كمان قربت تتجوز !!
بابا هو في ايه ؟
– في إني انا كنت ناوي اخطبها لك و بعمل معاك واجب و برسم فيك قدمها
– لا يا حبيبي هي مش شايفاني غير اني اخوها و على طول تقل لي أنت زي اخويا
– يعني انا اديها هدايا بـ 5الف جنية و في تقل لي زي اخوها !!
تابع ” شهاب ” بنبرة مرحة و هو يتابع رسائل حسابه الشخصي على تطبيق ( الواتساب)
و قال
– معلش حصل خير اعتبرها هدية جوازها مش انت بتقول انك بترسمني قدامها اعتبرني انا اللي قدمتهم و صدقني مش زعلان نهائي
– يا اخويا ما تو لع انت و زعلك انا مليش دعوة بيك انا ليا دعوة ب ال5000 جنية اللي خرجوا من المحل كدا على قلة فايدة ولاه البت دي ترجع الحاجة بدل ما اعرف مصر كلها انها خدتهم من غير فلوس قال زي اخوها قال
و لما أنت زي اخوها عاملة زي المنشار ليه طالعة و اكلة نازلة .
انتفض من مكانه و هو يُلقي بمجموعة الصور في وجه ابنه و قال بخوف مصطنع
– إيه دا هي ميرنا هنا من إمتى من ساعة ما كنت بترسم عليا يا عمو، كدا يا عمو تضحك عليا و تقل لي المحل محلك و أنت عاوز تجوزني المُعقد دا
– يا اختي و لما أنتِ هنا من بدري وسامعاني سايبني اغلط فيكِ ليه اوعي تكوني فاهمة اني هاسكت علي حق الواد الغلبان دا لو فاكرة ابني اهبل فـ ابوه مش اهبل
قلبت شفتاها علامة الحزن المصطنع، جلست ” ميرنا” جواره ثم وضعت يدها على كتفه و قالت بنغج بالغ
– بقى أنت عاوزني اتجو ز الواد الوحش دا يا بوجي و اسيبك أنت يا روحي ؟!
– ايوة يا اختي اضحكي عليا اضحكي، كل مرة بضعف قصادك و قصاد أ كلك
– اااه أكلي قل لي بقى ماله أكلي ؟
– ما تقومي تشوحي حتتين لحمة كدا و سلطة
بدل الكلام اللي لا بيودي و لا بيجيب دا !
❈-❈-❈
وقفت ” ميرنا ” تاركة ملفاتها جنبا، ثم اتجهت إلى المطبخ لـ تعد وجبة الطعام التي يشتهيها والد شهاب منذ فترة، أما ” شهاب” ترك كل شئ و سحب هاتفه ثم اتجه إلى القوقعة التي يعيش داخلها كـما قال له والده مرارًا و تكرارًا .
ولج غرفته و بدل ثيابه، بأخرى بيتية كان يجوب الحجرة ذهابًا إيابًا و بين يده بعض الرسومات الخاصة بمعرضه الجديد، جلس على حافة الفراش، وضع الورق جنبا و بدأ يدقق النظر في مشغولاوتها النحاسية، أطال النظر فيها و في ملامحها الهادئة، بشرة بيضاء نضرة إثر اهتمامها بمساحيق التجميل و الروتينات اليومية لـ البشرة ، عينان عسلية اللون تشوبه العسل، و ماذا عن شفتاها الصغيرتان ذات اللون الوردي، ظل يمرر سبابته متفحصًا جميع صورها حتى غلبه النعاس قبل أن يتناول وجبته، و قبل أن تعرف “ميرنا” من تكون هذه الحسناء ذات الثوب الأسود الجذاب .
❈-❈-❈
على الجانب الآخر و تحديدًا منزل
” عبد الكريم” لقد مر على خصامه مع والدته أسبوعًا تقريبًا، قرر أن يعتذر على طريقته الخاصة، ولج غرفتها وجدها تصلي فرضها، انتظرها حتى انتهت، ثم تناول يـ ـدها بين كفيه و قال بنبرة تملؤها الأسف
– حقك عليا يا ست الكل
نظرت والدته و لم تعقب على اعتذاره، ظل يحدثها و لم تعقب، بالكاد تفهم حديثه، كثرة الحديث تسبب له مشقة كبيرة، فـ لن تقبل بـ شقاء فلذة كبدها، ربتت على كفه و تقبلت اعتذاره بنبرة مقتضبة و كلمات صغيرة، لكنه رفض هذا القبول و بين هنا و هناك نجح في رسم البسمة على ثغرها مرة أخرى، و تم الصُلح بنجاح، ضـ ـمته لحـ ـضنه لتطمئن نفسها أنه مازال ابنها و لم يتغير، دس يـ ـده في جيب سرواله ليخرج مبلغ من المال، وضعه بين يـ ـدها و قال بجدية
– دا مبلغ كدا صغير كسبته من الشغل الإضافي
– ايوة يا عبده بس المبلغ دا قليل أنت كنت بتقول ها تأخد عشر الاف جنية، و دول ما يجيوش الفين جنيه
– أصل أصل
– اصل ايه ؟ اتكلم يا ابني راحوا فين ؟
عجز ” عبد الكريم” عن الرد خوفًا من ردة فعل والدته، يخشى أن تحدث مشاجرة جديدة، نزعت والدته الحرج و قالت بجدية
– شايلهم لوقت زنقة يعني ؟
– يعني حاجة زي كدا
– و لو بتساعد خطيبتك مش عيب بس بردو تخلي قرش لنفسك
– حاضر
– يلا يا حبيبي غير هدومك و أنا. ها جيب لك العشا لحد عندك
– لأ انا تعبان و عاوز ارتاح تصبحي على خير
ردت والدته بشكٍ قائلة بإبتسامة عريضة
– عاوز تنام بردو يا عبده ؟!
تا بعت بجدية قائلة
– عمو مًا براحتك يا حبيبي
❈-❈-❈
في منزل ” نبيلة ” كانت جالسة على حافة الأريكة تتابع حسابها الشخصي تستقبل و ترسل الرسائل، لم تعشق خطيبها و لا تبادله نفس المشاعر و لكنها تجبر قلبها أنا يقبل بـ الأمر الواقع لأن لا يوجد شخص أفضل منه و أما عن الحُب فـ سوف يأتي لا مفر إن لم يأتي الآن سوف يأتي بعد الز و اج، جاءتها رسالة صوتية من ” شهاب” طالبًا فيها أن تحدد موعد لـ مقابلته في أقرب وقت ، قامت بتحديد الموعد في صباح الغد في أي مكان يناسبه بعيدًا عن أنظار ” عبد الكريم ” حتى لا يغضب مما تفعله، طلب منها أن تذهب معه إلى أحد المحال التجارية، ثم يذهبون لـ يبتاعوا المواد المراد استخدمها في صنع المشغولات اليدوية
❈-❈-❈
في مساء اليوم التالي و تحديدًا في المكان الذي حدده ” شهاب” كانت جالسة مقابلته تلتفت يمينًا و يسارًا و كأنها مطالبة من قِبل الشرطة، اغتاظ من تصرفاتها نظر لها و قال
– أنتِ كدا ها تخلي الناس تتكلم عننا مالك في إيه ؟
– خايفة حد يشوفني،و يروح يقول لـ عبد الكريم
– أنا آسف يعني بس هو خطيبك ها يعرف صحاب بتيجي في مكان زي دا ؟!! ليه أنتِ مش شايفة منظر المطعم اللي احنا قاعدين في عامل ازاي؟!
– الحظ عارف ناسه و مش عارف بتيجي لحد عندي و بتتعقرب ليه، عمومًا احنا محتاجين شوية حاجات فـ أنا هاشتريهم و بعد كدا نبقى نتحاسب، يلا نمشي بقى لو سمحت !
– اتفضلي
خرجا الاثنان من المحل، متجهين إلى السيارة
استقلت ” نبيلة ” بينما هو قال بتذكر و هو يفتش جيب حلته و قال بتذكر
– أنا نسيت محفظتي، هروح اجيبها و راجع
– تمام بس بسرعة
عاد إلى المطعم من جديد، و لم يكن يعرف أنه ترك قنبلة موقوتة سوف تنفجر في وجوه الجميع ظلت تنظر حولها تارة و في ساعة معصمها تارة أخرى، طرق شاب طويل القامة عريض المنكبين على زجاج السيارة، ضغطت على زر النافذة، حركت رأسها بـ إستفهام و قالت
– نعم ؟
– لو سمحتي ممكن تتطلعي بالعربية لأن محتاج اطلع عربيتي
– طب ممكن تصبر بس ثواني صاحب العربية جوا بيجيب المحفظة و راجع على طول
– حضرتك أنا مستعجل ممكن تطلعي أنتِ ورا
ترجلت ” نبيلة” من السيارة ثم اتجهت للأريكة
الخلفية و جلست، وضع الشاب يده على صدره و كأنه يشعر ببوادر ذبحة صدرية كما قال . طرق هذه المرة زجاج السيارة بعنف و هو يقول بغضبٍ
– أنتِ يا مدام بقل لك انزلي أنتِ و اركبي مكان جو ز ك و طلعي العربية من مكانها مش ترجعي لـ ورا
– في إيه يا أستاذ براحة مش كدا و اعمل إيه يعني أنا بحسب
– بقل لك اطلعي بلا بتحسبي بلا بتجمعي
بدأت الناس تلتف حولهما و هو يُصر على أن تستقل السيارة بدلًا من ” شهاب” ظلت تنظر إلى باب المطعم و لم تجده، فـ قررت أن تفعل قاله ذاك الشاب المتعصب، ظلت تعود بالسيارة حتى اصطدمت بسيارته و تتدمر الجزء الأمامي منها، بدأ يصرخ و صوته يعلو
و لم تتحدث معه بل كادت أن تتشابك معه
لولا تتدخل ” شهاب” وقف بينهما و قال بجدية محاولًا فهم ما حدث، لـ يرد الآخر قائلا
– الست مراتك بهدلت لي العربية و الله ما أنا سايبها و على القسم يعني على القسم
ظنت ” نبيلة ” أنها ستنجو بسبب مكانة ذاك المعتوه الذي يقف أمامها كـ حصنها المنيع و لكن للأسف لا فائدة منه بعد أن ذل لسانها قائلة:
– يلا يا حبيبي القسم و نعمل محضر قصاد المحضر
كانت تظن عند ذِكر هذه الجملة سوف يتراجع و ينتهي الأمر لكنها اكتشفت أنها تحدث مجذوب لا يتفاهم مع أحد أمام سيارته جلست جوار ” شهاب” و قالت بصوتٍ هامس
– ما تتصرف مش بتقول إنك رجل اعمال و ليك ناسك فين هما إلا ما شوفنا حد منهم
كز على أسنانه و قال بذات النبرة لكن يتخللها الغضب المكتوم
– مش عاوز اسمع صوتك كفاية إن لحد دلوقت مش فاهم ازاي كسرتي العربية للراجل و
قاطعته و هي تسرد له القصة من البداية قائلة
– أنتِ بتعرفي تسوقي ؟
– لأ
– و لما هو لأ بتسوقي العربية ليه ؟
-ما هو أنت نزلت و انا قعدت اقل له اصبر صاحب العربية جاي و هو يزعق خلصيني عاوز امشي قمت قلت اعمل ايه يعني قال انزلي و ارجعي لوراء قمت نزلت و رجعت قعدت ورا قام الراجل حط ايده على صدره و قال حاسس باعراض ذبحة
و فجاة زعق و لم علينا الناس و قالي بقولك اركبي و ارجعي بالعربية لورا فأنا معرفتش اتصرف قمت رجعت بالعربية لورا و لازقت في عربيته قام اغمى عليه مش عارفة ليه اغمى عليه ما هو اللي فضل يصوت و يقول اتصرفي
– عشان العربية اللي خطبيها دي بمليون جنية يا أستاذة
مليون جنية ؟! و زعلان على خبطة هتكلفه 5000 جنية دا لو منه افرق الفلوس دي على الغلابة اللي زي
– خفة دمك دي هي اللي جبتنا القسم هنا و ها ندفع احنا ال 5000 جنية
ردت ” بنبرة ” مغتاظة قائلة
– بقل لك إيه اتصرف خلينا نمشي أنا خايفة اهلي يسألوا عليا و لا حد يشوفني هنا
دس ” شهاب” وهو يتنهد بعمقٍ لـ يخرج هاتفه من جيب بنطاله حاول أن يفتحه لكنه فشل على ما يبدو أن فرغ شحن الهاتف، نظر لها و قال
– هاتي تليفونك اعمل مكالمة
– ماشي بس مطولش أنا لسه شاحنة كارت
– هاتي هاتي أنا مش عارف أنا إيه اللي عملته في نفسي دا
بعد مرور نصف ساعة من مكالمته لـ والده و المستشارة القانونية لمكتبه، كان ” شهاب و نبيلة” خارج القسم بعد التنازل عن المحضر
وقف والده يطالع تلك المجذوبة التي تركض خلف ابنه و تهدده و تتوعد له بعد قام بـ المشاجرة في قسم الشرطة مرةً أخرى
-هو أنا لازم يبقى اسمي شاهندة عشان امشي من القسم يعني
انا بقول كفاية لحد كدا عشان كلمة تاني و ها دخلك القسم تاني بنفسي اقسم بالله
رد والده بجدية مصطنعة و هو يهمس بجانب أذنه
براحة على نفسك يا استاذ أنتِ، قل لي مين الحلوة
– مش وقتك خالص يا بابا و الله يلا نمشي من فضلك
– ماشي يا اخويا اديني خرجتك من القسم عقبال ما تدخل القفص
– هدخل قفص المحكمة ليه ؟
محكمة إيه يا راجل بعد الشر قصدي قفص الجو از بس أنت قول يارب تتدخله على ايدي
حرك ” شهاب” رأسه بنفاذ صبر و قال و هو يكز على أسنانه قائلا
– مافيش فايدة
تابع بجدية و هو ينظر إلى ” نبيلة” و قال
– اتفضلي اركبي عشان اوصلك
– شكرًا مش عاوزة ها خد تاكسي احسن
– مافيش تاكسي اتفضلي اركبي يا آنسة نبيلة
و بعد إصرار منه استقلت السيارة معه جالسة جوار ” شاهندة” المستشارة القانونية
كانت تنظر لها بجانب عيناها، دار حديث طويل بين الجميع و هي مازالت تتابع في صمت حتى سألها والد ” شهاب ” قائلا
– عندك محل خاص بيكِ يا نبيلة
– لأ و الله لسه الخطوة دي بدري عليها أنا بس بشتغل كدا ما بين كل فترة و التانية
– اها طب لو حد حابب يشتغل معاكِ يعمل إيه أنا شفت ابداعاتك و حقيقي نفسي اشتغل معاكِ
– شرف ليا طبعًا بس اعذرني أنا ها صمم لـ شهاب بيه و بس لأن
ردت ” شاهندة ” بنبرة ساخرة مقاطعة قائلة
– طبعا البوص الكبير و ها يقدرها صح
لم تتحمل “نبيلة ” نبرة السُخرية الواضح من تلك الأخيرة، أمرته بـأن يتوقف في الحال، حاول امتصاص غضبها و الاعتذار لكنه فشل
توقف بعد أن هدرت بصوتها بنبرة حادة جعلت كل من السيارة يرتعد من تصرفها الغير متوقع
ترجلت و أشارت لسيارة أجرة، أما هو عاد و هو يجر خيبات الأمل خلفه، تسعون بالمئة هي لن تتعامل معه، لا شك أن حدث مشاجرة جديدة بينه و بين ” شاهندة” بسبب تصرفها
الغير لائق مع شخص لا تعرفه .
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام
كانت ” نبيلة ” تُنهي العقد الأول الذي أخذ منها وقتٍ و جهدٍ يفوق تصورها، ارتدته ثم قامت بالتقاط عدة صور لها، ثم ضغط على زر الإرسال و كتبت
( دا أول طقم انا بصراحة عجبني اوي يارب يعجبك بجد و لو عندك تعديل قل لي عادي ما فيش أي مشكلة)
كان مستندًا برأسه للخلف يفكر كيف يراسلها
استفاق من شروده على إثر صوت رسالتها
اتسعت عيناه فرحًا ما إن وجدها تراسله و تخدث عن عمله، بل و بدأت في تنفيذها
تراقصت أنامله على لوحة المفاتيح و كتب بسعادة
( تسلم ايدك حقيقي مش عارف اوفي حقك، انا ما عنديش أي تعديلات، أنتِ عملتي كل ملاحظاتي بل بالعكس عملتي أحلى منه كمان حقيقي أنتِ هدية ربنا ليا )
ابتسمت على مجاملته لمشغولاتها، ضغطت على زر تسجيل الصوت و بدأ ت تتحرك في الغرفة و هي تحدثه قائلة
– عارفة إني اتأخرت بس أنا مشغولة مع عبد الكريم في تحضيرات الشقة، فـ يادوب بعمل حاجة واحدة في الأسبوع، متقلقش ها سلمك الشغل كله في معادنا .
تبادل الرسائل النصية تارة و الصوتية تارة أخرى، حتى غلبهما النعاس و مدد كلا منهما في فراشه، الأيام تمر و علاقتها مع ” عبد الكريم” تتحسن بشكلٍ كبير، احترامه و تقديره يجبرها على تبادل ذات المشاعر، فرحته تفوق الحدود عندما يعترف لها بالحُب فـ تخبره بأنها كذلك الأمر، أنا بقرارة نفسها تعلم جيدًا أن قلبها لا يكن له أي مشاعر سوى الإحترام، علاقتها بـ اختها تزداد سوءٍ بسبب
ز و ج أختها، تشعر بالوحدة أحيانًا، تريد من تحدثه عن ما بداخلها والدتها لم تكن قريبة منها بالدرجة التي تجعلها تخبرها بما يعتمل بقلبها، الأيام تمر عليها كـ سنوات، الشئ الوحيد الذي يهون عليها وحدتها هي مشغولاتها، علا قتها بـ والدة عبد الكريم، تحسنت نسبيًا أم كنات حماتها فـ الغلاقة بينهما منقطعة قبل أن تبدأ، أمرها خطيبها عدم التحدث معه و لا التقرب منهن أبدًا،
❈-❈-❈
كانت جالسة في غرفتها تنهي العقد الثاني، و قبل أن تنهي الحلقة الأخيرة منه انقطع وتناثر في كل مكان، كادت أن تصيبها السكتة القلبية، سقطت دموعها بغزارة على تعبها الذي ضاع في مهب الريح، هذا العقد تحديدًا أعادته أكثر من خمس مرات و في كل مرة كانت تخبر ” شهاب ” بأنه سينبهر به، كان على موعدًا معها لتلقي أول دفعة من الحساب، ترفض المعاملات البنكية، تريد نقودها في يدها لتبتاع ما تريد، بدلًا من الروتينات الحكومية المملة، جلس مقابلتها يخفف عنها حزنها قائلا بصوته الهادئ
– خلاص معلش بلاش تعملي التصميم دا اعملي واحد تاني طالما هو متعب اوي كدا
ردت بنبرة مختنقة قائلة
– هو كله تعب بس النتيجة في الآخر مُبهرة بجد أنا واثقة إنه كان هايعجبك اوي
رد ” شهاب ” باسمًا قائلا بهدوء حد البساطة
– اعتبر يني شفته و عجبني
ردت بذات النبرة و قالت
– بالسهولة دي
– صدقيني أنتِ كل شغلك تحفة و حقيقي ما فيش اتنين اختلفوا عليه، ابعدي عن الشغل المُعقد خلينا في الحاجة البسيطة و الرقيقة
تنهدت بعمق و هي تشيح بوجهها للنافذة ثم عادت ببصرها و قالت
– عارف اللاعب لما بيلعب ماتش اعتزال و تلاقي بيلعب افضل ما عنده لأن دا ماتش اعتزاله و حابب يكون عمل حاجة راضي عنها يختم بيها تاريخه
– اها
– أنا بقى اللاعب دا، أنا عاوزة اعمل حاجة اختم بيها شغلي في المجال دا، أنا بقالي عشر سنين في الشغل دا بس حرفيًا اشطر واحدة تاخد منها شغل يبقى مش معقول لما شغلي يطلع في التليفزيون و يتعمل له عرض مخصوص الدنيا كلها تتكلم عنه يبقى عادي و بسيط !!
رد ” شهاب ” بـ إقتراح قائلًا
– طب إيه رأيك تبيعي لي أفكارك
عقدت ” نبيلة ” مابين حاجبيها قائلة بنبرة متعجبة
– يعني إيه ؟
-يعني اجيب مصممين من عندي تعلميهم كل اللي اتعلمتي خلال العشر سنين و تاخدي مقابل مادي كويس
– مستحيل ابيع افكاري لحد مهما كان، أنت فاكرني إيه بحب الفلوس، لأ و ليا تمن كمان
– ياستي العفو أنا بس بقول نشتري حقوق الملكية الفكرية مش اكتر
– مستخيل
– بصي عشان نختصر وقت بعض أنتِ تعلمي خمسة من المصممين بتوعي و ها اكتب لك المبلغ اللي تقولي عليه
– أنا مش فاهمة في إيه بجد أنا مابعش مجهودي لحد شوف أنت عاوز إيه و أنا هاعمله لك
– من غير فلوس يعني ؟
– ليه قالوا لك عني فا تحها سبيل ؟
طب ما هو انا بطلب انك تعلمي المصممين بتوعي !!
– قلت لك لأ ماديش اسراري لحد أبدًا و لا حتى ابيعها نهائي
– طب هادفع لك 20 الف
رفعت ” نبيلة ” ذقنها للأعلى قليلًا، عاقدة ساعديها امام صدرها ثم وضعتهما على حافة المنضدة الخشبية و قالت بغرورٍ يليق بـ مصممة محترفة مثلها
– للاسف انا اكبر من الرقم دا بكتير
– 30 الف كويس
– متحاولش صدقني بضيع وقتك على الفاضي
– 50 الف و دا آخر كلامي
الفصل السادس
¤¤¤¤¤¤¤¤¤
حاولت ” نبيلة” الوصول إلى” شهاب” لكنه لم يرد على اتصالاتها، أرسلت له أكثر من خمسة عشر رسالة نصية و إلكترونية و لم تجد الرد تسرب بداخلها القلق، لا تعرف ماذا تفعل تريد جزء من المال لتُنهي المتبقي من عملها، دار بخلدها الكثير من التساؤلات ظنت أنه تهرب من دفع المستحقات المالية، ثم عدلت عن الفكرة و هي تؤكد أنه ليس هذا النوع من الرجال، أثناء ما كانت تحاول الإتصال به اتاها صوتٍ غير مألوفٍ بالنسبة لها من الجهة الأخرى، ترددت في البداية قبل أن ترد و هي تتنحنح قائلة بخفوت
– مش دا رقم الأستاذ شهاب الشناوي؟ حضرتك والده اهلا و سهلا، لا ابدًا كنت محتاجاه في شغل، لا الف سلامة عليه، طب خلاص لما يصحى ابقى اكلمه تاني
قامت بالضغط على زر القفل و قالت بصوت مختنق
– و بعدين بقى اهو طلع تعبان اعمل إيه أنا بقى في اللي حصل دا ؟
بعد مرور نصف ساعة تقريبا، قامت بالرد على مكالمته و كأنه طوق النجاة، تنحنحت و قالت بهدوء
– ازيك أنت عامل إيه، الف سلامة عليك، أنا عارفة إني رخمة في طلباتي بس و الله غصب عني، يااه واضح إن صوتك تعبان اوي، إيه اجاي لك بيتك ؟ طب ما ينفعش مكان عام، اصل شكلها مش حلو يعني ؟ طب ماشي ممكن تبعت لي العنوان بالتفصيل شكرًا مع السلامة
❈-❈-❈
لم يكن أمامها حلًا آخر سوى الذهاب إلى بيته تعلم أنه تصرف خطأ و لكن ما بالـيـ ـد حيلة، اقترب موعد زفافها و لم تنهي أي شئ بعد، قررت أن تذهب الآن قبل حلول الغسق، كانت تنظر في ساعة معصمها بين الفنية و الأخرى، تريد أن تخبر السائق بالعودة إلى البيت و تنسى الأمر و لكن من سيبتاع لها ما تريد من فساتين و ملابس بيتية تحتاج إليها، وصلت بعد مرور ساعتين تقريبًا، كانت تقف أمام أحد البنايات الشاهقة، ولجت و قلبها ينبض بسرعة شديدة، ضغطت على زر الطابق الخامس و صعد المصعد إلى الطابق المنشود، خرجته منه و سارت بهدوء حيث باب شقته انتظرت لمدة دقيقتين، لـ يفتح والده له
ابتسمت بتردد و هي تؤمي برأسه محية إياه قائلة
– اهلا و سهلا اسفة إني ازعجتك
– لا ابدًا يا بنتي مافيش ازعاج، اتفضلي
ولجت و قلبها شعر ببعض الراحة، كانت توزع نظراتها في المكان، انتشلها والده قائلا بعتذار
– معلش الدنيا مكركبة
تابع ممازحا و قال
– اصل البيت من اختصاص شهاب و المطبخ
كمان و الأكل أنا يادوب صحتي على قدي و اعدل عليهزو اكله الوحش بس
– ربنا يبارك في عمرك
– الله يخليكِ تعالي يا نبيلة شهاب صاحي
ولج والده و خلفه هي، ما إن وقف على اعتاب غرفته وجد ابنه يتهوى ليسقط مغشيًا عليه
هرول والده و ” نبيلة” و القلق و يسود المكان حاولت مساعدته و إفاقته، هرولت تجاه الركن المخصص للعطور، جذبت واحدة
و قامت بوضع القليل منها ثم انتظرت لدقيقة كاملة عاد لوعيه و تحامل على نفسه لـ ينهض من على الأرض، سار بهدوء شديد كأنه عجوز لا يستطيع الحراك، مدد جـ ـسده و جذبت الدثار عليه، بينما قال له و الده
– ليه قمت بس يا شهاب لما أنت لسه تعبان ؟
رد ” شهاب بتعبٍ و اجهاد
– كنت عاوز افوق نفسي حسيت نفسي كويس
بعدها الدنيا لفت بيا
– ماهو عشان مانع الأكل دلوقت ميرنا ولا شاهندة يجيوا و اخليهم يعملوا لك لقمة حلوة
ردت ” نبيلة “بإ بتسامة بشوشة و قالت
– أنا ممكن اعمل له
– مش عاوز اتعبك معايا يا بنتي معقول أول مرة تتدخلي فيها البيت تدخلي المطبخ
– مافيش تعب و لا حاجة أنا هاعمله حاجة خفيفة
بعد مرور نصف ساعة عادت و بين يـ ـدها الطعام الساخن، وضعته على حافة الفراش، ثم طلبت من والده أن يوقظه، كاد أن يوقظه لكنه ذهب لفتح باب الشقة، طلب منها أن تنتظر حتى ينتهي والده من الكمادات ثم يوقظه ليتناول طعامه، ظلت ناظرة له في صمتٍ حتى فتح عيناه و قال بخفوت و صوتٍ بالكاد يسمع لكنها ترى حركة شفتاه و هو يخبرها قائلا :
– خليكِ معايا أنا بحبك، أنا ماصدقت لقيتك أوعي تبعدي عني
لم تتعجب ” نبيلة” من حديثه بسبب الحمى التي يعاني منها، على ما يبدو أنه مُصاب بـ عشق إحداهن، وقفت بهدوء عن المقعد ما إن ولجت ” ميرنا” مساعدة ” شهاب ” الخاصة، جلست جواره و فحصته جيدًا ثم ر فعت بصرها لها متسائلة بـ لهفة و قالت
– يا خبر دي حرارته عالية اوي ؟
ردت ” نبيلة ” بهدوئها المعتاد و قالت
– مش عالية اوي و لا حاجة
ردت ” ميرنا” بـ إصرار جاذبة يد الأخيرة
قائلة
– لأ حطي ايـ ـدك كدا و أنتِ تتأكدي من كلامي
ترددت في وضع يـ ـدها على جبهته، ثم نزلت تلقائيًا على وجنته لـ تتحـ ـسس حرارته، ابتسمت ثم قالت بصوتها الهادئ
– حرارته عاليه شوية بس مش مقلقة إن شاء الله بصي استمري على الكمادات و الدوا و بإذن الله ها يكون بخير للأسف مضطرة امشي عشان اتأخرت
– أنا آسفة بس أنا مش عارفاكي أنتِ مين ؟!
– أنا نبيلة
– اه أنتِ المصممة الجديدة صح ؟ شهاب بيكلمني عنك على طول أنا ميرنا المساعدة و دراعه اليمين تقدري تقولي عني بير أسراره
ابتسمت ” نبيلة ” إبتسامة بشوشة ثم قالت بـ اعتذار
– اتشرفت بمعرفتك يا أستاذة ميرنا
– بلاش استاذة دي قولي لي ميري على طول و لا مش عاوزة نبقى صحاب ؟
– لأ ازاي يشرفني طبعًا
❈-❈-❈
غادرت ” نبيلة ” المكان و قبل أن تتركه نظرت إليه نظرة أخيرة، القت السلام علي والده الذي انهمك في المطبخ و لكنه استوقفها قائلًا
– استني يا نبيلة يا بنتي عاوزك
توقف ” نبيلة ” تنظر حولها بنظرات اعجاب و انبهار، كانت شقته على الطراز الأمريكي، على ما يبدو أن هذه الشقة قديمة رغم أثاثها العصري إلا إنها تحتفظ بـ الجزء القديم من ذكر ياتها، أتى والد شهاب و معه ظرف صغير دُون عليه اسمها، وضعه بين يـ ـدها و قال بجدية :
– معلش يا بنتي هو كان جاهز من بدري بس زي ما شفتِ كدا بنفسك شهاب و اللي حصله
و على فكرة هو كان هو يشوفك امبارح بس للأ سف تعب بقى و ما قدرش ينزل
– معلش حصل خير الف سلامة عليه مرة تانية
– الله يسلمك يا بنتي و تسلم ايـ ـدك على اللي عملتي معانا
– العفو دي حاجة بسيطة
كان يسير خلفها حتى وصلت إلى باب المصعد، ضغط على زر المصعد و هو يخبرها بـ امتنانه للمرة المئة بعد الالف، و أخيرًا غادرت المنزل و بين يدها مبلغ مادي يُنهي أزمتها على خير، لم تعود إلى منزلها إلا في ساعات الليل الاخيرة تقريبًا بعد أن ابتاعت كل ما يلزمها، لم تسألها والدتها عن سبب تأخرها بل سألتها إن تبقى معها مبلغ مادي أم لا، رفضت ” نبيلة ” أن تخبرها أن المبلغ الذي حصلت عليه أكثر من المتفق عليه بكثير، ولجت غرفتها و نظمت كل شئ، و في النهاية جلست على حافة الفراش تقرأ خطابه الذي كتبه لها قرأته بعيناها
( أنا آسف إني اتأخرت عليكي ، ها تيجي و ها تشوفي بنفسك قد إيه أنا تعبان و مش قادر اتنفس ازاي، معاكي المبلغ اللي اتفقنا عليه و كمان هدية جوازك مبروك مقدمًا، أنا قررت إني تأ جيل معاد العرض، عشان ظروفك و كمان تعبي اشتغلي براحتك بس مش براحتك اوي يعني )
طوت الخطاب و بسطت يـ ـدها لـ السماء ثم قالت بسعادة دعوة نابعة من قلبها
– روح ربنا يبارك لك في عمرك و يفرح قلبك و يسعدك و يقدرني و اسعدك بالحاجات اللي هعملها زي ما اسعدتني و يجعلني دايما سبب سعادتك يا شهاب يا بن حوا و آدم
❈-❈-❈
مددت جــ ـسدها بعد تعب يومًا طويل و شاق مر عليها، و أخيرًا مر بكل هدوء، كم تمنت أن الباقي من حياتها يمر مرور الكرام .
قبل زفاف ” نبيلة” و تحديدًا يوم عقد القران
تجمعت العائلتين مع مجموعة صغيرة من الأصدقاء و الجيران، و مجموعة من أصدقاء العمل، كما حضر ” شهاب و والده” عقد القران بدعوة من ” عبد الكريم ” كما طلب من والد شهاب أن يكون أحد الشهود فـ رحب بالفعل، جلس جوار ( المأذون) و قدم له البطاقة نظر له و قال بعتذار
– للأسف يا استاذ بهجت دي منتهية مش هتنفع
– طب و العمل يا مولانا ؟
– ياريت يكون في شاهد تاني
– طب أذنك يعني يا عبده شهاب يكون شاهد مكاني
نظر ” عبد الكريم ” لـ والد شهاب و نظر لـ شهاب ثم عاد ببصره إلى ذاك الأخير و قال بإبتسامة خفيفة
– اللي تشوفه يا بهجت با شا دا يشرفني طبعًا
تم الإنتهاء من عقد القران و بارك الجميع لهما، ثم وقف ” شهاب و والده” لـ مغادرتهم و لكن طلب ” بهجت ” أن يصافح العروس و يبارك لها نفذ ” عبد الكريم” و قال باسمًا
– حاضر ثواني و تكون عند حضرتك
بعد مرور عدة دقائق
ولجت “نبيلة” و هي تتأبط ذراع ز و جها، خطفت الأنظار بجمالها، كانت إبتسامتها لا تفارق شفتاها، من يرأها يظن أنها عروس حقا و السعادة تغمرها، لكن بداخلها حزنٍ عميق لا تعرف سببه، صافحاتهم ثم شكرتهم و قبل أن تغادر برفقة ز و جها خرج ” عبد الكريم ” ليرد على هاتفه، أما هي قالت بإبتسامة خفيفة
– حمد لله على سلامتك و آسفة إني معزمتكش أنت عارف السبب أكيد
رد ” شهاب ” بذات الإبتسامة و قال
– ما فيش داعي للإعتذار أنا فاهم طبعًا و مقدر دا الف مبروك و ربنا يسعدك و يوفقك في حياتك
– زي القمر يا نبيلة يا بنتي
– تسلم لي يا بهجت باشا
– إيه بهجت باشا دي قولي لي يا عمي و لا أنا مش قد المقام ؟
– العفو ازاي حضرتك تقول كدا دا يشرفني و يسعدني طبعًا
استغل ” شهاب” غياب ” عبد الكريم ” و دس يـ ـده في جيبه ليخرج هديته و قال بإبتسامة ودودة
– عارف إنك هاتتريقي على شغلي بالنسبة لشغلك الاحترافي بس هي حاجة عملتها عشانك و يارب تعجبك
قامت ” نبيلة ” بفتح العلبة فرغ فاها من فرط جمالها، نظرت له ثم عادت ببصرها له و قالت بإنبهار .
– دي تحفة اوي بجد، أنت بتقول على نفسك مش محترف طب ازاي عاوزني اصدقك
نظرت له و قالت بفضول
– ليه مبتنزلش تصميماك دي. ؟
ولج ” عبد الكريم ” و شكرهُ على هديته لز و جته التي فضلت أن يعرف بها حتى لا تشعر بالخيانة، تفاجئ شهاب و والده بهذا التصرف، ظنوا أنها سوف تكذب عليه أو تخبئ هدية ” شهاب” لكنها فعلت عكس ذلك، غادر المكان و انتهت مراسم الحفل الصغيرة التي تم إعدادها بشكل بسيط و في اضيق الحدود غادر العريس على وعد بـ لقاءٍ آخر في مساء الغد عند مركز التجميل لاصطحابها لبيت الز و جية .
في منزل ” عبد الكريم ”
جلس اخواته يتحدثون عن الحفل الذي قامت والدتهما بإعداده على اكمل وجه و مازال للحديث باقية، كان ” حمدي” ينفث سحابة دخان كثيفة و هو ينظر لأخيه و قال بنبرة مغتاظة قائلا
– وأنا اقل لها فين ياما ال300 جنية اللي عبده سابهم معاكِ قبل ما يمشي قالت لي ماسابش معايا حاجة و بعدها لاقتها راحت جابت الأكل والفرش و ما خلتش حاجة مجبتهاش أمك دي مش ها تورد على جنة
– و لا على نا ر و حياتك
ولجت والدتهما و هي تقطع عليهم وصلة السُباب و الغضب يسيطر عليها لكنها فضلت أن تمرر هذا الموقف تجنبا لاي حدث يعكر صفو أيامها السعيدة
– و لما أنا مش ها أورد لا على جنة و لا نا ر بتمد لي ايدك ليه كل شهر و تاخد مني و هي مراتك هي اللي ها تورد على
و حياتك يا ياما و لا أنتِ و لا هي
لم تستطع والدته كتم غيظها الشديد، مالت بجذعها و التقطت حذائها ثم قامت بضربه في مناطق متفرقة من جـ ـسده، و هي تقول بنبرة مغتاظة
– العيب عليا أنا عشان معرفتش اربي واحد قليل رباية زيك أنت و اخوك، بس معلش دلوقت فاضية عشان اربي من اول و جديد
ظلت هذه المشاجرة ما يقارب الساعة و النصف من الضرب و الفرار من بين براثنها، كانت الأحفاد ترى جدتهما تهاجهم آبائهم، و هم لا يعرفون من الجاني أو المجني عليه، لكن لم يكن جديدًا عليهم هذه المشكلات و المشاجرات العائلية، كل مرة يدافع ” عبد الكريم” و لكن اليوم هو في عالم آخر و لا يريد أحدًا يعكر صفو حياته، لم يستمع لـ هذه المشاجرة و لا أي شئ من الأساس، سوى صوت حبيبته و هي تخبره بأن اليوم أسعد أيامها، رغم أنها تخبره بـ هذا دائمًا إلا أنه يشعر بجفاء بين كلماتها، ظل يخبرها بأنها الاولى و الأخيرة و لم و لن و لا يعشق انثى غيرها، طلبت منه أن تتزين بهدية ” شهاب” في حفل زفافها استشعرت الغيرة في نبرته فـ قررت أن تزيل هذا الحرج و تلغي الفكرة و لكنها تفاجئت به يوافق و يرحب بها، تعلم أنه يفعل ما يستطيع فعله لـ يسعدها، و هي تحفظ له هذا الجميل، طلبت منه أن تغلق لـ ترتاح قليلًا قبل ذهابها إلى مركز التجميل .
❈-❈-❈
في مساء اليوم التالي
كانت واقفة تنظر لصورتها المنعكسة في المرآة
عروس غاية في الروعة و الجمال، لم تكن تعلم أنها ستكون عروس تخفط الأنظار، ما زاد جمالها جمالًا هذا العقد الذي يحاوط رقبـ ـتها بحنانٍ بـ ملمسه الناعم، هبطت سلاالم الدرج وسط الزغاريد و التصفيق الحار من الموجودين، مع كل خطوة تخطوها، تراجع نفسها الف مرة، هل هي على صواب أم خطأ، هل الز و اج عن حب أفضل من الحب بعد الزواج، الوضع كله يُثير الدهشة بالنسبة لها، الآن فقط تُعيد حساباتها، و لماذا الآن هل لأنها قاربت على اتمم علاقتها بها للأبد، لو عاد بها الزمن لما كانت فعلت هذا بنفسها و لو أجبرها العالم أجمع، ما الذي يقبض قلبها هكذا ؟!
هل والدها السبب أم هي التي فعلت هذا بنفسها ؟! عن أي سبب تتحدث ؟ عن رجل لم يفعل لها سوى الخير و لم ترى منه إلا كل خير
بُترت حديثها مع نفسها ما إن و صلت إليه، ربتت على كتفه و الإبتسامة تزين ثغرها، استدار لها و بين يده باقة من الورود، تناول يدها بين كفيه، ثم لثم باطن كفها و هو يقول بصوته المتلعثم و الذي ازداد من تلعثمه بسبب فرحته مما جعلها تبكِ بداخلها، و ظاهرها يبتسم و كأنها بلهاء أو مجذوبة.
– مبروك يا أحلى عروسة في الدنيا
تأبطت ذراعه و غادرت المكان دون أن تعقب على حديثه بكلمة واحدة، استقلت السيارة المخصصة لهما، نظرت من النافذة تاركة لـ عيناها دموعها العنان، و تحججت بأن السبب في ذلك هو المساحيق التي وضعتها خبيرة التجميل لها .
على ما يبدو أنها ستضطر لإختلاق الأكاذيب دوما لـ تخرج من المأزق الذي اوقعت نفسها فيه، أما هو أجبر عقله بأن يأخذ قسطًا من الراحة اليوم هو بحاجة بأن يشعر بـ السعادة فقط، وصلا أخيرًا القاعة التي سوف يقام فيها حفل الزفاف، وقفت تنظر في أعين المدعوين وجدت والديها مثلهم كـ مثل الأغراب، لا تعرف إن كانت تتقدم بالشُكر لهم أن تأخذ منهم موقفًا و تقطع علاقتها بهما بعد إجبارها على الز و اج منه، ما الذي حدث لها لماذا لا ترحم قلبها و عقلها اليوم، ما الذي حدث لها لماذا تفكر أكثر من اللازم في هذا الأمر و من المفترض أنه انتهى مُنذ بدايته من الأساس، رُبما لأنها كانت تُشغل نفسها في عملها، أو كانت تقنع نفسها بأن قلبها سيخضع له في النهاية، جلست في المكان المخصص لهما وضعت باقة الزهور بينهما و هي تعود بخصلة متمردة و اعادتها خلف أذنها، رغم أنها محجبة إلا إنها قررت أن تفعل مثل فتيات جيلها، رغم إعتراض إلا إنها سيطرت بـ اسلوبها عليه، مسيطرة تعلم هذا جيدًا لكنها تبرر أن هذا أبسط حقوقها كـ تعويض لها عن حقها في إبدء الرأي .
وقفت عن الأريكة و تأبطت ذراعه لتبدأ رقصتها الأولى معه، حاوط خصرها و هي رقبته اقتربت منه نظرًا لضمته القوية له، و كأن يريد أن يؤكد لـ قلبه أن الماثلة أمامها و بين احضانه هي ذاتها التي كانت يُشبع عيناه منها و هي شاردة حزينة أو سعيدة وقع في عشقها بكل الحالات . أما هي نظرت لـ شهاب الذي ولج من باب القاعة برفقة والده، ابتسمت لهما و بشكل تلقائي لوح لها ” والد شهاب” انتهت الرقصة و عاد كلا هما إلى المكان المخصص و ما هي إلا ثوانٍ و وقف يصافحها و بارك لهما، وقعت عيناها على العقد الذي صممه خصيصًا لها مُنذ أكثر من ثلاثة أيام، عكف على إنهائه حتى يستطع اهدائه لها في يوم عقد قرانها، و كان هذا السبب الأول في تعبه، ابتسم لها و غادر المكان، جلس على المقعد و نظر في شاشة العرض الكبيرة التي تظهر صورتها بشكلٍ دائم، ما الذي حدث لماذا قام بتأجيل كل أعماله اليوم ؟ لماذا اعتذر عن السفر و ما الذي حدث له ؟ الوضع لا يطمئن بالمرة بالنسبة له، تحجج بالذهاب مع والده لقضاء بعض الوقت في جو جديد عليه، و بداخله هو يكره الأعراس بوجه خاص و المناسبات التي تجعله يحتك مع الآخرين بوجه عام، أتى موعد تقطيع قالب الحلوى، طلب النادل منها أن تفعل ما تفعله الفتيات و يلتقط العريس قـ ـبلة خلسة لكنها رفضت، لا يعرف لماذا ابتسم على رفضها لكنه شعر بضيق ما إن وجد زوجها يحاوط جـ ـسدها ليطبع قبـ ـلته على خدها، لـ يتفاجئ بها ترفع يدها على شفتاه تمنعه و هي تقول بنبرة حادة قرأها جيدًا على ملامح وجهها و هي تقول بضيق
– قلت لأ افهم بقى يا أخي !
بلع ” عبد الكريم ” لعابه و هو ينظر بخجل لـ النادل لكنه نظر لها و قال بتلعثم محاولًا إخفاء فعلتها المحرجة تلك :
– معلش عندي دي
ارخت جفنيها و هي تزفر بقوةً شديد محاولة لملمت الموقف و تحسين صورته أمام النادل، عادت الإبتسامة على وجهها و قالت لـ النادل بجدية مصطنعة
– هاخد دي و بس ها
نظر لها و كاد أن ينهي هذه الفقرة لكنها طلبت منه أن يُكمل حتى النهاية، لا يشعر بسعادة ما تفعله لأجله و لكن يحاول التصنع ليمرر الموقف، تعكر صفو اليوم و كسرت خاطره دون قصد، هي تلتـ ـمس العذر لنفسها و تريد أن يكون على قدر عال من الفهم بشعورها، لم تكن تعلم أن الوضع الذي تشعر به لا يختلف تمامًا عن وضعها، رغم تخطيطاته، لهذا اليوم لكنها دمرته له دون قصد هو يشعر بها و يلتـ ـمس لها الف عذرًا و ليس عذرًا واحد، و لكن آخر توقعاته أن تفعل ما فعلته الآن، انتهت الفقرة على خير و تلك الإبتسامة لا تفارق شفتاه رغم حزنه الدفين، كانت ترقص معه و عقلها بعالمٍ آخر عالم هو لا وجود له فيه، تريد أن تصرخ بوجوه الجميع، كيف لها أن تسلم له نفسها و هي تشعر بالرعب منه، لا تعرف إن كان هذا الوضع تشعر به جميع الفتيات أم هي فقط.
غادر ” شهاب” قبل أن يصاب بالجنون من هذا الحفل، الوضع أصبح لا يُطاق كيف يشعر بالضيق منه و لماذا يشعر بالضيق من الأساس، قابله صديقه
” بدران” على باب القاعة استوقفه و هو يقول بنبرته الساخرة
– إيه يا عم مالك شايفني و عامل نفسك مش ايف يعني خير ؟!
صافحه و قال بعتذار
-معلش يا بدران مأخدتش بالي أنت إيه اخبارك
– أنا زي الفل الحمد لله رايح فين دا لسه الفرح في أوله !
رد شهاب و قال بضيق
– معلش يا بدران أصلي تعبان شوية و أنت عارف مليش في دوشة الأفراح
سحبه “بدران” و قال بمرح
-تعال بس تعال يمكن تغير و تعمل زيهم قريب
ما أن ولج القاعة وقعت عيناه على العروس عاد ببصره لـ شهاب و قال بتساؤل:
-مش دي هي نفسها البنت اللي شفتها خارجة من باب شقتك يوم تعبك ؟!
لم يرد عليه شهاب بل شاح بيـ ـده و قال بضيق قبل أن يغادر
– أنا في إيه و لا إيه يا بدران أنت كمان أنا سايب لك المكان و همشي
– شهاب استنى يا شهاب مالك اتعصبت ليه ؟!
وقف حائرًا بين أن يبقى في حفل الزفاف أو يغادر كـ صديقه لم يقف حائرًا كيثرًا بل زادت حيرته عندما اكثر لم يكن ” شهاب ” الوحيد الذي غادر المكان، بل العروسان أيضًا كانوا ثاني من غادر القاعة بعد رحيل ” شهاب” بالطبع، قرر ” عبد الكريم ” أن يضع النقاط على الأحرف قبل البدء في صفحة جديدة معها، لم تمكوث عائلة ” نبيلة”
أكثر من حاولي نصف ساعة في شقة ابنتهما بعد محاولة ” دعاء” المستميتة في ضبط وجه أختها و تهدأتها، توسلتها بأن تأخذها معها إلى بيتها أو بيت أبيها و لا تبقى هنا دقيقة واحدة
لكنها ضمتها لحضنها و هدأت من روعها ثم أخبرتها بأن القادم أفضل بفضل الله و أن ز و جها خيرة رجال بلدها كما يُقال دائمًا لها، هي تريد أن تعشق هل هذا كثيرًا عليها أيصعب عليها في هذا الزمان أن تُحب و تجد من يبادلها ذات الحُب، جلست في غرفة نومها
أكثر من ساعة و نصف، أما هو كان جالسًا في ردهة الشقة، انتهى لفافة تبغ تلو الأخرى، حتى نفذت علبته بالكامل، الوضع يزداد صعوبة، و هو من يفعل ذلك يتركها تأخذ راحتها، نظر في ساعة معصمه وجدها الثانية بعد منتصف الليل، وقف عن الأريكة و اتجه حيث غرفة نومها، طرقها بهدوء وظل واقفًا على اعتابها، أما هي انتفضت و حاولت أن تخفي هذا خلف إبتسامة التي عجزت في رسمها هذه المرة مع الأسف، تولى هو رسم الإبتسامة و هو يقول بخفوت محاولًا التكلم بنبرة طبيعية خالية من التلعثم و لكنه فشل كـ محاولته السابقة
– عارف إنك زعلانة على اختيارك بس أنا مش عارف أنتِ عملتي كدا ليه، كنت دايمًا حاسس إنك مغصوبة عليا بس النهاردا اتأكدت، ليه عملتي في نفسك و فيا كدا ؟
يتبع
الفصل السابع
=======
لم تكن تدري ماذا تفعل، تتحدث عن ما بداخلها أم تلتزم الصمت، انتشلها بسؤاله و هو يقترب منها قائلًا
– عاوز اقل لك على حاجة
اوقفها مقابلته و قال بحزنٍ دفين
– أنا عمري ماحبيت غيرك و لا عاوز احب غيرك بس لو حبي دا ها يكون سبب زعلك فأنا مش عاوز الحُب دا و كفاية عليا التلت شهور اللي عشتهم معاكي كانوا بالنسبة لي جنة أنا مستعد اطلقك حالًا لو
وضعت أناملها على ثغره و قالت بنبرة صادقة
– يشهد الله عليا ما حسيت في إني كارهك
– بس مش بتحبيني بردو !
– ماشي مش هكدب عليك و اقول لا حبيتك بس صدقني أنت استعجلت و اتجـ ـوزنا كان ممكن ناخد على بعض نعيش أكتر من كدا مع بعض بس أنا عارفة نفسي بستغرب الشخص اللي قدامي في الأول بعد فترة باخد عليه و بحبه
– يعني أقدر اقول إني عديت أول مرحلة
أومأت برأسها علامة الإيجاب، حاولت تخفيف الوضع و التوتر الذي يسود المكان بدعابتها قائلة
– ما تستعجلش لسه قدمنا العمر كله و هازهقك في و مش بعيد تطفش مني
حاول أن يبتسم رغم حزنه، اقترب منها دون إرادة منه وجد نفسه يتردد في وضع قبلته الاولى، ارخت جفنيها محاولة التخطي هذا الوضع تود لو تصرخ ليبتعد لكن ما المبرر الذي ستقدمه له و لمتى !! قررت أن تترك له دفة الأمر و أن تسلم له نفسها لـ يأخذ حقه الشرعي، على الرغم من أن الوضع عاطفيًا من الدرجة الأولى إلا إن حالة الحزن تسود المكان لكنها عميق دفينة بداخل قلب كليهما، لم يستطع إيقاف نفسه بعد أن أخذ عهدًا على نفسه بأن لا يقربها الآن لكن استسلامها ظنه بداية الصفحة الجديدة و لكنها مجرد ممارسة حب عادية خالية من مشاعر الأحبة، مر الليل و هو يحاول أن يبتعد عنها لكنه يجد نفسه يقترب اكثر من ذي قبل .
❈-❈-❈
على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل
” شهاب” كان يحاول قضاء وقته بأي شكلٍ من الأشكال، الوضع أصبح لا يُطاق، كيف يُصاب بكل هذا الضيق و الأهم من ذلك لماذا ؟، ظل واقفًا أمام الموقد يصنع قدحًا من القهوة، سُكبت أكثر من ثلاث مرات على سطح الموقد حتى الآن، هذه مرته الرابعة و لم ينجح في صنع قدح القهوة، تركها بعد أن يأس في احتسائها، ولج غرفته و جلس على حافة الفراش، بدأ يتصفح حسابه عله يُشغل عقله بالتفكير فيها، اغتاظ من حاله ما إن وجد حاله يفكر أكثر من كل مرة قد مرت عليه. العجيب أنها حعلته ينسَ تمامًا خطيبته السابقة التي مازالت تحاول الوصول إليه، قرر أن يمدد جـ ـسده و يضع الوسادة فوق رأسه مجبرًا ذاك العقل اللعين أن يأخذ قسطًا من الراحة، ارخى جفنيه و بدأ يسترجع ذكريات اليوم، و تحديدًا ما حدث في حفل زفافها، فتح عيناه و هو يزفر بقوةً ثم حدث نفسه قائلا:
– و بعدين بقى نام نام كفاية تفكير، و بعدين اشمعنى هي و ليه دلوقت نام الموضوع خلص خلاص
سكت مليًا ثم بنبرة مغتاظة
– بس هي كانت بتضحك اوي كدا على إيه !!
ختم حديث نفسه و قال بنبرة حادة لنفسه
– نام يا زفت نام بقى كفاية كلام أنت إيه مافيش دم خالص
مر اليوم مرور الكرام، كان سعيدًا عند البعض و حزينًا عند البعض الآخر، و عاديًا لا يفرق عن غيره من الأيام شئ لأحدهما كـ بدران و الذي لم يُنكر أن “نبيلة” أخذت حيزًا من تفكيرهُ ليس لجمالها بل لأن تصرفاتها لم تروق له، ظل يحدث نفسه هل هي امرأة صالحة أم امرأة لعوب تتلاعب بالأثنان لأهوائها الشخصية !! زفر بعمق قبل أن يضع لفافة التبغ خاصته في المنفضة ثم وقف عن مقعده متجهًا حيث حجرة النوم ليغفو قبل أن تستيقظ زو جته و تبدأ في التساؤلات التي لن تمل منها أبدًا .
❈-❈-❈
في مساء اليوم التالى
كانت ” نبيلة ” تتو سد صــ ـدر ز و جها تعانق أناملها بأنامله، يُسرد لها عن مدى عشقه لها و تستمع هي للمرة المئة بعد الالف، حاولت أن تتأقلم مع حياتها الجديدة، كان يدغدغها بعد أن رفضت تقـ ـبله، كانت مدللة فوق طاقة تحمله حاول أن يظهر لها أنه لا يُبالي، و ما أن اختبرت أنو ثتها في أول اختبار له سقط فيه و رفع رأية الإستسلام، وثبت من مكانها و هرولت على باب الغرفة و قبل أن تكمل طريقها تسمرت مكانها، كاد أن يحتـ ـضنها لكنه تفاجئ بوجود ابن أخيه في وسط الردهة، هرولت ” نبيلة ” و دثرت نفسها جيدًا، بينما وصل إلى مسامعها صوت ز و جها و طريقته اللينة في التعامل في موقف خطير كـ هذا، غادر بن أخيه بعد أن اخبره أن جدته تريدهما أن يتناولا وجبة العشاء معها، نهضت من مكانها و بدأت مشاجرتها الأولى قائلة بصراخ
– أنت ازاي تتكلم معاه كدا ؟ أنت ازاي ما تعلموش الادب و تعرفه إن في حاجة اسمها باب وجرس شقة و ست جوا الله اعلم قعد براحتها و لا لأ ؟
تعالت الاصوات في الشقة و نشبت أول مشاجرة بينهما على سببٍ تافه في نظر
ز و جها لكنه مصيري بالنسبة لها، لم تكمل مشاجرتها بسبب دخول والدته بنفس طريقة حفيدها، و التي جعلتها تفقد السيطرة على لسانها حين وصفت طريقة دخولها .بمقعد البهائم الذي يدخله الجميع دون أذن صاحبها، صُدمت والدته من هذا الوصف بينما هو كاد أن يصفعها لتطاولها لكن وقفت بينهما والدته مانعة إياه من التهور و طلبت منه التريث قليلًا قبل صدور أحكامه، غادرت بعد أن حاولت قدر المستطاع تهدأ الامور لكن على ما يبدو أن الأمور لن تسير كما تظن فـ الأمر أخذ أكبر من حجمه في نظر ابنها، لن تهدأ ” نبيلة” حتى تضع للجميع حدوده و على رأسهم
ز و جها، التزمت الصمت و قررت التعامل مع الموقف بهدوء عكس ما يدور في خلدها، مر اليوم و هو يحاول بشتى الطرق مصالحتها لكنه رفضت و بقوة، ابتعدت عنه و أمرته بأن لا يقترب منها و أن حقوقه الشرعية التي يطالب بها لن يحصل عليها حتى تهدأ و يضع لـ هذا الوضع حدًا، تجنبها طيلة اليوم و حتى صباح اليوم التالي، نهض من الفراش و قام بـ إعداد وجبة إفطار تليق بها كـ نوع من المصالحة و وضع على حامل الطعام خاتم صغير صممه خصيصًا لها، حاولت أن تمرر اليوم بعد أن طبع قبـ ـلته على رأسها و طلب منها العفو و السماح، عادت المياه لمجارها الطبيعي طلب منها أن تنزل معه لـ والدته تطيب خاطرها بكلمتين حتى لا تحزن أكثر من ذلك، وافقت لأجله و بالطبع برأسها أن تضع للجميع حدوده حتى لا يتخطاها أحد مرة أخرى .
❈-❈-❈
تجمعت العائلة بأكملها دون غياب أحدهم فـ اليوم يوم الجمعة عطلة الجميع، جلس
” عبد الكريم” يتبادل مع اخواته أطراف الحديث فـ سخر منه ” حمدي” كعادته و لم تتحمل هذا ز و جته، فـ ردت له الصاع صاعين و سخرت من ز و جته لم يتحمل هذا و قام بإفتعال المشكلة لكنها كانت تملك من الدهاء ما يليق بها، ردت عليه ببساطة شديدة
– زعلان ليه يا حمدي ما هو أنت قلت نفس الكلمة لجـ ـوزي و أنا متكلمتش و أنا هزرت معاها عادي يعني
– بس دا ماينفعش يا نبيلة جـ ـوزي قاعد و تقللي مني كدا قدامه
– طب ما أنا مراته و قعدة و إنتوا عملتوا نفس الموقف و لا هو حلو ليكم و وحش ليا ؟!
ولجت والدة عبد الكريم قبل أن يتصاعد الموقف أكثر من ذلك فـ تلك العروس لن تمرر لأحد أي صغيرة أو كبيرة في حقها أو حق
ز و جها احقاقًا للحق فـ هي تكاد تحلق في السماء من انفعالها كانت تقف كالحصن المنيع لهما جميعًا اطمئنت أنها تركت ابنها بين يـ ـد
ز و جة تحبه و تخاف على شعوره، بل و تقف في وجوه الجميع لأجله .
❈-❈-❈
وضعت الطعام و بدأ تتحدث لـ تغير مجرى الحديث و تخفيف الاجواء، التف الجميع حول المائدة و تناولوا وجبة الغداء، ولج “فارس” ابن اخيه و ناداه الجميع لتناول وجبة الغداء فـ رفض، وقف جوار عمه ” عبد الكريم” و قال بإسلوب لا يناسب العروس و لم تعتاد عليه و لا تريد أن يتعامل به أحد مع
ز و جها، طلب منه مبلغ من المال ليبتاع شطيرة اللحم مع الخضراوت التي تصنعها سيدة في أحد المحلات، لم يدعه يتحدث أو يعترض بل دس يــ ـده في جيبه و أخرج مبلغ تجاوز المئة جنيه و قبل أن يخرج استوقفته ” نبيلة ” قائلة بنبرة جادة لا تقبل النقاش
– خد تعال هنا
– نعم يا ابلة
– إيه ابلة دي أنا مرات عمك و دا عمك يعني في حاجة اسمها احترام دا لو عدا عليك يعني، اولًا ما تمدش ايــ ـدك في جيب عمك و تاخد منه الفلوس بالشكل دا قدام الناس
– اطلعي منها أنا و هو بنتعامل كدا على طول مع بعض احنا اصحاب اصلا من قبل أنتِ ما تيجي
كادت أن ترد على وقاحته لكن قاطعها ” عبد الكريم ” و قال لـ فارس بطريقة مهذبة و كأنه هو الذي يجب عليه احترامه و ليس العكس
– فارس عيب دي مرات عمك و لو بتحبني احترمها كأنها أنا بالظبط
اغتاظت ” نبيلة” سلبية ز و جها و قلة حيلته في التعامل مع المواقف و التفرقة بينها وبين يجوز أو لا يجوز، لم تشعر بحالها إلا و و وجهت حديثها للجميع قائلة بحدة
– اسمعوا بقى أنا ليا يوم هو و لسه مكملتوش و شايفة بلاوي بتحصل اللي حابب إننا نتعامل مع بعض بـ احترام يبقى اول حاجة يعملها زي ما بتعامل مع كل واحد فيكم إنتوا كمان اتعاملوا يا كدا يا بلاش تعامل خالص قلة ادب أنا ما بحبش
وثبت عن المقعد و جذبت من يـ ـد ” فارس” النقود اغتاظ منها و قال بصوته العالِ
– طب و الفلو س ذنبها إيه هاتي خليني اجيب البيتزا
ولا حياة لمن تنادي، تمتم بكلماتٍ غير مفهومة يسبها فيها مرة و يلعن عمه الف مرة على هذه الزيجة، غادر المكان و تفرقت العائلة بعد صرامة العروس و انفعالها على الجميع، صعدت والدة. ” عبد الكريم” بعد مرور أكثر من ساعتين و بين يـ ـدها الطعام الذي لم يتناوله، كادت أن تفتح الباب و لكنها تذكرت أنها غضبت من هذا الفعل قبل ذلك، قرعت الناقوس و انتظرت أكثر من ثلاث دقائق، فتح لها ابنها، ثم حمل عنها الطعام و طلب منها الدخول رفضت و تحججت بأنها تريد الذهاب لأحد المحلات لتبتاع بعض مستلزمات البيت، اقتربت منه و قالت بخفوت
– راضيها دي عروسة مكملتش يوم و من الصبح في خناق، يلا ها سيبك عاوزة ارجع الاقيك مصالحها
تابعت بحنو و حب قائلة
– ربنا يسعدكم و يفرح قلوبكم يارب و يرزقك بالذرية الصالحة يا عبده يا ابني يارب
هبط ” فارس ” و هو يقفز بين سلاالم الدرج و قال بنبرة ساخرة قائلًا
– هو كل ما اشوفك ياستي الاقيكي بتدعي لـ عبده ما فيش مرة اشوفك بتدعي لي
ضحك الأثنان على ذاك الطفل الذي تجاوز العشر سنوات منذ أيام و يريد أن يتـ ـزوج، وقف جوار جدته و قال و هو يضع يده على معدته
– ستي أناجعان عندك اكل ؟
– هي أمك مامعملتش أكل يا واد ؟!
– هي أمي فاضية طول الليل والنهار تتكلم في التليفون و بقل لها جعان تقل لي عند جبنة و عيش
– خلاص تعال يا فارس تعال كُل معايا
-لأ هأكل عند ستي يلا يا ستي أنا همـ ـموت من الجوع
ردت بحنو و هي تضمه لصدرها قائلة
– حبيبي يا ابني تعال يا قلب ستك أنا عندي الحلو كله عشانك
ربتت علي كتف ” عبد الكريم” و قالت بإبتسامة بشوشة قائلة
– ادخل أنت يا حبيبي و اعمل زي ما قلت لك ربنا يسعدكم
جذبها ” فارس ” من طرف كمها فـ نظرت له و قالت بإبتسامة واسعة
– و يسعدك أنت كمان يا فارس
نزل مع جدته الدرج و هو يسرد لها ما حدث في يومه ظل يتحدث حتى انتهى من وجبته
و شعر بالنعاس فـ مدد على طرف الفراش حتى تأتي له جدته بكوب الحليب الساخن الذي يشتهيه منذ فترة، أتت و بين يـ ـدها الكوب وجدته في سباتٍ عميق، حاولت إيقاظه لكنه رفض و طلب منها أن تتركه فـ هو متعب من عمله الشاق في أحد المحلات التي تعمل في صناعة و تشكيل الحديد .
نظرت له و قالت بعطفٍ و شفقةً
– منه لله ابوك هو اللي هيضيع مستقبلك عشان قرشين زيادة، ها تعمل إيه يا ابني مع أم جاحدة و أب زي قلته ماشي وراها يقول حاضر و نعم و بس
❈-❈-❈
في منزل ” شهاب” في ساعات الليل الأخيرة
كان يقف في شرفة غرفته يتابع حركة النجوم ظل شاردًا حتى انتشله من بئر أفكاره صوت رنين هاتفه، معلنًا عن وصول رسالة بأن هاتفها الآن متاح و يمكنه عودة الاتصال، تردد في أن يرسل لها رسالة، ظل يكتب و يحذف أكثر من خمسة مرات على الأقل، القى الهاتف على سطح المنضدة الزجاجي و هو يطلق زفيرًا طويلًا، ولج والده و قال بتساؤل
– ما لك يا شهاب شكلك مش عا جبني بقا لك فترة و أنا مش عاوز اتكلم بس واضح إنك مضايق فعلًا ؟
– ما فيش يا بابا يعني مشاكل الشغل العادية واخدة كل تفكيري الفترة دي
-و من إمتى مشاكل الشغل بتاخدك بالشكل دا ؟
– ممكن عشان دا أول عرض ليا بعد سنتين تقريبًا و خايف إني ملحقش أو إني أكون مقصر بس مش أكتر
– ليه متلحقش مش نبيلة قالت لك إنها ها تخلص في المعاد المحدد ؟
– هي قالت كدا بس أنا خايفة تظهر حاجة تشغلها عني
استوقف والده عند الكلمة الأخيرة و قال بتساؤل
– عنك ؟!
تنحنح ” شهاب” و عاد يصحح الكلمة و هو يجلس على المقعد بأريحية
– اقصد عن الشغل يعني يا بابا هي حاليًا
اتجــ ـوزت و أكيد ها تلتفت لـ حياتها الجديدة، و فوق كل دا جـ ـوزها مكنش يعرف إن أنا و هي كنا بنتعامل مع بعض يعني الشغل هيكون في اضيق الحدود و دا ممكن يسبب لها ضيق
– يا ابني مش هي اللي اختارت إنها تكمل بعد الجـ ـواز و بعدين لو مكملتش يبقى نشوف حد غيرها يكمل سهلة يعني
– سيبها لظروفها يا بابا أنا حاليًا مش مجمع هاعمل إيه و سايب الموضوع لحد ما أشوف هي ها تعمل إيه !
❈-❈-❈
غادر والده بعد أن فشل في إقناعه بأن يجد البديل لها، لا يعرف سر إصراره بأن يبحث عن أخرى، كم تمنى أن والده لا يشعر بما يشعر بهِ هو و إلا إنتهى أمره، لن يسلم من بين لسان والده الذي سوف يحدثه عن الحلال و الحرام و الخيانة و الصواب و الخطأ، قرر أن يبحث عن ركن عميق ليضع سره في داخل اعماق قلبه ثم يغلق قلبه و يتابع حياته بشكلٍ طبيعي، التقط هاتفه مرةً أخري من على سطح المنضدة، ثم تصفح حسابه الشخصي، وجد الكثير من الرسائل منها، لم يصدق عيناه أن التي تكتب الآن هي عروس أمس، ظلت ترسل له و توعده بأنها لم تنسى العمل العالق بسببها و أنها ستنتهز الفرصة و تُنهي العمل قبل الموعد، ارسل لها بعض الرسائل التي يشكرها فيها و أنه لم يتوقع أنها سترسل له رسائل كهذه في هذا الوقت، تبادل بعض و البعض الآخر كانت رسائل صوتية، إحدهما كانت تتحدث بصوتٍ مختنق، استشعره جيدًا في حديثها، فـ أرسل لها سؤالًا موجزًا و قال
( أنتِ مخنوقة صوتك زي ما يكون زعلان ؟ )
فـ ردت رسالة مقتضبة كاتبة
( شوية )
كم تمنى أن تحكي له ما حدث لها فـ هي بالكاد تمت يومًا واحد في منزله، و صوتها يحمل كل هذا الحزن و الهم ماذا إن اكملت شهرًا أو عامًا
ارسلت له رسالة و اغلقت بعد أن وصل إلى مسامعها صوت خطوات ز و جها، وضعت الهاتف جنبا و استمعت له و لـ اعتذاره المئة بعد الالف، عفوت عنه أخيرًا و قررت أن تخرج معه لأحد الاماكن الهادئة، على ما يبدو أن نصيحة والدته نفعته كثيرًا، أو هي بالفعل بحاجة إلى الخروج، خرجت و تركت حياتها العملية جنبا أم حياتها الشخصية سوف تفعل ما تستطيع فعله لـ تنجح أو يلاحقها الفشل لا تعلم و لكن تتمنى من نابع قلبها أن تستمر هذه العلاقة لأنها لا تجد افضل منه من حيث الطيبة و الحنان، ناهيك عن المال فـ هو سخي معطاء حد الجنون في نظرها، هذا هو حال الكثير من البشر صفات حميدة مقابل صفات سيئة و صفاته السيئة قابلة للتغيير و هذا أمر يأتي بالممارسة، و لكن يبقى السؤال أين الحُب من كل هذا !!
❈-❈-❈
بعد مرور شهر كامل
عادت الحياة إلى مجرها و عاد ” عبد الكريم” إلى عمله من جديد، أما هي جلست تنظف بيتها ثم تقوم بـ إعداد وجبة الغداء، و بعد ذلك تذهب إلى والدتها تُنهي عملها الذي تركته قبل ز و اجها، تحاول بشتى الطرق أن تنهي العقد، الوضع يزداد صعوبة عليها، تشعر بالضغط الشديد و لكن بكل أسف هي تفعل ما بوسعها لتُنهي هذا العمل حتى لو على حساب صحتها التي بدأت في تدهورها، أصبحت مزاجية بشكلٍ كبير و تم تأجيل موعد التسليم لأكثر من ثلاث مرات، و لكن اليوم لن تتركه حتى تنتهي منه، هي على موعد مع ” شهاب” في المكان الذي استأجره ليقوم بتجميع مشغولاته و مشغولاتها و ترتيب كل شئ قبل يوم العرض، وضعت كل تصميماتها في علبة مخملية من اللون الأحمر القاتم، ثم غادرت المكان و عندما سألتها و الدتها كذبت عليها، لم تكن تعلم أن هذه الكذبة لم تكن مثل أكاذيبها و لكنه العنهم فـ هي التي سوف تتدمر كل شئ
وصلت أخيرًا إلى البناية التي وصفها ” شهاب” عبر الهاتف ما يقارب الشهر تقر يبًا لم يرأها
و لم يستمع لـ صوتها إلا اليوم عندما أخبرته بأنها انتهت من كل شئ، توقف أمام باب الشقة في انتظار أن يفتح لها، استقبلها بنفسه وعلى ثغره إبتسامة بشوشة ونبضاته قلبه تكاد تقفز من مكانها، ولجت بعد أن حمل عنها الصندوق و وضعه على سطح المنضدة الخشبي وقال بسعادة
– أنا مش عارف اشكرك ازاي بجد أنتِ فرحتيني اوي و كـ…
كاد أن يُكمل حديثه لكن قاطعه صوت الناقوس اتجه حيث الباب و قال بإبتسامة بشوشة
– متقلقيش دا تلاقي بدران صاحبي هو كلمني و قالي إنه جاي
كادت أن ترد لكنه فتح باب الشقة، ولج
” بدران” و الإبتسامة تزين ثغره ما إن وجدها اختفت الإبتسامة تمامًا أما هي ارتبكت على الرغم من أن الوضع ليس مخجلًا لكنها تخشى أن يعرف ز و جها و يخبره بوجودها هنا
وقف “شهاب” بينهما و قال:
احب يا نبيلة اعرفك بأكبر واهم رجل اعمال ممكن تعرفي وصاحب عمري بدران أحمد المرعي اكيد سمعتي عنه قبل كدا مش كدا ؟!
الحقيقة لا اول مرة اسمع عنه
بدران من وقت ما شاف تصميماتك وهو مكرر يفتح قسم خاص بالاسكسسوارت عنده مع الأزياء
بس انا اعرفك كويس قوي يا مدام نبيلة مش أنتِ مرات عبد الكريم ؟!
نظفت حلقها بصعوبة بالغة ثم قالت بتساؤل
– ايوة أنا هو حضرتك تعرفه ؟!
طبعًا اعرفه عبدالكريم دا صاحب العمر وهو له الفضل بعد ربنا بأن الفرع بتاعي يقف على رجله هو و فارس ابن اخوه الاتنين دول احسن اتنين. يعملوا شغل يدوي ودلوقتي أنتِ
كاد أن يُكمل حديثه لكن قاطعه دخول والد شهاب و هو يرحب بـ ز و جها، تبادل نظرات التوتر و القلق لتجد “شهاب” يخبرها بالاختباء لأحد الغرف على وجه السرعة، عقد “بدران”
ما بين حاجبيه و هو يقول بنبرة حادة تعبر عن الشك في علاقتهما
– هو في إيه بالظبط يا شهاب !!
تعال يا عبد الكريم ادخل
نبيلة إيه اللي جابك هنا !!
تسمرت مكانها ما إن ولج ز و جها و بن أخيه خلف والد شهاب، لجمت الصدمة لسان الجميع، و لم يستطع أحد تبرير هذا الموقف، أو وجودها هنا، اقترب منها ” عبد الكريم “و سألها عن سبب و جودها، نظرت له و قبل أن تتحدث فقد السيطرة على حاله و صفعها، صفعها قبل أن تتدافع عن حالها قبل أن تخبره بأنها كانت تساعد نفسها، توقف بينهما والد شهاب و حاول أن يمتص غضب ذاك الأخير، كاد أن يجذبها من شعرها لكن تفاجئ بيـ ـد ” “شهاب” تعتصر يـ ـده ثم تُلقي بهِ أرضًا، كاد أن يشتبك معه و لكن توسلته بأن يترك
ز و جها فـ الوضع بهذه الطريقة يزداد سوءٍ، أخذته و غادرت المكان، لكنه لم يمرر الأمر هكذا، ذهب بها إلى أبيها حاولت أن تستعطفه أن يستمع إليها قبل أن يصدر حكمه لكنه صدمها بقوله لأبيها دون أن ينظر لها
– بنتك متلزمنيش
اتسعت عيناها ذاهلة مما يتحدثه ذاك الأبله كيف يتنازل عنها بهذه السهولة، كادت تتحدث لكن تفاجئت برد والدها الذي حاول جاهدًا تلطيف الأجواء و هو يقول
– ليه بس كدا يا عبده صل على البني و قل عملت إيه تعال بس يا راجل
و بعد إصرار من والدها ولج و بدأ يسرد له ما حدث، سألها والدها عن سبب وجودها فأجابت بهدوء
– أنا اتفقت معاه اعمل له شغل و اخدت مبلغ اجهز بي نفسي و لما لاقيت عبده قدم
الجـ ـوازة قلت له خلاص ها كملهم بعد
الجـ ـواز قالي مافيش مشكلة و فعلا خلصتهم و رحت اوديهم عشان ملقتش حد يوديهم دا غير إنه كان جايب صاحبه عشان اعمله شغل هو كمان. و صاحبه دا صاحبك برد يا عبده. اسمه بدران أحمد المرعي هاته و اسأله. أنا الحمد لله واثقة من نفسي و عارفة أنا عملت إيه و مش خايفة من حاجة و لا من حد و طبعا مش هنكر إني غلطانة عشان كملت في حاج أنت مش راضي عنها
رد والدها بهدوء و هو ينظر له قائلا
– طب يا عبده الموضوع اهو مالك يا ابني مكبرها ليه و بعدين ما أنت عارف إن نبيلة ما تتـ ـجوز كانت بتعمل الاكسسوارات و الحاجات دي يعني مش جديدة عليك ؟!
رد ” عبد الكريم ” بنبرة متلعثمة محاولًا توضيح مخارج الالفاظ لكنه فشل و مع ذلك فهمه العم محمد و قال بـ إنفعال
– الزم حدودك يا عبده و اعرف بتقول إيه بنتي غلطانة اه بس هي وضحت اللي حصلت و احنا عرفنها غلطها عاوز. تصدق صدق مش عاوز الباب يفوت جمل أي غلط في شـ ـرف بنتي و عرضها مش ها عديها .
لن تنكر ” نبيلة” مدى سعادتها رغم حزنها من تصرف ز و جها إلا إنها وجدت والدها يقف خلفها في أول خلاف حدث بينها و بين
ز و جها غادر ” عبد الكريم ” و هو يلعن والدها الذي وافق على قلة حياء ابنته، علمت والدته بما حدث من حفيدها الذي سرد لها جزءٍ بسيط من الحكاية، دارت نقاشات كثيرة حول الصُلح بينهما، أما ” نبيلة” قررت أن لاتعود له مهما كلفها الأمر، تواصل معها ” شهاب” دون علم والده الذي ظل يحمله مسؤولية ما حدث، حاول أن يعتذر لها مرارا لكنها رفضت و قالت له
-صدقني مش ذنبك أبدًا دا ذنبي أنا اللي اخترت غلط، فاكر لما قلت لك الحب بيجي بعد الجـ ـواز كانت إجابة غلط و ندمت إني مسمعتش كلام قلبي، أنا آسفة مضطرة إني اقفل أنا تعبانة و محتاجة ارتاح
اغلقت الهاتف ما إن ولجت شقيقتها ” دعاء”
و هي تتحامل على نفسها إثر الحمل، جلست على حافة الفراش و قالت
– حماتك قاعدة برا مع ابوكِ و أمك و الدنيا شكلها مش خير أبدًا
– خير و لا مش خير يغور في داهية مش عاوزاه
– كمان أنتِ اللي مش عاوزاه يعني يشوفك في شقة واحد و لوحدكم كمان هو اللي غلطان
– اللي يسمعك كدا يقول إننا كنا في وضع مش كويس هو صحيح شافني مع راجل بس الراجل عميل هو نفسه بيشتغل مع أبوه يعني راجل محترم فوق ما تتصوري هو بقى اللي خياله مريض .
– طب و أنتِ ها تعملي إيه دلوقت ؟
– ها عمل إيه يعني اهو قاعدة اهو أما نشوف ابوكِ هايقول إيه ؟
– ايوة يعني لو قال ارجعي ها ترجعي ؟
– لأ طبعًا ما مد ايده عليا من غير ما يفهم اللي حصل نجوم السما اقرب له
جلستا تتحدثان حول هذا الأمر، وقفت “دعاء” عن حافة الفراش و قالت بجدية
– أنا ها قوم اعمل قهوة للجماعة برا و أنتِ يا اختي مشي امورك خلي الدنيا تسلك يعني هو اول راجل و لا آخر راجل يضرب مراته
– معلش ما هو أنا مش معدومة الكرامة زيك و الله لأعرفه يعني إيه يمد ايده عليا و اخلي يحلف و يقول إن الله حق
– أنا ها عدي لك الكلام دا بس عشان أنتِ متنرفرة
❈-❈-❈
غادرت ” دعاء” تاركة أختها تتصفح حسابها الشخصي و كأن ما يحدث بالخارج لا يتعلق بها، أتاها رسالة منه يتوعد لها بالقتل و الحرق لا تعرف من أين أتى بكل هذه الجرأة، لم تتحمل كتم هذه الرسالة، نهضت من مكانها و خرجت من غرفتها متجهة حيث ردهة الشقة
و قامت بفتح الرسالة، استمع كل من في المجلس العائلي، علمت والدته أن كل هذا الحديث كانت فكرة ابنها البكري وليس ذاك المسكين .
حاولت تلطيف الأجواء و لكن كيف و ابنها دمر كل شئ، عادت إلى غرفتها و نيران الغضب و الغيظ يتملكان منها بقوةً، جلست على حافة الفراش تعض على شفتاها السُفلى، حاولت أن تفكر في حلًا تنتقم منه و يشفي غليلها، نظرت إلى شاشة هاتفها وجدت رسالة منه يريد أن يطمئن عليها و يعرف ما جديدها ؟
ضغط على زر الرسالة و قامت بإرسالها ما هي إلا ثوانٍ و لم يختلف حاله عن حالها، رد بصوتٍ مخنتق و هو يرسل رسالته الصوتية
( هو المتخلف دا ازاي لي عين يهددك، هو فاهم إن البلد سايبة، ولا هو فاهم إنه هايعمل عليكي راجل دا أنا بالتسجيل دا ها اودي في ستين داهية )
ضغطت” نبيلة” على زر التسجيل و قالت بتوسل
– بالله عليك تبعد عن الموضوع خالص أنت كدا ها تعقد الموضوع بزيادة، أنا بس بعت لك عشان تعرف اللي حصل لأني ممكن اطلب من بابا يجيبك و يسألك عن اللي بنا أنا مش عاوزة حد يتكلم عني وحش و لا يُشك فيا و الموضوع ياخد شكل تاني خالص أنت بس خليك في الصورة يمكن احتاج لك و أنا كمان بفكر اروح للي اسمه بدران و اجيبه يشهد بإني معملتش حاجة قدام عبد الكريم عشان يصدقني أنت بالله عليك خليك بعيد وكفابة لحد كدا ).
لم يكن أمام ” شهاب ” سوى الرضوخ لر غبتها
تملكه الإحباط و هو ير سل رسالة صوتية قائلا فيها بتوجس ملحوظ
– أنتِ ها ترجعي له تاني ؟
لم تكتراث لـنبرته تلك. و قالت بنبرة حازمة
– لأ طبعًا هو فاكرني إيه
اغلقت هاتفها ما إن ولج والدها طالبًا منها تحضير حالها لـ تذهب مع والدة زوجها لكنها رفضت رفضًا قائلة بعنادٍ
– و الله يا بابا ما هايحصل و لو حصل كدا أنا ها و لع في نفسي أنا بقل لك اهو
ردت والدتها بهدوء علها تحاول إقناعها قائلة
– يا بنتي هو أنتِ اول واحدة جو زها يضربها
ايوة أنا مش أول واحدة ولا آخر واحدة بس أنا عندي كرا مة وعزة نفس و مش هارجع لواحد مافكرش لخمس ثواني أنا هنا ليه و بعمل إيه
❈-❈-❈
بعد مرور شهر كاملًا
حلو احنا بقى نجيب اللي اسمه بدران دا و يشهد إنك كنتي بتشتغلي مع أستاذ شهاب دا و نفضها سيرة خاالص من الحوارات دي قلت إيه ؟!
اردف والد نبيلة عبارته الطويلة و هو يجلس مقابلة والدة عبد الكريم التي لن تهدأ حتى يغلق الحديث في هذه الصفحة و يبدأ ولدها صفحة جديدة مع. ز و جته، أومأت برأسها علامة الإيجاب و قالت بتأيد
– و ماله يا خويا نجيبه لكن إذا كان عليا مصدقها من غير حاجة خالص لكن نقول إيه للشيـ ـطا ن اللي دخل بنهم عموما شوف هتعمل إيه و أنا معاك في .
❈-❈-❈
جلس “بدران” داخل الردهة و عقله لا يهدأ أبدًا من التفكير، لقد وقع في مأزق لا يعرف كيف يخرج منه حقا، وضعت “تولين”
يـ ـدها على كتفه و قالت بنبرة حانية:
– روق كدا يا بيدو مالك بس يا حبيبي
نظر لها و قال بنبرة حائرة
طب يا تولين قولي لي أنتِ اعمل إيه شهاب صاحبي و عبد الكريم كمان صاحبي و دي واحدة ست اخاف افضـ حها قولي لي اعمل إيه ؟!
– قول الحق يا بدران و ملكش دعوة بالباقي
– انهي حق بالظبط الحق اللي يخليني افضـ ـح واحدة و اقول لـ عبد الكريم إن دي مراتك شفتها أكتر من مرة في بيت شهاب و في كل مرة وقت متأخر و لوحدها ! و لا اعمل نفسي مش عارف حاجة و اسيب الدنيا كدا بس لو سبيتها كدا في واحدة. هاتطلق و اللي في بطنها مش هايبقى له أب وأنا السبب
– هي حامل ؟!
– ايوة حامل و بعته لـ عبد الكريم و قال الله اعلم ابن مين اللي في بطنها
ردت. ” تولين” بتساؤل
– مش جايز فعلًا معاه حق !!
حرك رأسه علامة النفي ثم قال بجدية
– جايز كنت قلت نفسك كلامك قبل ما اشوف اللي شفته
– شفت إيه ؟!
– شفتها رافضة تمامًا تستخبى من جو زها و دا معناه إنها مبتعملش حاجة غلط بس بردو وجودها بإستمرار بالشكل دا في حاجة مش صح
تنفس بعمق و هو يقول بضيق
– أنا حاسس إني السبب في اللي حصل دا
يا رتني ما قلت لعبد الكريم إني عجبني شغل مراتك و لا إني لازم اتعامل معاها أنا كمان زي شهاب
– لا مش أنت السبب السبب اللي اسمها نبيلة اللي معملتش حساب لجوزها و لأ سمعتها و شر فها
أنا بفكر اروح اقول لعبد الكريم يرجعها و خلاص
و افرض قالك قول الحقيقة هتعمل إيه ؟! و قالك اشهد بالحق مراتي كانت بتروح قبل المرة اللي شافها فيها و لالا هتقول إيه؟!
هقوله يا تولين ما هي ملهاش حل تالت هاقول و هما الأحرار و يارب. يو لعوا في بعض كلهم أنا مالي بقى .
ربتت على كتفه و قالت بنبرة حانية
– طب يا روحي متزعلش نفسك صحتك عندي بالدنيا بحالها يا حبيبي
جلست على فخـ ـذيه و بدأت في تصفيف خصلات شعره بأناملها، نظر لها و قال بنبرة تملؤها الحيرة
– حبيبك مش عارف يلاقيها منين ولا منين !
– روق كدا بكرا ترق و تحلى و بعدين أنت شايل هم الدنيا ليه واحدة معملتش حساب لسُمعتها نعمل احنا ليه بقى !!
– عشان دي كلمة حق هنتحاسب عليها يوم الدين يا تولي .
❈-❈-❈
في عصر اليوم التالي
جلس “بدران” داخل منزل والد نبيلة يستمع لهذا و ذاك ما إن هدأ الأمر تحدث بما يعرفه لكن قاطعه عبد الكريم و قال بضيق
– قل لي يا بدران قبضت كام من شهاب ؟!
– مش هحاسبك على دا دلوقت وهصبر لما تروق بس أنا قلت حق ربنا
سكت الجميع مليًا بعد أن ختم بدران كلمته ليتحدث عبدالكريم ما لا يتوقعه إحد و قال :
– لو عاوزين نبيلة ترجع لبيتها أنا موافق بس بشرط
سأل الجميع في آنٍ واحد قائلين
– خير ؟!
أجابهم عبدالكريم و قال بهدوء حد الاستفزاز
– نبيلة تروح البشعة
رد بدران بذهول و قال:
– أنت بتقول إيه أنت اكيد اتجننت
– دا اللي عندي نبيلة تروح البشعة وبعدها ترجع لي و ترجع لبيتها و لا ترجع بفـ ـضيحة
وقفت أمامه و رفضت هذا الطلب لكن قال والدها
– و أنا موافق بنتي تروح البشعة يا عبد الكريم
نظرت نبيلة لـ والدها بخزي و حزن ثم قالت:
– بابا أنت عاوزني اروح هناك !!للدرجة مش واثق في بنتك ؟!
رد والدها بعتذار
-معلش يا بنتي ما هي دي اللي هاتثبت انك بريئة
سألته بمرارة من بين دموعها و قالت :
– و تربيتك ليا و ثقتك دول كانوا ؟!! هتكدب بنتك و تصدق البشعة !!
رد والدها و قال:
-متكبريش الموضوع يا نبيلة بقى و لا أنتِ واثقة من نفسك ؟!
لاحت إبتسامة ساخرة و قالت:
– لا أصل بثق في البشعة .
تابعت بذقن مرفوع و شموخ لا تعرف من أين أتت به و قالت
– أنا كمان ليا شرط
سألها بدران و قال
– خير يا نبيلة !
نظرت لـ عبد الكريم و قالت بثقة
– عبد الكريم يقعمل هو كمان البشعة
سألها عبد الكريم بسخر ية و قال:
-ليه لا قتيني مع واحدة و لا واحد لا مؤاخذة
أجابته بهدوء شديد
– هتقعد وتعمل البشعة على إنك مأخدتش لا دهبي و لا اخدت فلوسي
-حلفت لك بدل المرة الف إني مأخدتش مليم واحد من حاجتك
– اثبت لي صدق كلامك دا
-إيه الي يثبت لك
رفع رأسها بشموخ و قالت :
– البشعة زي ما هعملها أنت كمان لازم و دا أمر مش رجاء زي مش واثق في كلامي أنا كمان نفس الحكاية يا عبد الكريم
يتبع
الفصل الثامن
========
تابعت بذقن مرفوع و شموخ لا تعرف من أين أتت به و قالت
– أنا كمان ليا شرط
سألها بدران و قال
– خير يا نبيلة !
نظرت لـ عبد الكريم و قالت بثقة
– عبد الكريم يعمل هو كمان البشعة
سألها عبد الكريم بسخر ية و قال:
-ليه لا قتيني مع واحدة و لا واحد لا مؤاخذة
أجابته بهدوء شديد
– هتقعد و تعمل البشعة على إنك مأخدتش لا دهبي و لا اخدت فلوسي اللي كانوا في الشقة
-حلفت لك بدل المرة الف إني مأخدتش مليم واحد من حاجتك
– اثبت لي صدق كلامك دا
-إيه اللي يثبت لك
رفع رأسها بشموخ و قالت :
– البشعة زي ما هعملها أنت كمان لازم و دا أمر مش رجاء زي مش واثق في كلامي أنا كمان نفس الحكاية يا عبد الكريم
رد “بدران” بنبرة تملؤها الغضب و الغيظ الشديد من كلايهما و قال:
– دا اسمه لعب عيال، بشعة إيه اللي تعملوها و على إيه !!
نظر لـ عبد الكريم و قال بتساؤل
– للد رجة دي يا عبد الكريم مش واثق في مراتك ؟!
تابع بتساؤل و قال:
– خدتها ليه طالما مش واثق فيها ؟! ها !خدتها ليه ؟!
طال الصمت داخل الغرفة لعدة دقائق أو ساعات لم تعد تعرف كم من الوقت عليها داخل الحجرة، ليرد ز وجها المبجل على سؤال صديقه بكلماتٍ خافتة لم يفسرها البعض بينما فسرها البعض الآخر أنه يستغفر ربه، ربت
” بدران” على فخذه و قال بجدية
-جدع يا عبده هو دا اللي منتظره منك استغفر ربك و اطرد الشيـ ـطان اللي دخل بيتكم دا
ردت “نبيلة” بنبرة حادة ما إن رأته يقف عن مقعده ظنت أنه سيصالحها و ينتهي الأمر عند هذا الحد لكنها لم تُمهل أحدهم فرصة توضيح الأمور و قالت بنبرة لا تقبل النقاش
– خليك راجل يا عبد الكريم و كمل اللي طلبته للآخر و هنروح البشعة زي ما قلت و حكمت و وقتها اقسم بربي ما في راجعة لو إيه اللي حصل
تمتمت بكلماتٍ تنم عن الغيظ و الغضب الشديد سبته في ر جولته و وصفته بالضعيف
حين رضخ لرغبة صديقه و حاول مصالحتها
لم يتقبل تلك الإهانة، ووثب من مكانه، محاولًا
ضر بها لكنها فلتت من بين براثنه بأعجوبة
وقف “بدران” مقابلته و قال بغضبٍ جم
– أنت اتجننت يا عبد الكريم ها تضرب مراتك و احنا واقفين ؟! طب على الاقل احترمنا يا أخي عيب كدا
دفعه للخارج و قال بعتذار
– عن أذنك يا عم محمد معلش هابقى اعدي عليك وقت تاني .
❈-❈-❈
داخل شقة بدران المُر
كان مستندًا برأسه للخلف مغمض العينين، غارقًا في أحلامه، لا يشعر بما حوله، تلك الضجة التي حدثت بجانبه بسبب وضعها لحامل القهوة و التي كانت كافيلة تسبب له الفزع في أي وقتٍ آخر، هو لا يشعر بها تمامًا
هزته برفق ثم قالت بخفوت
– بدران، بدران يا حبيبي أنت نمت ؟!
انتبه لصوتها الرقيق و يـ ـدها التي تمسد كتفاه في محاولة منها لإرخاء تلك العضلات المشدودة و المتصلبة إثر إنهاك اليوم الطويل
مال بوجهه ليلثم ظهر يـ ـدها ثم قال بخفوت
– تسلم إيـ ـدك يا حبيبي ربنا ما يحرمني منك
مسدت كتفه بحنو قائلة بإبتسامة بشوشة
– و لا منك يا روحي
تابعت بفضول و هي تجلس على الأرض متربعة كعادتها حين يحكي لها حكاية جديدة و مُشكلة جديدة من مشكلات العائلات و المكتب الذي فتحه على حد وصفها، اقتربت منه و قالت بفضول:
– احكي لي عملت إيه مع صاحبك و مراته ؟!
هز رأسه علامة النفي ثم قال بيأس:
– الدنيا باظت متحلتش !
عقدت “تولين” ما بين حاجبيها و قالت :
-مش فاهمة ازاي يعني ؟!
ناولته قدح القهوة و عيناها لا تبرح قسمات وجهه التي تغيرت بفعل حديثه الذي لم يروق له و لكنه كان مجبرًا عليه حينها ارتشف رشفة سريعة ثم قال:
– المتخلف عاوز يودي مراته البشعة !
استوقفته متسائلة بإستفسار:
– يعني إيه البشعة ؟!
تنهد بعمق و هو ينظر لها ثم قال بضيق
– دي مجموعة من رجالة كدا بتروحي لهم و بتحكي السبب اللي جاية عندهم عشانه و بعدها بيجيبوا حاجة حادة زي سـ ـكينة معلقة كبيرة أي حاجة حادة أو معدن
ردت مقاطعة بعدم فهم و قالت:
– ايوة بردو بيعملوا بيها إيه دي ؟!
نظر لها و قال بضيق
– بيحطوها على النار أقل مدة ربع ساعة و بعدها يحطوها على لسان الشخص اللي وقع عليه التهمة
اطلقت “تولين” شهقة عالية بالتزامن مع جحوذ مقلتها على إثر ما سمعته، تجمعت الدموع في عيناها و تسائلت بنبرة متحشرجة قائلة:
-و هو ازاي عاوز يعمل فيها كدا ؟! إيه مش خايف إنها تتأذي ؟!
لاحت إبتسامة جانبية ساخرة و قال:
– ما هو المفروض لو مظلومة مش هتتأذي انما بقى لو استغفر الله العظيم يعني النـ ـار هتجيب حقه .
دا جهل و تخلف و أنا لو منها مرحش لو فيها مو تي !
اردفت ” تولين” عبارتها بنبرة مغتاظة و أعين مليئة بالد موع متعاطفة مع امرأة لا تعرفها لكنها تعلم عنها كل شيئًا تقريبًا، احتوى “بدران” خدها بكفه ثم مرر إبهامه برفق و هو يقول بنبرة حانية :
– بعد الشر عنك يا روحي
وضعت كفها فوق كفه و قالت بنبرة حزينة و أعين تملؤها الخوف من إجابة سؤالها الذي طرحته عليه قائلة:
– بدران أنت ممكن تعمل كدا معايا في يوم من الأيام ؟!
رفعها قليلًا لتجلس على ركبتها حتى يستطيع أن يحدثها، احتوى وجهها بين راحتيه و قال بنبرة حانية تملؤها الصدق
– أنتِ قلبي و روحي و نور عيني اللي بشوف بيها لما بتقولي آآه بتأذى تفتكري ينفع اعمل كدا معاكي ؟!!
تابع بنبرته الحانية و بحة صوته الرجولية و قال:
– اوعي تشبهي نفسك بيها، و لا تبشبهني بـ عبد الكريم أنا غيره و أنتِ مش نبيلة أنتِ تولين احلى و اجدع ست عرفتها في حياتي
يكفي إنك مراتي و أنا بثق فيكي بثق فيكي لدرجة إني لو سبتك وسط مليون راجل هرجع و الاقيهم مليون وواحد
ابتسمت ملء شدقيها و هي تقول بنبرة سعيدة
-حبيبي يا بيدو أنا بحبك اوي
وضع يـ ـده خلف مؤخرة رأسها ثم قربها منه لترطدم شفتاه بخاصتها في قبلة شغوفة عبرت لها عن مدى حبه و شوقه لها، في ذلك الوقت حاوطت رقبته بذراعيها و تناست أمر تلك النبيلة و ذاك الرجل المجذوب الذي يريد
حر ق ز و جته بالأساس تناست كل شيئًا حولها و لم تتذكر سوى أنها بين يـ ـد رجل يعشقها حد النخاع .
بعد مرور وقت ليس بقصير
كانت تنظر لسقف الغرفة تمامًا مثله، تاركة
ليـ ـده حرية عناق يـ ـدها و التشبث بها
همست بخفوت و قال:
– بيدو
نظر لها و هو يصدر همهمة بينما تابعت هي بفضول قائلة:
– هو أنت هتروح البشعة دي ؟!
نظر لها و لم يرد لتتابع هي معقبة بخوفٍ
– أصل انا خايفة النا ر دي تيجي عليك و كدا
ابتسم لها ثم عقب بهدوءٍ
– متقلقيش النار مبتحر قش مؤمن
فتح لها ذراعه ثم سحبها برفق لتدخل بين احضانه اقترب منها ثم طبع قُبلة عميقة على جبينها و هو يقول:
– متقلقيش عليا حبيبك جامد طول ما أنتِ في ضهره
رفعت عيناه و قالت برجاء
– ما تطلع نفسك من الموضوع يا بدران عشان خاطري و خليك هنا مترحش .
رد بدران بأسف و قال:
– مش هاينفع لازم احل الموضوع و إلا هايتعقد أكتر من كدا
ردت تولين بحزنٍ مصطنع عله يرضخ لرغبتها و قالت:
– يا خسارة كنت فاكرة إن حياتي غالية عندك !
رفع بدران ذقنها لأعلى قليلًا ثم قال بعتاب
– هو أنتِ لسه هتعرفي أنتِ غالية عندي ولالا من حتة مشوار ؟!
اصدرت تأتأة لترد على سؤاله تابعت بغنخ حديثها و الذي لم يفسر منه أي شئ سوى أن تلك الكرزيتين يجيب عليهما السكوت التام لأن حان الآن موعد التهمهما، تركت له مهمة إجابة سؤالها و غرقت معه داخل عالم ليس بالجديد عليها لكنها هذه الفترة و أن تلك الخلافات التي حدثت لصديقه ما هي إلا ناقوس صدر في وقته المناسب ليعيد العلاقات لمجراها الطبيعي، كان يشعر أنهرمُقصر من الدرجة الأولى بسبب انشغاله التام في عمله و اعباء الحياة لكن عندما صدرت هذه الخلافات و اوقعه القدر فيها دون عمد علم أنها إشارة من الله عز و جل لينتبه لز وجته، عادت العلا قات كما كانت و تقربا كلاهما من بعضهما البعض بل أكثر من ذي قبل و كانت هذه هي الحياة التي تريدها تولين .
❈-❈-❈
داخل شقة “شهاب”
سمح لـ والده بالدخول إلى غرفته بعد أن وضع هاتفه جنبا .
-ما تعرفش نبيلة و عبد الكريم عملوا إيه ؟
تنحنح ” شهاب ” و هو يجلس بأريحية على الفراش و نظراته زائغة في المكان هروبًا من نظرات والده المتفحصة له
– لأ معرفش حاجة عنها من وقت ما خرجت من هنا معاه
تابع بتساؤل قائلا:
– هو حضرتك عرفت حاجة ؟
– اه
بلع ” شهاب” لعابه و قال بتوجس قائلا:
– خير يا بابا عرفت إيه ؟
– البنت مصممة على الطلاق بعد حوار البشعة قالت إنها مش هتكمل معاه
سأله بشيئًا من الفرحة و التي سرعان ما ظهرت على وجهه رغم محاولاته في إخفائها
– طب و هو هايطلقها ؟
– لأ هو مصمم إنه يكمل معها بدران بيقول راجع نفسه و غلط نفسه و بيني و بينك كويس إن حد فيهم متمسك بالتاني هي أكيد منفعلة عشان اللي حصل قصادنا بس هو كان هادي شوية و خصوصًا بعد ما كلمته ؟
– هو أنت كلمته يا بابا ؟!
– ما لك متعصب ليه طبعًا لازم اكلمه
– اومال حضرتك حذرتني ليه اني اكلمه أو اتدخل في الموضوع أساسًا ؟!
– أنت غيري أنت طرف في الموضوع و شاب صغير يعني موضع شك إنما أنا لأ أنا راجل كبير و ما ليش أي مصلحة في إني اكدب و بعدين أنا قلت له إن أنا اللي كلفتك تكلمها لأن كنت مشغول في كذا حاجة
– و هو صدقك ؟
– مش عارف بس حاسس إن الموضوع ها يعدي على خير ادعي لها ربنا يهديها و ترجع له
رد ” شهاب” بحزنٍ دفين و هو ينظر إلى أبيه و قال
– ربنا يهدي لها طريقها أيًا كان إيه هو
– ما لك يا شهاب حاسك مضايق ؟
– مافيش يا بابا صدقني أنا كويس يمكن محتاج أنام شوية مش أكتر
– متأ كد ؟
– اه
– طب يا ابني على راحتك اسيبك أنا تصبح على خير
– و أنت أهله يا بابا
غادر ” بهجت” و الد ” شهاب” و مدد هو
جـ ـسده على الفراش، وقف والده على باب الغرفة و نظر لـ ابنه محاولًا الوصول إلى وصف يصف بهِ حاله الذي تبدل ما إن دخلت تلك النبيلة حياته، كانت مجرد صفقة عمل و لكن من الممكن أن تتحول إلى صفقة عشق أو بالأحرى تحولت، كان يناجي الله أن ينزع من عقل ابنه و لا يعلم كيف توغلت بين ثنايا قلبه
اوصد الباب و اغلق الضوء ثم غادر من الغرفة
أما ” شهاب” عاد و جلس من جديد على الفراش، جذب علبة سجائره و نفث دخانها و كأنها نيران تخرج من صـ ـدره و ليس سحابة دخان عادية، كاد أن يجن من تصرفات والده
ماذا يفعل يهاتفها و يطلب منها الإنفصال عنه أم يتركها تتأقلم مع حياتها و يمضي هو في طريقه ، و كأن القدر يكتب عليه للمرة الثانية أن تتركه من يعشقها، و لكن هذه المرة هو يعشقها حقا لم يستطع أن يفكر في أحدًا غيرها هل سيظل يحبها من طرفه فقط أم ستبادله الحب يومًا ما ؟
❈-❈-❈
في مساء أحد الأيام
قررت ” نبيلة” أن تجلس بين مجموعة من الرجال و على رأسهم والدها، نظر لها رجل على ما يبدو أنه رئيس المجلس، اعاد رأسها للخلف قليلًا ثم أمرها بإخراج لسا نها علي الرغم من صعوبة الموقف إلا إنها اكتشفت أنها أقوَ مما تتخيل، كان ” شهاب” يتابع اخبارها و يعلم أنها وافقت على هذه الجلسة اللعينة لم يستطع إيقافها طلب من ” بدران” أن يخبره بموعد هذه الجلسة فـ وافق و لكنه لم يهاتفه في هذا اليوم تحديدًا كي لا يعرف و يأتي و يحدث ما لا يحمد عقباه .
وضع الرجل الملعقة الساخنة على لسا نها اكثر من ثلاثة مرات و في كل مرة لم تتأثر بأي شئ على الرغم من أنها على يقين بأنها على حق. إلا أن الموقف الذي تتعرض له فريد من نوعه بالنسبة لها، لم يتحمل ” بدران” رؤية ماحدث ليس لأنه ذو قلب ضعيف لكنه ذو قلب رحيم .
بعد مرور يومين من هذه الواقعة بدأت المناواشات في عودتها، و بين هذا و ذاك عادت بأمرًا من أبيها بحجة ما تحمله في احشائها و كانت هذه هي بداية العودة و بداية الصفحة للطرفين، و اللعنة الحقيقة لـ شهاب حين دخل والده و نقل له آخر الأخبار لجمت الصدمة لسانه كأنه في عالمٍ آخر غير الذي فيه هي، خرج من غرفته و تركه يستوعب الصدمة بهدوءٍ عله يُجبر عقله و قلبه أن النهاية أصبحت محتومة
لم يشعر بنفسه و هو يرفع هاتفه على أذنه في انتظار ردها، و قبل أن يتحدث و يعبر عن غضبه الشديد، وصل إلى مسامعه صوت بكائها و نحيبها هدأ قليلًا ما أن علم أن تم الضغط عليها لتعود له بسبب الطفل الذي ينمو في أحشائها، رد مقاطعًا بصراخ قائلا:
– ازاي عاوزة ترجعي لـ اللي ضربك و بهدلك ؟ يعني إيه عشان اللي في بطنك، خلاص نزلي ، ايوة نزلي، أنا بردو اللي مجنون، كلكم زي بعض كلكم نفس العينة هي خانتني زمان و أنتِ بتخو نيني دلوقت !!
كانت هذه الكلمات تدوي الغرفة، ختمها بصرخات لاول مرة يشعر بأنها تجاوزت الحد، قام بضرب هاتفه عرض الحائط و كل ما طالته يـ ـده تتدمر بالكامل، ظل في حالة من الإنهيار حاول والده أن يلج الغرفة لكنها مغلقة، هوى على الأرض بعد أن نال من التعب و الاحباط سقطت دموعه و لأول مرةً منذ فترةً طويلة الوضع الآن تحول تمامًا كاد أن ينتصر في معركته بين القلب و العقل و لكن القدر هزمه كسابق عهده .
❈-❈-❈
في منزل ” نبيلة و عبد الكريم” عادت لبيتها من جديد، بعد مكالمتها مع ” شهاب” و الذي وصفته بالمجذوب و الذي تجاوز الحد، كان زوجها جالسًا جوارها صامتًا لا يحدثها أو ينظر لها، دقائق مرت عليهما قبل أن يقول بصوته المتلعثم معاتبًا إياها قائلا :
– الموضوع كبر بنا و أنا السبب و أنا عارف دا، المفروض عليا كنت اتكلمت معاكِ هنا في الشقة واحنا قافلين بابنا علينا بس اللي حصل حصل، أنتِ السبب في اللي أنا عملته
– أنا السبب يا عبد الكريم ؟
– ايوة
– ليه بقى ؟
– عشان قلت لك لو محتاجة حاجة قولي لي مش تروحي للغريب و تمدي ايدك
ردت ” نبيلة ” بنبرة مغتاظة و قالت مصححة جملته
– قصدك اشتغلت عشان اجهز نفسي، مش عشان امد ايـ ـدي و بعدين أنا مرضتش ازود عليك أكتر من كدا، أنت كمان كنت محتاج لكل قرش
رد بإنفعال و قال
– ملكيش دعوة أنا مااشتكتش ليكي أنا راجلك و أنتِ مسؤولة مني
حاولت أن تهدأ من غضبه و هي تقترب منه محاولة بداية جديدة، تعلم خطأها و تعترف به هذا ما قالته والدتها، كم تمنت أن لا تحمل بأحشائها قطعة أخرى منه، تمنت أن يتتطور إلى الانفصال و تتخلص منه، لكن متى كان القرارات المصيرية كانت من تخصصها ؟!
وضعت يـ ـدها على كتفه و قالت بنبرة هادئة
– طب يا عبده أنا هانسى اللي فات و أنت كمان انسى و تعال نعدي اللي حصل عشان خاطر اللي جاي في الطريق دا و
قاطعها و هو يدفعها على الأريكة، مال بجذعه و بدأ يٌقبلها بعنفٍ حتى اختلطت الد ماء بقبلاته تأواهت بصوتٍ مكتوم و هو تحاول بشتى الطرق دفعه بعيدًا عنها، لكنه لم يكترث لِمَ تفعله قام بتقيد يـ ـدها و بدأ في مضاجعتها عنوة كان ذاك الرجل الذي يمارس معها أسوء انواع الممارسة الحميمية ليس هو نفسه الذي تغنى بـ عشقها ليلًا نهارًا .
سقطت دموعها و كلمات ” شهاب ” تترد على مسامعها و هو يحذرها بأنه لن يمرر لها هذا الأمر مرور الكرام، انتهى من فعلته الشنيعة و غادر الردهة متجه حيث المرحاض، أما هي تحاملت على نفسها و هي تلملم بقايا نفسها
و ولجت غرفة الأطفال و قامت غلقها بإحكام
ظلت تبكِ حتى خارت قواها في البكاء، مدت يدها و هاتفت شقيقتها لتنجدها من المأزق الذي اوقعت نفسها فيه مرةً أخرى .
❈-❈-❈
و ما هي إلا نصف ساعة على الأكثر و أتت مهرولة إليها، ولجت و هي تسبه مرة و تلعنه الف مرة، لم يكترث لها و تركها تساعد شقيقتها لدخولها المرحاض لـ تغتسل، نظرت لخيط الدم الذي نزل على فخذها، اسرعت في اخراجها من المرحاض، و قامت بمنادة والدته. و ابن اخيه قائلة
– يا فارس واد يا فارس هات لنا تاكسي بسرررعة
بعد مرور نصف ساعة من تعليق المحاليل الطبية، و تعليمات الطبيب بأن تلتزم الفراش حتى نهاية الشهر الثالث حفاظًا على حياة الجنين، أتى زوجها بعد أن علم ما حدث، رفضت رؤيته و أمرته بالإبتعاد عنها حتى لا تقتل حالها .
استمرت على هذا الحال ما يقارب الأسبوعان اصيبت بـ إنهيار عصبي حاد، عادت لـ بيتها من جديد و لماسأةً جديدة و لكن هذه المرة أقوى من ذي قبل لن تتركه ينفرد بها و لو فعلها سوف تقتله و لو حكم الأمر .
لم تصل إليها أي أخبار عنه بالأحرى لا تريد و كم تتمنى أن لا يعرف عنها أي أخبار، حتى لا تنكسر أمامه لكنه يعلم كل شئ منذ دخولها المشفى، و حتى هذه اللحظة التي تقف فيها في المطبخ تصنع لنفسها قدحًا من القهوة الفرنسية، جلست على أرضية المطبخ، بعد أن انتهت من صُنعها، كفكفت دموعها و هي
تتحـ ـسس باطنها و تحدثها بعتابًا قائلة
– جاي الدنيا تعمل إيه فاكرها حلوة أوي يعني لا أب حلو و أهل حلوين و حا جة في الدنيا جاي أنت ليها ليه بقى ؟
قطعت عتابها و حديثها مع جنينها ما إن ولج من باب الشقة و في أقل من ثوانٍ كان يقف على أعتاب باب المطبخ، و بين يـ ـده بعض الأطعمة الجاهزة الذي ابتاعها لها خصيصًا حتى لا ترهق نفسها في اعداد الواجبات، و لج و بدأ يضع الطعام في الصحون و هو يقول بجدية
– أنا عارف إنك جعانة و اكيد مش قادرة تعملي حاجة عشان كدا جبت أكل جاهز عشان نتغدا سوا و
قاطعته قائلة بتقزاز دون أن تنظر إليه
– اطفح أنت أنا مش عاوزة منك حاجة أنا الموت عندي اهون عليا من إني اكل من ايـ ـد حيوان زيك
سكت أمام إهانتها له فـ هي محقة في كل كلمة تحدثتها، كما أنه يعمل بنصيحة والدته حين قالت له أن يتريث قليلًا قبل أن يخطو خطوةً واحدة، الوضع اصبح أسوء من ذي قبل، كلما قام بإصلاحها من طرف افسده من الطرف الآخر لذلك يجب عليه أن يتريث قليلًا و يستمع لنصيحة والدته، نسى و حاوط ذراعها بكفيه فـ سرعان ما نزاعتهما عنها بتقزاز و هي تصرخ قائلة:
– ابعد ايـ ـدك عني يا حيوان و إياك تفكر تقرب مني و إلا و الله ها قتـ ـلك و لا يغمض لي جفن، أنا خلاص مش باقية على حاجة
– يا نبيلة أنا آسف غصب عني
– آسف و غصب عني دي تقولها لما تكسر لي كوبية و لا طبق من المطبخ مش لما
تغتـ ـصبني و تضربني و تخليني اعيش حاجات أول مرة في حياتي اعيشها، آسف دي تقولها لما تهزر معايا هزار سخيف ذيك مش لما تتدمر صحتي و تخليني انزف بسبب القر ف اللي عملته و تعرضني و تعرض ابني للخطر يا ريته نزل و لا فضل جوايا و يربطني بيك العمر كله
– أنا بحبك
– و أنا مابحبكش و الله حاولت حتى اعجب بيك و معرفتش كنت بحترمك و بقول عنك جدع و شهم بس الظاهر إني كنت غلطانة تحب تسمع الأكبر من كدا ايوة عمري ما حبيتك و بعد اللي حصل لي دا مستحيل احبك و الله ما ها عرف احبك يا عبد الكريم، أنت حيوان و مغتـ ـصب و تستاهل الموت بس أنا مش هلوث إيـ ـدي بيك لو راجل لو عندك ذرة رجولة مع إني اشك إنها عندك اساسًا تبعد عن وشي و تشتري عمرك و تطلقني طلقني عشان أنا و أنت وصلنا لـ حارة سد .
أزاح كوب الماء من على سطح المائدة الرخامي لـ يصل إلى مسامعها صوت ارتطادم زجاجها بالحائط، كل هذا كان تحت مرئى و مسمع ” فارس” معظم الكلام الذي قالته لا يعرف مدى خطورته أو المعانأة التي عاشتها مع عمه رغم صغر سنه و الذي تجاوز العشر سنوات، إلا إنه يعلم أن عمه حاد الطباع، قاسٍ في بعض الأحيان مثله كـ مثل أبيه و عمه الثاني، على ما يبدو أن هذه العائلة لا تملك إلا القسوة و القوة في التعامل مع الآخرين .
❈-❈-❈
صعد إلى شقته وجد والده يتحدث مع والدته عن أخيه و زوجته، كان يقارنها بجسد “نبيلة”
تصرفاتها كل شئ حتى وصل به الحد أنه يتخيلها هي أثناء ممارسة علاقتهما الحميمية تولدت الغيرة و الغيظ تجاهها، و كأن تلك المسكينة كان ينقصها مقارنة شقيق زوجها، ظل ” فارس ” يتابع بأعين داهشة لا يعي ما يدور حوله و لكنه شعر بالنفور من وصف والده و ملامحه تصرخ في امتلاك زوجة عمه مما جعل والدته تصرخ من فرط غيظها، و أخيرًا انتهبوا لـ وجود ابنهما سألته والدته عن ما يدور في شقة عمه فـ كانت إجابته واحدة لا تتغير اغتاظت منه فـ لكزته في كتفه و قالت
– هو إيه اللي ماعرفش انطق يا واد صوتها عالي ليه ؟
– بتضربيني ليه ما قلت لك ما عرفش أنا كنت عند ستي حتى اسألي ستي
– طب قوم غور من هنا و نام في اوضتك
– طب أنا جعان
رد والده وقال بـ انزعاج قائلا
-ما تغور يا واد كُل عند ستك يا روح ستك
نفذ ” فارس ” حديث والده و هبط إلى جدته
سرد لها ماحدث وطلب منها أن تطعمه لأنه يتضور جوعًا، ربتت على رأسه بحنو و حب ثم احضرت له الطعام و ضعته امامه و بدأ يتناوله في نهمًا شديد، كانت تطالعه في عطفٍ و شفقة تنهدت بعمق ثم قالت بتذكر
– هو ابوك يا فارس كان بيقول على مين الكلام اللي سمعته دا ؟
– ها ؟
– قول يا حبيبي متخافش قول
– كان بيقول على مرات عمي
– مرات عمك مين فيهم يا واد انطق
قول متخافش مش ها قل له بس قل لي أنا ستك حبيبتك
– كان بيتكلم على مرات عمي عبده
لطمت الجدة بيدها على صدرها، من هول الصدمة حاولت أن تستدرج حفيدها في الكلام
و تعرف ماذا قال والديه على و جه التحديد، لكنه لم يفصح عن الكثير، هو يحب والديه و يضيق صدره إن تكلمت جدته بطريقة غير لائقة ليهما رغم صغر سنه إلا إنه يعي جيدًا أن والدته لا تحب سوى أخواته و يشعر دائمًا بالتفرق بينهما، و عندما سأل جدته ذات مرة عن السبب قالت إنه يتوهم ليس إلا، حتى جاءت الطامة الكبرى في نظره و علم أنها زوجة أبيه و لست والدته التي انجبته، كان مدلل لديها لمدة ثلاث سنوات و عندما علمت بـ حملها الأول نبذته و اهملت في رعايته، لم تكن هذه الأ تفاقية التي سرت بينها و بين زوجها كان يكرر دائمًا عليها أنه ولد يتيمًا و لم يرَ ولدته منذ نعومة أظافره، و أن جدته هي من تولت رعايته عامه الأول، و هو الآن يريد أن يتزوج و ينجب له أخوة غيره، كانت كـ الملائكة معه و عندما انجبت اخوته تغيرت تمامًا ظل يتسأل عن السبب و لا يجد له إجابة
فـ ضاق صدره و تقبل الأمر الواقع و لم يعد يتسأل و قبل بمعاملة والده التي تتغير مثل البحر على حسب وصفه، رفع بصره وجد جدته تنظر له نظراتٍ حائرة لا تعرف بما تجيبه
حتى وجدت ضالتها
– بص يا واد يافارس إيه رأيك تقعد معايا و متطلعش فوق تاني
– لأ يا ستي أنا عاوز اقعد مع ابويا و امي
– ما هو كل شوية يضربك لما عدمك العافية.
– أنا بحبه ياستي هو ساعات يبقى كويس
– و دا من إمتى كان كويس معاك دا بسمع صوتك ليل نهار يدق فيك و أنت لا حول ليك و لا قوة
قاطعها قائلًا بـ إبتسامة واسعة و هو يمرر لسانه على شفتيه بإشتهاءٍ
– بقل لك إيه يا ستي ما فيش كوبية لبن زي اللي شربتها عندك امبارح ؟
– حبيبي يا ابني نفسك في اللبن يا فارس ؟
– اه يا ستي امبارح فضلت اقول لـ أمي عاوز لبن قالت اخر كوبية اخوك خدها بعدها قامت حطت لي مياه مكان اللبن و قالت اشرب، بس كان طعمه و حش اوي
ضربته بخفة معاتبة إياه قائلة بنبرة مغتاظة
– و لسة بتقول بتحبها، و الله خسارة فيها الحب دا و أنت ازاي متنزلش تشرب عندي
– ما هو أنتِ يا ستي بتبقي نايمة بدري و كمان ابويا يقل لي لو نزلت متطلعش فـ بفضل فوق بقى و خلاص
– خلاص. بص كل يوم قبل ما تطلع تنام تعال كُل و اشرب كوبية اللبن و بعدها اطلع
ختمت حديثها بنبرة حزينة قائلة
– الله يرحمها أمك كانت أميرة و مكنش ليها تاخد ابوك دا و أنت يا واد يا فارس طالع لأمك غلبان و ملكش في حاجة أبدًا و
قاطع حديثهما دخول ” عبد الكريم” و هو يبحث عن بعض الأدوات المستخدمة في عمله
أشارت له والدته عن مكانها ولج الغرفة الصغيرة و خرج منها حاملًا الصندوق، طلب من ابن أخيه مساعدته و حمل ما يستطع حمله و يتبعه حيث شقته، نفذ فارس ما أمره به عمه و ماهي إلا دقائق و كان يقف فوق رأس عمه، ظل ينظر بأعين ذاهلة ما يصنعه
أما زوجة عمه كانت تشاهد التلفاز دون أن تلتفت إلى الجالس أرضًا و يصنع عمله، كرهت هذا المجال و كرهت الصدفة التي جمعتها بهِ
ظلت تفكر في حديث ” شهاب” لماذا يتهمها بالخيانة، و من تلك الفتاة التي تر كته كما فعلت هي، و عن أي عشق يقصد !!
تساؤلاتٍ عدة تتدور في رأسها و لم تجد لها إجابة واضحة، انتبهت لـ سؤال ” فارس”
حين سألها بفضول و هو يجلس جوارهاز
– هو أنتِ يا مرات عمي بتشتغلي الحاجات بردو ؟
ردت ” نبيلة ” بشبح إبتسامة و قالت
– كنت، كنت بشتغل في الحاجات دي بس خلاص مبقاش ليا نفس اشتغلها
– خسارة ليه بس دا شغلها حلو اوي أنا نفسي اتعلمه
ردت بمرارة في حلقه و دموعها تتسابق لتنزل و هي تقول بتحذير لم يفهم معناه حينها
– اوعى يا فارس اوعى تعشق شغل الاكسسوارت دا
سألها ” فارس” بعدم فهم قائلا
– ليه يا مرات عمي
أجابته بمرارة قائلة
– شغلها لعنة على صاحبها هتخليك مش شايف حاجة غيرها و لا ها تحب حاجة غيرها و أنت لو وقعت في حبها محدش ها يعرف يخرجك منها
رد ” عبد الكريم ” ليعلن عن وجوده أخيرًا و قال بصوته المتلعثم
– مش اوي كدا شغلها حلو و سهل يا فارس لو أنت عاوز تتعلمها بسرعة
تركت ” نبيلة ” المكان و دخلت حجرتها الجديدة و انعزلت ككل يوم، أما فارس بدأ يلاحظ ما يغعله عمه و يحاول تقليده، فشل في المرة الأولى و ضاق صدره في الثانية و كاد يصرخ في الثالثة، تركها و لم يقترب منها و لكن ظل عقله متعلقًا بها، تمنى أن يأتي عليه يومًا و يُطلق عليه لقب (عاشق النحاس)
و يصنع مصوغات و مشغولات يرتديها الجميع، ظل يفكر في الأمر و تحديدًا بعد أن علم أنه له مكسب لا بأس بهِ .
مرت الأيام رتيبة لا جديد فيها تمر كـ غيرها من الأيام ظلت ” نبيلة ” منعزلة في شقتها حتى تجاوزت حالتها النفسية تلك، بالكاد تجاوزت لم تستطع وصف حالها و هي تستمع لبكائه أسفل قدماها، حتى لو بكى دمًا بدلًا من الدموع لن تغفر له فعلته، اصبحت تشعر بالإشمئزاز منه، أما هو يفعل ما تريد فقط ماتريده هي، يقضي معظم الوقت في الخارج و عندما يأتي تضع له الطعام و لم تأكل معه
حاول أن يعتذر بدل المرة مئة مرة و لكن لا حياة لمن تنادي، طلب من والدته التدهل فـ لم ترد أيضًا على طلبها و رفضت العودة كما كانت
غادرت والدته و خيبات الأمل تجرها خلفها، أما هي قررت إن من عزلتها هذه و تجلس مع والدته قليلًا من الوقت، لم تكن تعلم إن تلك الحرباء تدبر لها مكيدة للتخلص منها، استمعت للخطة التي قالتها لزوجة شقيق ” عبد الكريم”
الأخرى حذرتها مرارًا و لكنها لم تستمع و طلبت منها أن تبعدها عن هذا الجنون، عادت مرة أخرى إلى ردهة الشقة بعد إن كانت تريد أن تروي ظمأها، و ماهي إلا دقائق و غادرت المكان فجأة دون تفسير .
مكثت في شقتها أكثر من ثلاثة أيام دون أن تخرج منها، تفكر و تدبر لها مكيدة هي الأخرى فـ وجدت أن ما كانت تريد فعله بها هو أفضل عقابًا لتتجرع من نفس الكأس .
قامت بسكب الزيت فوق درجات سلمها و دخلت جالسة على مقعد صغير خلف باب الشقة في إنتظار سماع صوت صراخها، لم تكن تعلم أن ذاك الشيطان الصغير رأها و لم يتكلم
وثبت عن المقعد و تفتح باب شقتها و قالت بحزنٍ مصطنع
– إيه دا اللي وقعتي ازاي يا ترى ؟! لأ الف سلامة كان نفسي اساعدك بس للأسف حامل و الدكتور مانعني اشيل حاجات تقيلة
تعلم جيدًا أنها السبب و لم تتحدث لأنها تعرف أنها لن تمرر ما حدث مرور الكرام، انكسر ساقها و انتهى الأمر، ولجت ” نبيلة” شقتها تاركة تلك الأخيرة تتألم من كسر ساقها.
ظلت هكذا حتى مر اليوم كله دون أن يزورها أحد، و قبل عودة زوجها أتاها ” فارس” و لم تستقبله، تحدثت معه على اعتاب شقتها قائلة
– عاوز إيه يا فارس
عاوزك تعلميني ازاي اعمل خاتم و عقد و الشغل دا
– ليه بقى ؟ مش عمك بيعلمك !
– لا دا بيخليني. انضف من حواليه. و بيعلمني بس بيتعصب عليا لما الغبط حاجة
– أنت كداب عمك. بيحبك و بيحب يعلمك كل حاجة قول الحقيقة يا واد أنت عاوز تتعلم مني انا بالذات ليه ؟!
– أصل بصراحة أنتِ بتعملي حاجات البنات حلوة اوي. و عرفت إنه بيكسب حلو قلت اتعلمه و اصرف على نفسي بدل ما ابويا بيأكلني مرة واحدة في اليوم
– و إيه اللي يخليني اعملك يعني عملت لي إيه يخليني ااقول انك جدع و اديك سر من أسراري
دخلتك الشقة بعد ما ماكنتي عاملة زي المتذنبة من ابلة المدرسة و عمي قالك استني لحد ما اجاي من كام يوم
– بردو مش حاجة تخليني أمان لك
– يبقى عشان أنا واد جدع و ما قلتش لأمي إنك حطيت الزيت ع السلم و رجلها اتكس
جذبته عنوة من ياقة منامته و يدها تكمم فمه نظرت حولها وقالت بإبتسامة مزيفة
– ادخل يا فارس ادخل يا حبيبي ولاه أنت. شوفتني ازاي ؟
– أنتِ يامرات عمي صراحة ربنا يعني بتعملي زي العيال و كل جريمة بتعمليها بداري عليكِ فيها
يا تعملي الجريمة يا تقولي لي و أنا اعملها بدلك
يتبع
الفصل التاسع
========
اصلك بصراحة يعني خايبة مش زي امي أبدًا
– و مين اللي قالك الكلمة دي ؟!
أمي دايما تقول عليكِ خايبة و مش نافعة في حاجة ابدًا
و لما أنا خايبة جاي لي ليه عشان تبقى خايب زيي روح لامك يا قلبك تعلمك و تزهقها في عيشتها و متوجعش دماغي
– يارب يخليكي يا مرات عمي و علميني و حياة ابنك و لما ها يجي ها نلعب سوا
ردت مشاكسة و هي تنظر لباطنها المنتفخة قليلًا إثر الحمل و قالت :
– بس أنا ها جيب بنت مش ولد
– خلاص ها لعب معها و مش هاخليها تشتري حاجة أنا اللي ها جيب لها كل حاجة
– شكرًا يا حبيبي متسغنين عن خدماتك أنا و بنتي
سألها بإحباط و الحزن يعتري ملامح وجهه و قال
– يعني مش ها تعلميني ؟
ردت عليه بتعاطف و قالت:
– ها علمك بس بشرط
ردت بسعادة قائلا:
– ايه هو ؟
– تتعلم بس بلاش يبقى شغلك الشاغل
– يعني إيه ؟
– يعني بلاش يبقى هو رقم في حياتك و اتعلم في إجازة المدرسة عشان محدش يقولي الواد فاشل بسببك
– ماشي ماشي علميني بقى
أشارت بيدها و قالت بجدية مصطنعة
– تعال ورايا
جلست على الأرض و جلس مقابلتها ثم قالت:
– اول حاجة لازم تتعلمها هي إن عشان تبقى مميز في المجال البي بتشتغل في لازم تعمل قطعة واحدة و متعملش غيرها مهما جالك عليها زباين
– ليه
– لأن هيبقى سهل تقليدها و شغلك هايضيع و محدش هايعرف الأصلى من التقليد
– طب ما هو أنا كدا محدش ها يعرفني لو عملت قطعة واحدة ؟
– بالعكس ها تتشهر أكتر و الناس ها تدور عليك في كل مكان و تطلب منك الشغل فأنت تقنعهم إن هاتعمل أحسن من االي هما عاوزينه
– و اعمل كدا فعلا ؟
– طبعًا لازم تعمل كدا لأن دا شغلك و سُمعة شغلك اهم منك أنت شخصيًا الشغل دا ممكن يوصلك لأماكن كتير اوي و ممكن يخليك مكانك لو حبيت شغلك الشغل ها يحبك و يشهرك أكتر حط في دماغك يا فارس ادي للحاجة حقها تديك حقك
ظلت تُعطي له بعض القواعد الهامة و التي تعلمتها خلال سنوات العمل، ثم بدأت في التطبيق عليها، بدأ يستجيب بسرعةً فائقة
وجدت نفسها في هذا التعليم، كان يقضي معظم ساعات وقته معها قطع شوطٍ كبير في التعلم من وجهة نظره أما هي فـ هو مازال في بداية التعلم، طلبت منه اول اختبار و هو أن يصنع خاتم من حجر كريم معين، و حتى تسهل عليه الأمر جعلته يصنعه صغير ليناسب يده ابنتها التي لم تأتي تلدها بعد، اختبار سهل وبسيط و لن يأخذ منه جهدٍ أو وقت
لم تحدد له المدة و تركته يختبر بنفسه كم هو متعب و لم يكن بهذه السهولة التي تصورها عقله الصغير .
في صباح أحد الأيام كان ” فارس ” يقف أمام باب شقة زوجة عمه في انتظار أن تفتح له بابها اعطى لها الخاتم نال اعجابها كثيرًا و وافقت أن تعلمه ما يريده، اما الآن هو يريد أن تستذكر له دورسه قبل الذهاب إلى اختبار نهاية العام، وقف و على وجهه الأسمر ابتسامة خفيفة و قال
ازيك يا مرات عمي عاملة
أنت جاي الساعه سبعة الصبح عشان تسألني عاملة إيه ؟! الحمد لله كويسة
لا أنا اقصد عاملة فطار إيه ؟
ولاه امشي من وشي أنا هموت و انام و بعدين صاحي بدري ليه كدا
عندي امتحانات ادعي اخلص بقى انا زهقت
زهقت من إيه يا فارس دا أنت طول السنة قافل الكتب و لا بتذاكر ولا بتعمل حاجة مفيدة في حياتك
ما هو أنا زهقت عشان كدا طول السنة مستني اجازة السنة و في الاخر يقولوا لي عندك امتحان بس مش دي المشكلة يا مرات عمي
اومال إيه المشكلة
المشكلة إن أنا اول مرة اعرف إن عندنا مادة اسمها الدراسات و أنا عارف دا امبارح بليل أصلا
أصلا !!
اه والله يامرات عمي
طب وأنت جاي لي ليه ؟
عاوزك تذاكر لي المادة دي
اذاكر إيه يا بني أنت فاضل لك ساعة وتروح الامتحان
يعني مافيش أمل انجح ؟
دا أنت ماعندكش أمل يوديك المدرسة بالامبالاة اللي عندك دي أنت تروح تنام تاني احسن لك
و الله يا مرات عمي كنت حاسس اني مش هانفع و الحمد لله أنتِ اكدتي لي اللي الاحساس دا يلا قدمنا فرصة نذاكر في الصيف عشان المُلحق سلام عليكم
هتفت بصوتٍ مرتفع قبل أن يُكمل سلاالم الدرج و قالت
– ولاه تعال هنا رايح فين ؟
– مش قلتِ مافيش أمل ها طلع اكمل نومي
– انزل يا فارس روح الامتحان انزل ربنا يهديك
-هاروح أعمل إيه هو أنا عارف حاجة !!
– روح اكتب اسمك و تعال
نفذ ” فارس” أمر ز و جة عمه و ذهب إلى مدرسته عله يستطيع اجتياز هذا الاختبار، جلس على المقعد و نظر حوله لا يعرف من حوله جميع زملائه في الفصل المجاور، شعر أنه لن يمر هذا العام أيضًا، أتى إليه زميله و قال بجدية
– معانا ياصاحبي احنا مذاكرين واللي يقف قدامك قلنا عليه
هذه المقدمة يحفظها عن ظهر قلب و هذا يُعني أنه سوف يكون أحد الكباري الهامة ليرسل لأحدهم ورقة الإجابة، هذه الحركة حدثت معه في العام الماضي
و هي السبب في سقوطه حينها لأنه لم يستطع كتابة سؤال واحد قرر هذه المرة أن يساير أموره و يأخذ مصلحته أولًا ثم يفعل لهم ما يحلو له و هذا ما حدث بالفعل و اجتاز نصف الاختبار بأعجوبة، عاد من المدرسة و جد زوجة عمه جالسة تطوي الملابس الجديدة لابنتها التي ابتاعها ز و جها لها قبل مجيئها، جلس و قال بسعادة
– الامتحان كان سهل اوي يا مرات عمي
-و أنت عرفت منين إنه سهل مش المفروض انك مش عارفه أصلا ؟!
– لا ما هو انا غشيت عشان كدا طلع سهل
– بس الغش حرام يا فارس
– بجد ؟!
– اها يا حبيبي بجد أنت ما تعرفش إنه حرام
– لأ
-طب اديك عرفت هتعمل إيه بعد كدا ؟
– ها ذاكر و ابقى شاطر
– جدع يا فارس
– قل لي بقى عملت إيه في الامتحان تعال نراجع سوا
قاطعها قائلًا بفضول و هو يُمسك ملا بس الصغيرة و قال
– هو إيه كل الهدوم دي يا مرات عمي ؟
ردت ساخرة و هي تضعها في خزانة ملابس ابنتها
– دي هدوم البيبي يا فارس
– هي ها تلبس كل دا لوحدها ؟
– ايه كتير
– اه كتيراوي
– هو يا حبيبي البيبي لازم يبقى لبسه كتير كدا مش أنت عندك لبس كتير ؟ هي كمان بنوتة و لازم تلبس كتير
– بس أنا ماعنديش لبس كتير أنا ما عنديش لبس أصلًا
جلست جواره و قالت بشفقةً و عطف
– ليه يا فارس بتقول كدا أنا دايما اشوفك بتلبس حلو
– دي ستي هي اللي بتجيب لي اللبس فأمي تاخده مني وتقل صغير عليك و تدي لاخواتي
– طب و هي ليه بتعمل كدا ؟
– مش عارف بس هي على طول كدا كل ما ستي تشتري لي لبس و لا حاجة جديدة تقل لي خسارة فيك
ابتسمت إبتسامة ودودة و قالت
– تلاقيها بتهزر معاك هو في أم ما بتحبش ولادها
– ما هي مش ماما
– مش ماما ازاي يعني ؟
– ماما عند ربنا
ردت ” نبيلة ” بحزنٍ دفين و قالت
– حبيبي يا ابني أنت يتيم ؟ معلش يا حبيبي ربنا عوضك بستك تبقى حنينة عليك
رد باسمًا و قال
– و أنتِ كمان يا مرات عمي حنينة اوي و انا بحبك
– بص يا فارس اعتبرني زي أمك و لما تعوز أي حاجة قل لي ما تتكسفش ماشي ؟
رد باسمًا و بداخله قليلًا من التوتر وقال
– طب أنا نفسي اشرب كوبية لبن ؟
– من عيوني و أي حاجة نفسك فيها قل لي عليها ومتخافش مش هاحاسبك عليها
– طب ينفع انام هنا؟
– يا سلام أنت تنورنا يا فارس باشا
❈-❈-❈
بعد مرور أكثر من عشرة أيام
كانت جالسة في شقة والدة ” عبد الكريم” تستمع لها و لحديثها المعتاد حتى انفجرت فيها قائلة بنبرة مغتاظة
– أنتِ ازاي كدا ازاي عاوزني اسامحه كدا و كأن مافيش حاجة حصلت، بقول لك ابنك اغتـ ـصبني فاهمة يعني اغتـ ـصبني ؟
– اغتـ ـصاب إيه يا بنتي بس دا جو ز ك و دا حقه
– حقه !! كسر حقه، الحاجة دي بالذات عمرها ما بتيجي بالغصب يا إما بالرضا يا بلاش منها أصلًا هي دي المودة و الرحمة اللي ربنا قال عليها ؟ لو بنتك و حصل اللي حصل دا كنتِ ها تعدي الموضوع كدا عادي !! و حتى لو عديتي على بنتك أنتِ حرة إنما لأ و الف لأ و الله لو ابنك عنده ذرة كرامة يطلقني أنا مش طايقة نفسه في البيت
– اخس عليكي يا نبيلة بقى تنسي اللي عبده عمله في لحظة غضب
– و الله العظيم إني كنت بحترم ابنك و بخاف على مشاعره من قبل الجـ ـواز و اقول لأ يابت عيب و حرام و هو جدع و غلبان و يتمنى لك الرضا ترضي بس كل اللي عمله في كفة و اغتـ ـصابه ليا في الكفة التانية و قفلي بقى على الموضوع و اقول لك على حاجة عاوز يتجوز يتفضل يغور يتــ ـجو ز أنا اصلا خلاص مش عاوزاه
❈-❈-❈
ولج شقيق ” عبد الكريم ” و هو يتنحنح و كأنه لم يستمع لحديثها من البداية، طلب منها أن تصنع له كوبًا من الشاي الساخن إن لم يزعجها الأمر، و افقت على مضضًا و ولجت و ليتها لم تلجه، وقف خلفها و حاول الإقتراب منها شعرت بها و بـ لمسا ته الوقحة فـ صفعته
تحسـ ـس مكان الصفعة و بدأ في التعالي بصوته علها تخاف منه و تتوسله أن يصمت و لا يفضح أمرها، لا يعلم أنها لم تعد تخاف من شئ و كأنها اقتلعت قلبها بيـ ـدها و القت به في سلة المهملات، كان ” فارس” شاهد عيان على هذه الواقعة و لكنه خاف من أبيه أن يضربه كما يفعل معه دائمًا .
توارى خلف الستار ما إن وجد والده يتحـ ـسس مكان صفعة “نبيلة” كاد أن يتبول لا اراديًا من فرط خوفًا منه، ظل يتراجع حتى خرج من المطبخ و سقط على وجهه فجأة ساعدته جدته في النهوض مجددًا و هي تسأله عن اصفرار وجه و قبل أن يرد و جد أبيه يخرج من المطبخ، ولج ” عبد الكريم” على إثر صوت ز و جته التي تجرأت و قامت بضرب شقيق ز و جها حاول أن يتخلص من بين براثنها، و هو يقف يدس سمه في أذن اخيه قائلا بعدم استيعاب
– و الله عال يا سي عبده بقى على آخر الزمن انضرب من واحدة ست و كل دا ليه عشان رفضت إني اقرب لها و امشي على هواها
– يا كداب يا ابن الكـ
– و كمان ليكي عين تشتمي معلش ما هو جـ ـوزك مش مالي عينك !
هدرت والدته بصوتها المرتفع و قالت بتوسل
– اهدأ يا عبده يا ابني و فكر قبل ما تتصرف دا شيطان و دخل ما بينكم
اجتمعت العائلة بأكملها في البيت و حاولوا تهدأ الوضع حتى كاد أن يروق عقل ز و ج نبيلة.و لكن أخيه كان له رأيًا آخر، ظل يتحدث و يضغط له على جر حه حتى فقد ” عبد الكريم ” عقله تمامًا و هو يستمع لـ صوت
ز و جته تبرأ نفسها قائلة
اقسم بالله يا عبد الكريم ما حصل أخوك اللي قالي عاوز كوبية شاي عشان مراتي مش هنا فـ قمت اعملها و فجأة لقيته ورايا و أنت شايف اللي حصل بعدها
خلاص هي بقت كدا يا عبده بتكدب اخوك و تصدق مراتك طب أنا يا اخي ها سكت مش هتكلم اسأل كدا أم حمزة هي دخلت وشافتها و هي لازقة فيا
لم يتحمل ” عبد الكريم” هذا الكم من الإتهامات الباطلة في حق ز و جته، قرر أن يثأر لها قبض على ياقة قمـ ـيص و قام بخنـ قه بدأ الهواء يقل تدريجيًا حتى كاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، هو بالفعل لفظ أنفاسه الأخيرة، تراجع ” عبد الكريم” خطوات للوراء جحظت عيناه من هول المنظر أصبح قا تل أخيه و السبب زو جته أم ستتحول القضية إلى قضية شر .ف ؟
تحول البيت الهادئة إلى ساحة لـ الحرب و السبب في ذلك عاشقة النحاس، سقطت والدته على ركبتيها و حاولت انعاش ابنها، و دموعها تتسابق لـ تنساب على وجنتها بغزارة
ظل يسعُل بشدة من إثر خنق أخيه له، جلس نصف جلسة و هو يلتفت حوله و كأنه يريد التأكد أنه مازال على قيد الحياة.
صعد ” عبد الكريم و نبيلة” إلى شقتهما كان يجرها خلفه كالبهائم، يعلم جيدًا من هي و إلى أي درجة من الوقاحة ممكن أن يصل إليها أخيه، ولجت الشقة و جلست على الأريكة تستمع لحديثه قائلا بغضبٍ
– بصي بقى خروج من الشقة دي ما فيش و من ها ننزل تاني تحت اللي حابب يجي لنا هنا اهلا و سهلا مش حابب يبقى مع السلامة، و كل اللي حصل دا أنا عارف إنه من تدبير أخويا و أنا خلاص يا نبيلة اتعلمت الدرس
ابتسمت بجانب فمها و قالت بسخرية
– اوعى تكون فاهم إني ها اجري عليك و احضنك و اقول ربنا يخليك و دموعي تنزل من الفرحة و اسامح و اعدي لأ يا عبده بتحلم أنا بعد كل اللي عملته دا مستحيل حتى ابص في وشك فاهم يعني ايه في وشك أنت أقل من إني اتكلم معاك و لا اعمل لك قيمة، و أنا لو واحدة مش محترمة هاخونك و لا يغمض لي جفن بس أنا ما بعملش كدا مش خوف منك لأ خوف من ربنا
صمت قليلًا و قال بنبرة حزينة قائلا
– و ربنا بيسامح ليه مش فاكرة لي غير الليلة المشؤمة دي ؟
قال جملته بعد مشقة جاهد في أن يخرجها عادية خالية من التلعثم، سقط أسفل قدماها
توسلها حتى سقطت دموعه أسفًا و ندمًا، لكنه لا تبالي لـ هذه الدموع، ظلت ثابتة على موقفها لن تتراجع عن قرارها، وقفت عن الأريكة و تجاوزته كما تجاوزت الكثير من آلامها و أحزانها، ولجت غرفتها و جلست على حافة الفراش، تحسست باطنها المنتفخة قليلًا
إثر الحمل، كانت تحدث ابنتها عن حياتها ظلت تحدثها إلى وصلت لـ اسم شهاب ذاك الرجل الذي وصفته بالمجذوب، لا تعرف لماذا فعل بها هذا يحاول الوصول إليها و عندما فقد الأمل تركها كما تركته .
مدت يدها و التقطت هاتفها المحمول مررت سبابتها على الشاشة، تقرأ رسائله القديمة، تحاول أن تجمع بين الماضي و الحاضر لتعرف ماذا يقصد وجدت حالها ترفع عنه الحظر لتتفاجئ بالعديد من الرسائل الصوتية و الكتابية و العديد من الإتصالات، و قبل أن تقرأ نصف رسائله وجدته يتصل بها كانت حائرة بين الرفض و القبول نظرت إلى باب غرفتها ثم عادت ببصرها إلى الهاتف، ضغطت على زر الإجابة و قالت بخفوت
– ممكن اعرف إيه كم الرسايل و المكالمات دي، ارجوك أنا ست متجوزة و مش عاوزة مشاكل مع جوزي، ماشي أنا مبحبوش بس بردو ما ينفعش اخونه ارجوك ابعد عني كفاية اللي حصل لحد دلوقت، مقابلة إيه أنت اتجننت مستحيل طبعًا، هو إيه هو الحب بالعافية !! لو سمحت سبني في حالي بقى
ضغطت على زر القفل و حذفت جميع رسائله و مكالماته حتى رقمه حذفته زيادة للأمان، لا تريد أي خلاف مع زوجها و لا تريد أن تترك بابًا للشيطان يدخل من خلاله، مددت جسدها
و طلبت من الله أن يخرجها من الضيق لأوسع الفرج لم تكن تعلم أن بداية الفرج أتت بالفعل
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاثة أيام
كانت تسير جوار أختها ” دعاء” في أحد المحلات التجارية، تبتاع ملابس جديدة لابنتها، و لن تنسى ابن اختها بالذي لم يأتي إلى الدنيا بعد، ظلت تحدثها عن ما حدث سردت كل ما يعتمل في قلبها، تريد أن تعرف ما تشعر به حقيقة أم تتوهم، توقفت فجأة و قالت
– من يوم ما عملت بلوك من كل حاجة و مسحت رقم و قلبي بيعلني و عقلي بيهاجمني، مش عارفة ليه عمل كدا
– مش يمكن بيتسلى بيكِ و فاهمك مش كويسة ؟
– لأ يا دعاء شهاب عرفته من فتر صغيرة بس عمري ما حسيت من ناحيته بحاجة مش كويسة ولا هو وصلي الأحساس دا، التعامل بنا كان صحيح في اضيق الحدود بس عرفني قد إيه هو راجل بمعنى الكلمة
ردت ” دعاء” ساخرة وهي تضع منامة طفلها في صندوق المشتريات
– ياختي أنتِ الرجالة تحت رجلك كل واحد احسن من اللي قبله و أنا اتجوزت واحد اقبل العمى ولا اقبله
– لو أنتِ مكاني هاتعملي إيه يا دعاء
– و هي دي عاوزة كلام طبعًا اختار اللي يخليني ست و مرتاحة
– أنا مش عاوزة اطلق من عبده عشان شهاب لأ و الله وربنا يعلم أنا نفسي وقفت من عبده وخلاص مش طايقاه أنا كنت ساكتة عذراه على كل حاجة عملها وبقول دا حقه غيران وحاسس إني قللت منه بس من يوم عمل اللي عمله بالعافية و أنا خلاص نفسي ربنا يبعده عني اتجوزت تاني ولا لأ مش فارقة معايا أنا خلاص هاعيش لبنتي وبس
خرجتا من المحل ودخلت ” دعاء” غيره لكن ” “نبيلة ” كانت واقفة على اعتابه ما أن وجدته يقف مع المهندسان، نظر نظرة عابرة و سرعان ما ما انتبه للواقفة أمامه، اعتذر منهم و حاول أن يلحق بها، ناداها كثيرًا لكنها كانت سريعة الخطى رغم تعبها، قبض على ذراعها برفق و قال بلهفة
– رايحة فين ؟
التفت له وقالت بتوسل وهي تنظر حولها
– ارجوك يا شهاب بيه سبني في حالي
– اسيبك ازاي أناما صدقت لقيتك و
كاد أن يلمس الكدمة التي ظهرت أسفل عيناها لكنها منعته قائلة برجاء
– شهاب من فضلك كفاية بقى
قاطعها قائلًا بلهفة وهو يشير بيده على جرح وجهها و قال
– طمنيني قولي لي عاملة إيه ارجوكِ ردي عليا أنا مش عاوز حاجة غير اطمن عليكِ أنا مش هأذيكِ ولا هاضرك بس عاوز اعرف هو عمل كدا صح هو فعلا اغتصبك ؟
– مين قالك ؟
– عرفت وخلاص، ليه سبتي نفسك لحد ما وصلتِ لهنا قلت لك سبيي ونزلي اللي في بطنك أو نكمل سوا من غير ماتنزلي أنا بالنسبة لي مش فارقة كتير عارف هاتقولي عليا مجنون بس هي دي الحقيقة أنا بحبك و متسألنيش إمتى وازاي عشان أنا نفسي لسه مش عارف ردي عليا ساكتة ليه ضربك تاني و لا عمل فيكِ ايه وشك ازرق ليه وازاي ساكتة على الحيوان دا لحد دلوقتي ردي عليا
رد أنت عليا وقل لي هتستفيد ايه وأنت بتفرق بين راجل ومراته أنت دخلت بنا ومن يومها مراتي مش طايقني
قالها ” عبد الكريم” ما أن رَ ذاك الأخير يقترب من زوجته ويحاول التكلم معها، قبض على ذراع زوجته بقوةٍ كاد أن يكسره، مما زاد انفعال ” شهاب” و حاول كتم غيظه
قال بلهجة آمرة
– سيب ايدها بدل ما اكسرها لك ياحيوان
ابتسم ” عبد الكريم” وقال ساخرًا
– ودي غيرة ولا حب ؟!
تابع حديثه وهو ينظر لها وقال بغيظٍ شديد
– بقى مش عاوزة تغفري لي عشان قرفانة مني مش عشان هو عشيقك
كادت أن تتحدث لكن قاطعها و هو يُكمل حديثه قائلًا بوقاحة
– واضح إنه بيصرف عليكِ كويس، قولي لي اللي بطنك دا ابن مين فينا
اتسعت عيناها ذاهلة وقالت بتساؤل
– أنت ازاي تقول كدا أنت عارف بتقول إيه ؟
رد بلسان متلعثم قائلًا بغضبٍ
– لأ عارف الرخص اللي أنتِ بقيتي في و
قبض ” شهاب” على ياقة قميصه و قال من بين أسنانه قائلا بوعيد
– كلمة زيادة و هامسح بيك بلاط المول أنت عارف أنت بتقول إيه ؟
حاولت ” نبيلة ” أن تتدخل قبل أن يزداد الأمر سوءٍ و يلتف حولها اناس لا تعرف مايحدث من الأساس، دفعها ” عبد الكريم ” لتسقط ارضًا بعد أن اصطدمت بالجدار، وضعت يدها على باطنها و هي تتأواه وتشعر بسائل دافئ ينزل من بين فخذيها .
❈-❈-❈
انتقلت ” نبيلة ” إلى المشفى بعد أن حملها زوجها لم يتركها ز و جها تخرج من هذا الحادث هكذا سيعرف كيف يرد لها الصاع صاعين .
رفضت رفضًا باتًا أن تعود له مرة أخرى، جميع محاولات والديها باءت بالفشل الذريع، مما زاد من انفعال ز و جها، و بدأ في سرد آحاديث كاذبة عنها في منطقتها و انتشرت بين الناس أنها سيئة السُمعة مما زاد من عنادها، أصبح الوضع أسوء من ذي قبل، حالة ابنتها في حالة خطرة بالكاد تجاوزت الشهر الرابع و حذرها الطبيب أن الحالة غير مستقرة إثر السقوط الذي تعرضت له .
تراكمات عدة يفعلها لها ز و جها تجعلها تُصر علي الإنفصال، و اليوم قررت أن تهدد والدها بالهروب من البيت و المنطقة بأكملها إن عادت له مرةً أخرى .
على الجانب الآخر كان ” بهجت ” والد “شهاب” في حالة غضب شديدة من تصرفات و ابنه الذي تمتع بالعته التام، هدر بصوته قائلًا
-أنت اتجننت أنت عارف عملت إيه ؟! أنت رايح تقل لها بحبك و عاوزك و نزلي اللي في بطنك و جوزها معاها مش عارف دماغك دي بتفكر ازاي ؟!
رد ” شهاب” بصوتٍ مختنق و هو يبتلع مرارة حلقه بغصة وقال بغضبٍ لا يقل عن غضب أبيه
– ايوة بحبها ايه مستغرب ليه ؟
– بتحبها طب و اللي موشومة علي صدرك دي إيه على دكة الاحتياط أنت عاوز ايه بالظبط فهمني عاوز ايه ؟
مزق ” شهاب ” قميصه الأسود دون أن يكترث لأزراره لـ يُشير تجاه يسار صدره و قال بإبتسامة واسعة ممزوجة بمرارة
– في اليوم اللي محيتها من على قلبي و حبيت اعترف لها إنها قدرت تشدني ليها من أول نظرة كانت بتتصل بيا تقل لي إنها ها تتجوز
صمت والده و هو يطالعه بأعين ذاهلة استطاعت دون أن تحدثه و دون أدنى مجهودٍ منها أن تُحي نبضات قلبه، وضع يده على كتف ابنه و قال بعتابٍ ونبرة تملؤها الحزن
– ياما قلت لك يا شهاب خلي بالك القرب الشديد دا مش حلو، يا شهاب ارجع عن اللي بتعمله و أنت و لا على بالك كنت بتضحك عليا و تقل لي أنا عارف بعمل إيه و أنا قفلت علي قلبي خلاص
– مكنتش متوقع إنها هاتخطفني كدا بسرعة و لا كنت عامل لـ قلبي حساب كنت فاهم إن الشغل حاجة و الحب حاجة كل حاجة فيها كانت بتبهرني حسيت أني لاول مرة من فترة طويل حابب الحياة
– طب يا ابني اللي أنت في دا صدقني مش حلو أنت كدا عامل للبنت مشاكل جامدة في حياتها حاول تقفل على قلبك و ترجع لشغلك و حياتك
– مش عارف و لا قادر
– قصدك مش عاوز
– بابا ارجوك ساعدني
رد والده بصوتٍ مرتفع و هو يجلس على المقعد المقابل للتلفاز و قال
– اساعدك اعمل إيه يعني اروح اطلقها من جوزها و اقل لها تعالي و حياة اغلى حاجة عندك تتـ ـجو ز ي ابني ؟! فوق يا شهاب أنت كدا بتخرب بيوت ناس ملهاش ذنب في جنانك دا
– دا مش جنان دا حب
– لأ جنان وستين جنان كمان لما تتدخل حياة واحدة و تخربها بالطريقة يبقى جنان و ستين جنان كمان .
وقف ” شهاب” عن المقعد المجاور لمقعد والده و قال بجدية و هو يتجه حيث حجرته و قال
– حاضر يا بابا أنا هابعد خالص عنها و عنك و عن الدنيا كلها
سار والدها خلفه محاولًا إيقافه قائلًا بجدية
– خُد تعال هنا كلمني رايح فين ؟
كان ” شهاب” يجوب الغرفة ذهابًا إيابًا من أمام الخزانة إلى الحقيبة الموضوع أعلى الفراش، وضع فيها ملابسه و بعض متعلقاته الشخصية ليغادر المدينة، فشل والده في اقناعه بالمكوث في البيت و إشغال نفسه في شيئًا آخر و أن الأيام كفيلة ان تمحي أي أثر لأوجاعه، ترك والده يناديه و غادر دون أن يلتفت خلفه .
❈-❈-❈
عادت ” نبيلة ” للمرة الثانية رغما عنها الأيام تتشابه مع غيرها كرهت كل شئ في هذا المكان حتى هو نفسه كرهته حد النخاع الوضع بالنسبة لها لا يُبشر بالخير أبدًا، رفضت رفضًا باتًا أن تُعطي له حقوقه الشرعية أما هو لقد اتخذ طريقًا آخر غير الذي كان يسير في
قرر أن يدس لها المنوم في العصائر أو الشاي الساخن الذي تتناوله ليضا جعها دون أدنى مقاومة منها رغم أن الطريقة لا يحبذها أبدًا لكنها الوحيدة التي يستطيع من خلالها اخذ كل ما يريد، أما هي وقفت أمام المرآة وعلامات الدهشة تعتريان وجهها، كانت تسأل حالها دائمًا ما الذي يحدث لها بعد تناولها كأس الشاي الساخن لماذا تشعر بالإنهاك الشديد كل صباح و ما سر تلك العلامات التي تملئ عنـ ـقها، ظلت تتأمل حالها في المرآة حاولة إيجاد رد مقنعًا لجميع تساؤلاتها
سكتت لبرهة محاولة جمع شتات أفكارها لتربط جميع الأحداث ببعضها البعض، كل الطرق تؤدي بأنه يأخذ حقوقه الشرعية أثناء نومها ! و اللعنة عليه !
لقد جُن حقا كيف يسمح لنفسه بأخذ ذاك الحق عنوة دون رغبة منها، ألهذه الدرجة ققد عقله !! ألهذه الدرجة سمح لنفسه بأشياء ليست له ! حتى و إن كانت له لم تكن هذه الطريقة التي عليه يجب عليه اتباعها قررت أن تواجهه لكنها تعلم جيدًا أنها لن يعترف بذلك فقررت أن تساير الأمور حتى تواجهه بالجُرم المشهود .
تناولت كأس الشاي الساخن لكنها بدلت الأكواب لم ينتبه ” عبد الكريم” لهذا، ادعت التعب و غفت في مكانها ككل يوم، خرج من غرفته بعد مرور أكثر من خمسة عشر دقيقة، حملها متجهًا بها حيث غرفة الأطفال وضعها برفق، مد يـ ـده لينزع عنها ملا بسها
كاد أن يتلمس جـ ـسدها لكنها قبضت على يـ ـده بقوة
وواجهته بأعين تملؤها الاشمئزاز و النفور حين قالت :
– دا أنت مش حيو ان و ما عندكش د م دا أنت كمان قذ ر و حقـ ـير .
لم يهتز و يحركه كلامها أو سُبابها قيد أنملة بل تشبث بموقفه و كأنه على حق، حاولت دفعه بكلتا يـ ـدها لكنه كالجبل ثابتًا في مكانه، تابع ما كان يفعله و قال:
– ما سبتليش حل تاني غيره
ظلت تُقاوم حتى باتت قواها في التراجع قليلًا الوضع غاية في الصعوبة بالنسبة لها، أما هو فـ كان يتألم بداخله لكنه قرر مواصلة ما يفعله لم يكن أمامه خيارًا آخر سواه مضاجعتها عنوة، و بين محاولتها في دفعه و إصرارهُ في ما هو ماضٍ فيه، ضغطت على زر الإجابة الخاص بهاتفها دون قصد، و قبل أن يرد عليها
وجد صوتها يصل لمسامعه و هي تحاول إبعادهُ عنها قائلة:
– ابعد عني يا حيو ان ابعد يا عبد الكريم
هدر” شهاب” بصوته عله يستمع له و يبتعد عنها كما أمرته قائلًا :
– سيبها يا حيو ان ابعد عنها احسن لك يا عبد الكريم
ما قاله ” شهاب” زاد من الأمور سوءً وليس عامل على إصلاحها ما حدث لها عكس توقعات ذاك الأخير لم تيتركها بعد تحذيراته بل زاد من حدته و غضبه اقترب منها و قال بوعيد بتلك النبرة المتلعثمة :
– بتمنعي جو زك لكن عشـ ـيقك لا، بيكلمك رغم إنك حلفتي إنك ملكيش علاقة بي
كادت أن تهرب من أسفله لكنه جذبها من خصلات شعرها بقوةً حتى كادت تجزم أنها ستقتلع في يـ ـده، نظرت له بأعين مليئة بالدموع بينما كان هو يمز ق آخر قطعة تتصل بجـ ـسدها مال ليُشبع غر يزاته الحيوا نية في امتلاكها استفاقت من شرودها على إثر صوت “شهاب” يحثها على الفرار مما جعل ” عبد الكريم ” يغتاظ أكثر دفع الهاتف بيـ ـده ليرتطدم بالجدار و قبل أن يقترب منها ثانيةً
وجد الد ماء تسيل من …..
يتبع
الفصل العاشر
=========
ظلت تُقاوم حتى باتت قواها في التراجع قليلًا الوضع غاية في الصعوبة بالنسبة لها، أما هو فـ كان يتألم بداخله لكنه قرر مواصلة ما يفعله لم يكن أمامه خيارًا آخر سواه مضا جعتها عنوة، و بين محاولتها في دفعه و إصرارهُ في ما هو ماضٍ فيه، ضغطت على زر الإجابة الخاص بهاتفها دون قصد، و قبل أن يرد عليها
وجد صوتها يصل لمسامعه و هي تحاول إبعادهُ عنها قائلة:
– ابعد عني يا حيو ان ابعد يا عبد الكريم
هدر” شهاب” بصوته عله يستمع له و يبتعد عنها كما أمرته قائلًا :
– سيبها يا حيو ان ابعد عنها احسن لك يا عبد الكريم
ما قاله ” شهاب” زاد من الأمور سوءً و ليس عامل على إصلاحها ما حدث لها عكس توقعات ذاك الأخير لم يتركها بعد تحذيراته بل زاد من حدته و غضبه اقترب منها و قال بوعيد بتلك النبرة المتلعثمة :
– بتمنعي جو زك لكن عشـ ـيقك لا، بيكلمك رغم إنك حلفتي إنك ملكيش علاقة بي
كادت أن تهرب من أسفله لكنه جذبها من خصلات شعرها بقوةً حتى كادت تجزم أنها ستقتلع في يـ ـده، نظرت له بأعين مليئة بالدموع بينما كان هو يمز ق آخر قطعة تتصل بجـ ـسدها مال ليُشبع غر يزاته الحيوا نية في امتلاكها استفاقت من شرودها على إثر صوت “شهاب” يحثها على الفرار مما جعل ” عبد الكريم ” يغتاظ أكثر دفع الهاتف بيـ ـده ليرتطدم بالجدار و قبل أن يقترب منها ثانيةً وجد الد ماء تسيل من بين فخذ يها، اعتدلت في جلستها و هي تبكي بمرارة لعنته و لعنت اليوم الذي تقابلت معه
لم يهتز قيد أنملة لرؤيته لها بهذه الحالة بل حاول أن يقتر ب منها لم يجد منها سوى الرفض التام، كل ما تفعله و صرخاتها التي تدوي المكان معلنة النجدة
ركضت والدة عبد الكريم على سلالم الدرج تكاد تلفظ أنفاسها بسبب ر كوضها، قامت بفتح الباب بعد أن طرقته كثيرًا ولجت الشقة باحثة عن مصدر الصوت
اتجهت حيث غرفة النوم، وجدت ولدها يلف حزام بنطاله على يـ ـده و قبل أن يضربها دفعته قائلة:
– اخس عليك و على تربيتك بتستقوى على واحدة ضعيفة امشي غور من هنا
رد عبد الكريم بضيق و قال:
– ملكيش دعوة بينا أنا و هي هنحل أمورنا بنفسنا
تشبثت “نبيلة” بمرفق والدته و احتمت بها و هي تقول بتوسل
– ابوس ايـ ـدك متسبنيش لوحدي ابنك اتجنن و عاوز يقـتـ ـلني
ربت على ظهر ها و هي تقول :
– متقلقيش يا حبيبتي محدش يقدر يقرب لك
تابعت حديثها بنبرة حادة محذرة إياه و قالت:
– و أنت إياك تقرب لها اقسم بالله هتصل على ابوها يجي ياخدها و يعرفك إن الله حق
ابتسم بتهكم و هو يقول :
– ابوها ! ابوها اللي رماها ليا تاني بعد كل اللي حصل ! دول رخاص يمو توا على القرش
تابع بجدية و هو يدفعها برفق للخارج و قال:
– أنا و مراتي بنحل مشاكلنا لوحدنا اطلعي أنتِ منها
تحاملت نبيلة على نفسها و هي تسير بخطوات واسعة و سريعة رغم تعبها إثر النز يف، كادت أن تخرج من البيت لولا ملاحقته لها لكن والدته ساعدتها في الخروج قائلة :
– امشي يا بنتي امشي بسرعة
كاد أن يدفع بوالدته على المقعد لكنها صدرت بصوتها علها تجد من ينجدها و ينجد تلك المسكينة، كاد أن يركض على سلالم الدرج لكن الزيت الذي سكبه “فارس” جعل قدماه تتعثر انزلق بظهره على الدرج
و تدحرج جسـ ـده حتى استقر على إحدى السلالم
صاح بصوتٍ مرتفع و هو يقبض على ساقه ظل يصرخ حتى أتى شقيقه حمله و اتجه حيث المركز الطبي
❈-❈-❈
على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل “نبيلة”
مستلقية على ظهرها، تفكر فيما حدث لها في الفترة الأخيرة، كيف له أن يفعل بها هكذا هذا هو الحب الذي تغنى به ليلًا نهارًا، أو تتدخلات ” شهاب” الأخيرة هي السبب الرئيسي كما يدعي ، عفوًا أين هي تتدخلات ” شهاب” هو الذي اسقط القناع مؤخرًا ، ليتها لم تتز و جه و لم تحمل طفل ينقسم و يعيش في مشاكل صحية و نفسية من تحت رأس والدها الذي يردد دائمًا كلماته المعتادة عن الانفصال و النتائج المترتبة عليه ، أتت والدة ” عبد الكريم” لتطمئن عليها و تصلح ما افسده ابنها، أما هو نفسه جالسًا مع أبيها يتجاوز حدوده و ينظر له بحدة ليقول بغضبٍ
– بنتك مبترضاش إني اقرب منها احنا متجوزين بقالنا أربع شهور بس الواقع بيقول إننا اتجوزنا شهر واحد بس بنت مش عاوزة تديني حقوقي يا عم محمد و بتديها لواحد تاني
رد العم محمد و هو يقف عن مقعده و قال بحدة و صرامة
– الزم حدك يا عبده اللي بتتكلم عنها دي بنتي و بلاش بقى شغل العيال الصغيرة دا، أنا بنتي متربية و عارفة دينها و أخلاقها كويسة اوي قلة أدب مش عاوز و بقلك بقى من الآخر كدا البت مش قابلك و انا بحاول اضغط عليها و هي مش راضية جاي بعد دا كله تقل لي بنتك بتعمل و مش بتعمل عيب كدا، بص يا ابن الناس زي ما دخلنا بالمعروف نسيب بالمعروف و دا آخر ما عندنا طلق بالذوق بدل ما نعلمك الأدب و طلق بالعافية
اغتاظ ” عبد الكريم ” من ردة فعل والدها، وقف عن الأريكة و قال بوعيد و هو يخرج من البيت
– هنشوف من فينا اللي هيعلم التاني الأدب و طلاق مش هاطلق يلا بينا ياما دي ناس وشها مكشوف
خرجت والدة ” عبد الكريم” و حاولت تلطيف الأجواء و تهدأت الوضع بكنها فشلت، بسبب عناد ابنها الذي تحول فجاة من رجل ذو قرارات هادئة يعرف كيف يتصرف مع الأمور إلى طفل لا يتجاوز الخمس أعوام يعناد لينفذ أمره أيًا كان هو .
عادت هي و ابنها تجر خيبات الأمل خلفها، جلست تعاتبه على قراراته و تنصحه بأن يتحلى بالصبر لتسير الأمور لمجرها الطبيعي
نظر لها و قال بنبرة حزينة و هو يحاول أن يخرج كلماته المتلعثمة واضحة
– ياما أنا تعبت معها عملت كل خاجة عشان ترضى عني و تسامحني بعد اللي عملته و بردو مافيش فايدة، كل ما احاول اقرب منها تصوت و تهددني إنها هاتقتل نفسها، ماحستش بنفسي وهي واقفة معاه بتخوني و تسلم نفسها في الحرام لكن الحلال تمنعه
رد والدته معاتبة إياه قائلة
– لأ لأ يا عبده اخس عليك أنت يطلع منك الكلام دا طب ازاي أنت تصدق عن مراتك الكلام الفارغ دا، مين يا ابني اللي ملى دماغك من ناحيتها كدا ؟ مراتك دي بنت ناس و لا مؤاخذة في الكلام يعني ماخدش يا ابني ياخد اللي خده غصب الخاجات دي بتيجي بالرضا
– تعبت ياما و زهقت رجعت و بتتكلم معايا كأنها معملتش حاجة
– ايوة يا ابني هي فعلا معملتش حاجة البت كانت بتشتغل وبتصرف على نفسها وأنت عارف كويس ظروفهم عاملة ازاي وبعدين تعال هنا هو أنت لما عرفتها عرفتها ازاي مش عرفتها في شغلك ؟ وهي عرفت اللي اسمه شهاب دا ازاي مش بردو عن طريق شغلك و أول مرة تشوفه كان معاك ؟ و لما عرضت عليه شغلها كان قدامك ؟
-ايوة حصل بس انها تقابله في المول ؟! بتقابل رجالة من ورايا ياما دي خاينة و قابل و سا كت
ردت والدة عبدالكريم بعتاب و قالت:
– لا يا عبد الكريم لا كلام إيه دا. حرام عليك دي مهما كان مراتك و بعدين لامؤاخدة يعني. لو عي زي ما بتقول كدا هتموت و ترجع لها تاني ليه ؟! البنت كانت بتشوف شغلها و لالا يا عبد الكريم ؟! قول حصل ولا محصلش من غير كلام كتير
رد “عبد الكريم” و قال:
– حصل ياما
– طب و لما هو دا اللي حصل يبقى فين الخيانة في الحكاية هي عرضت وهو كان هايوافق و أنت اللي رفضت هي كان نفسها تخلص جهازها
– ما هو أنا كنت بساعدها و ماقصرتش في حاجة
– يا ابني هي شايفة إن الحِمل هايبقى تقيل عليكرقالت اساعد نفسي و مش هيحصل حاجة لو عملت لي كام عقد ولا خاتم وهو كدا كدا مش هيعرف
ختمت حديثها قائلة بعقلانية و نبرة صادقة
– لو جينا للحق فأنت الغلطان مش هي و مكنش ينفع تعمل اللي عملته دا و إن كان على اللي هي بتعمله فـ دا طبيعي هي بتحاول ترد كرامتها و تدافع عن نفسها بص يا ابني فكر كويس و حاول تصالحها لو لسه زي ماهي على موقفها دا يبقي الطلاق هو الحل أنا ست ومرضاش لست زي البهدلة حتى لو كان من ابني أنت عارفني في الحق مليش دعوة لا ابن ولا أخ دي شهادة هايحاسبني عليها ربنا
❈-❈-❈
وقفت والدته عن المقعد و ولجت المطبخ لتقوم بإعداد الطعام لهم، لم ترَ ” فارس” و هو يلج من باب بيتها، جلس جوار عمه و قال
– هي مرات عمي مش ها تيجي يا عمي
– لا يا فارس مش ها تيجي
تابع بنبرة مغتاظة و قال
– خليها قاعدة عند أبوها خليها تمشي على مزاجها
رد ” فارس” مقاطعًا عمه قائلًا
– بس مرات عمي مظلومة يا عمي
– قصدك إيه يافارس
– مرات عمي كانت قاعدة في الصالة و أنا كنت في نايم جوا وصحيت لقيت ابويا واقف على باب الشقة وبيقولها أنا شفتك مع شهاب و مش هاسكت
رد ” عبد الكريم ” بإستفهام
– و ابوك كان واقف ليه على باب الشقة و عاوز إيه منها ؟
رد ” فارس” بتلعثم و قال
– ما هو هو
ابتسم ” عبد الكريم ” ليهدأ من روعه و قال
-و بعدين ؟ قول يا فارس متخافش ما حدش ها يعمل لك حاجة و لا ها يعمل لمرات عمك حاجة قول يا حبيبي هي فعلا شافت الراجل اللي اسمه شهاب دا ؟
– اه شافته و هو سلم عليها و قالها واحشتيني
– و هي عملت إيه يا فارس
– قالت له أنت كمان أنا خلاص تعبانة و مش قادرة اكمل معاه
– و إيه تاني يا فارس
هدر ” عبد الكر يم ” بصوته الجهوري لتأتي إليه والدته مهرولة و قالت و القلق يعتري ملامح وجهها
– في إيه يا عبده
– اسمعي فارس بيقول إيه عشان تصدقي
نظر لابن أخيه و قال بهدوء رغم غيظه الشديد
– كمل يا فارس مرات عمك عملت إيه ؟
– مرات عمي فضلت تعيط و هو خدها في حضنه
قاطعته جدته بعدم استيعاب و قالت
– هو مين دا يا واد اللي خدها في حضنه ؟
– واحد يا ستي اسمه شهاب
– كمل يا فارس قل لي عمل إيه تاني ؟
– خدها في حضنه و طبطب عليها و جابلنا عصير مانجا و قالي اروح العب علي ما هما يخلصوا كلامهم
– يخلصوا كلامهم فين يا فارس ؟
– في مكتبه
– قعدوا كتير ولا مشيت على طول ؟!
– اها انا لعبت كتير اوي على الكمبيوتر
صدقني يا عمي مرات عمي مظلومة الراجل اللي اسمه شهاب هو اللي قالها تعالي لي المكتب
ردت والدة عبد الكريم بعدم استيعاب وهي تسأل حالها
– بقى نبيلة بنت الناس المحترمين يطلع منها كل دا ؟ طب ازاي بس ؟ اخس عليكِ يا نبيلة اخس و أنا اللي كنت بدافع عنك و بقول كويسة
تابعت بجدية و هي تنظر إلى ابنها الذي سكت و لم ينبث ببنت شفة، تعلم جيدًا ان هذا السكوت مرعب بالنسبة لها هو يُدبر شيئًا لا تعرفه قررت أن تخرج ما يجيش في صـ ـدره و تقول بجدية
– احنا يا ابني زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف و إن كان علـ
قاطعها بوعيد و هو يثب عن المقعد، بحث اولا عن أخيه و لم يجده مرت أكثر من ساعة و نصف و هو يبحث عنه ليتأكد من صحة حديث ابنه وعندما علم أنه في وكرهُ صعد إليه تقابل مع أخيه ” حمدي” على باب غرفة أعلى سطح بيتهم احتضنه بقوة و حاول تهدأته، هذا وكرهُ الذي لا يغادر إلا وقت العمل، ظل يتجرع الخمور و يتناول الحبوب
المـ ـخدرة، علم منه ما حدث تعجب من حديث أخيه، هو لم يقف على اعتاب شقة أخيه و لا تحدث مع ز و جته أو يعرف ذاك الشهاب الذي يتوعد له مرارًا، كيف يتجرأ “فارس” على سرد هذه الحكاوي
من نسج خياله، توقف للحظة و تذكر تهديد
ز و جته بأنها سوف تدمره إن نفذ وعده و
تز و ج
بها بعد انفصالها عن أخيه، و قبل أن تجتمع كل خيوط العنكبوت في رأسه، قرر أن يُكمل خطة زوجته لحسابه حتى يقع الإنفصال نفث الأرجيلة وهو يقول
– مكنتش عاوز اقل لك احسن تزعل بس أنا قلت لها يا نبيلة اللي بتعملي دا غلط و
قبض ” عبد الكريم” على رقبته و قال بغيظٍ مكتوم :
– أنت بتقول إبه مراتي أنا راحت لشهاب و عملت اللي بتقول عليه دا ؟!!
رد أخيه و قال بخبثٍ
– الاه و أنا مالي يا عبده. أنا غلطان اللي حكت لك يعني ؟! عموما ياسيدي متشكرين
❈-❈-❈
الهدوء الذي يتحلى به يرعب من يراهُ الوضع الذي هو عليه الآن لا يُبشر بالخير أبدًا، لم يبدء أي ردة فعل و انتظر حتي تضع مولودها مر يوم ثم يوميان. ثم شهر حتى مرت جميع اشهر الحمل كاملةً عليها في منزل والدها لم يقترب منها و يخبرها بما عرفه عنها، حمل طفلته و خرج من منزل والد نبيلة متجهًا حيث مكتب الصحة، برفق ” فارس” وقف داخل الصف في انتظار تسجيل الأسماء، نظر له ذاك الأخير و قال:
– أنت هتسمي النونة إيه يا عمي ؟!
نظر له ” عبد الكريم” و قال:
– أنت عاوز تسميها إيه
رفع ” فارس” كتفيه ثم مط شفتاه و قال:
– مش عارف سميها أنت
كاد ” عبد الكريم” أن يحدث موظفة الصحة
لكن استوقفه صوت “فارس” و هو يقول بإقتراح
– عمي عمي إيه رأيك في جميلة ؟!
سأله عمه و قال:
– جميلة مين ؟!
أجابه فارس و هو يشير بيـ ـده تجاه إحدى الامهات. و قال:
– اللي هناك دي هتسمي بنتها جميلة أنت كمان سميها جميلة
رد عبد الكريم و قال:
– لا انا هسميها رقية على اسم ستك
رد “فارس” باسمًا و قال:
– حلو اسم رقية بس قديم اوي يا عمي
لم يرد عليه و تابع الإجراءت اللازمة لاستخراج شهادة الميلاد، ثم جلس على أقرب مقعد دس يـ ـده داخل جيب بنطاله و قال:
-خد يا فارس روح اشتري عصير
– ليا أنا و رقية ؟!
– لا ليك أنت بس يلا أنا مستنيك هنا
ما أن غادر ” فارس” مكتب الصحة متجهًا حيث المتجر المقابل. خرج أيضا عمه و بين ذراعيه صغيرته، اشار بيـ ـده لإحدى سيارات الأجرة استقلها و قال:
– اطلع ياسطا على محطة مصر .
يتبع
الفصل الحادي عشر
============
كاد ” عبد الكريم” أن يحدث موظفة الصحة
لكن استوقفه صوت “فارس” و هو يقول بإقتراح
– عمي عمي إيه رأيك في جميلة ؟!
سأله عمه و قال:
– جميلة مين ؟!
أجابه فارس و هو يشير بيـ ـده تجاه إحدى الامهات. و قال:
– اللي هناك دي هتسمي بنتها جميلة أنت كمان سميها جميلة
رد عبد الكريم و قال:
– لا انا هسميها رقية على اسم ستك
رد “فارس” باسمًا و قال:
– حلو اسم رقية بس قديم اوي يا عمي
لم يرد عليه و تابع الإجراءت اللازمة لاستخراج شهادة الميلاد، ثم جلس على أقرب مقعد دس يـ ـده داخل جيب بنطاله و قال:
-خد يا فارس روح اشتري عصير
– ليا أنا و رقية ؟!
– لا ليك أنت بس يلا أنا مستنيك هنا
ما أن غادر ” فارس” مكتب الصحة متجهًا حيث المتجر المقابل. خرج أيضا عمه و بين ذراعيه صغيرته، اشار بيـ ـده لإحدى سيارات الأجرة استقلها و قال:
– اطلع ياسطا على محطة مصر .
❈-❈-❈
عاد ” فارس” مسرعًا محاولًا إيقاف عمه الذي غادرد دونه و لم يلتفت خلفه رغم منادته بصوته المرتفع
تعجب من هذا الفعل و لم يعرف كيف يتصرف، اهتدى أخيرًا لـ حل بدلًا من عمه ” عبد الكريم ” استقل سيارة أجرة متجهًا حيث منزل والد نبيلة، ظنًا منه أنه ذهب لـ هناك و ما هي إلا خمسة عشر دقيقة مرت عليه ووصل إلى هناك، طرق الباب ثم ولج و قبل أن يسأل عن عمه وجد ز و جة عمه تسأله بإبتسامة واسعة و قالت:
– ها يا فارس سمتوها ليلى زي ما قلت لعمك ؟! قل لي هي فين واتأخرتوا كدا ليه ؟!
– عمي سماها رقية على اسم ستي
– رقية !! هو فين عمك يا واد ؟!
عقد ” فارس” ما بين حاجيبه و قال بعدم فهم
– أنتِ اللي بتسأليني عنه ؟!
– أنا اللي بسألك عنه ؟! اومال مين يا واد اللي يسألك مش أنت كنت معاه ؟!
رد ” فارس” و قال بعدم فهم لِمَ يحدث حوله
-عمي سابني في مكتب الصحة و مشي و أنا فكرته جه على هنا !!
❈-❈-❈
وثبت ” نبيلة” من مكانها متناسية أمر جر حها قبضت على تلابيب الصغير متسائلة بصر اخ
– على هنا فين يا واد يا فارس أنت هتستعبط !! و لا دي كدبة زي اللي كدبتها على عمك و قلت إني رحت مكتب شهاب يا كداب !!
رد “فارس” بنبرة مرتعشة إثر خوفه منها و قال بما يعتمل في صـ ـدره
– و الله يا مراتي عمي مرات ابويا هي اللي قالت لي اقول كدا و أنا معرفتش اقولها لا دي حر قتني بالسـ ـكينة في رجلي حتى شوفي
مال بجذعه قليلًا ليـ ـكشف عن ساقه المتحر قة لم تتحمل النظر إليه لأكثر من ثانيتين شاحت بوجهها بعيدًا عن الحر ق ثم نظرت له و تسألت عن ابنتها قائلة:
-مليش دعوة بيك أنت و مرات أبوك تو لع فيك تو لع فيها مليش في اللي يهمني بنتي و بس أنت فاهم و لا لا ؟! انطق و قل لي بنتي فين بدل ما اقـ ـ تلك و ادفن مكانك
رد ” فارس” من بين دموعه و نبرته المرتعشة إثر ما تفعله ز و جة عمه به و قال:
– و الله يا مرات عمي ما أعرف هو راح فين !
تتدخل والد نبيلة ليُخلص ” فارس” من من بين يـ ـدها قائلًا بجدية:
– سيبي الواد يا نبيلة يا بنتي الواد هيـ ـمو ت في ايـ ـدك
نظرت لـ والدها و قالت بأعين مليئة بالدموع
– بنتي راحت فين ؟! أبوها خطـ ـفها مني ؟!
رد والدها و قال بهدوء
-هو فين حد بيخـ ـطف بنته بردو يا نبيلة يا بنتي
ردت بنفاذ صبر و قالت و هي تضـ ـرب بيـ ـدها على فخذ يها :
– اومال راح فين راح فين بس ياربي !!
أكيد راح البيت يوريها لأمه هيروح فين يعني!
قالها والد نبيلة محاولًا طمئنة ابنته و التي أصابها الدور بعد أن اجتاحت الأفكار السوادء رأسها ربت بخفة على ظهر ها و قال بهدوء:
– متقلقيش عبد الكريم مستحيل يعمل حركة كدا و لا كدا، دا بيحبك و ميقدرش يستغنى عنك .
❈-❈-❈
حاولت ” نبيلة” أن تقتنع بكلمات والدها لكن قلبها يحدثها بأن الأمر لن يكون بهذه السهولة التي يتحدث بها أبيها، مرت ساعة تلو الأخرى
حتى مر أكثر من خمس ساعات و لم يأتي والدها ظلت تجوب الغرفة ذهابًا إيابًا و يـ ـدها
مثبتة على أذنها في المحاولة رقم عشرون للوصول إلى ز و جها، و لكن هاتفه خارج نطاق التغطية كادت أن تصرخ من فرط غيظها ولجت والدتها و بين يـ ـدها كوبًا من المشروب الساخن، وضعته على سطح الكومود ثم قالت بنبرة متعاطفة :
– اهدي يا نبيلة يا بنتي و إن شاء الله خير !
ردت ” نبيلة ” بنفاذ صبر قائلة :
– اهدأ إيه ياما دا عبد الكريم خطـ ـف البت
– يا بنتي محدش بيخـ ـطف بنته أكيد راح بيها هنا و لا هنا و راجع تاني
– راجع إيه دا تليفونه مقفول و محدش عارف يوصله و ابويا بيقول محدش شافه من صباحية ربنا !
تابعت بصراخ قائلة:
– يالهوي بنتي راحت مني خلاص !
ردت ” دعاء” بصراخ و هي تضع صغيرها على الفراش و قالت:
– ياما قلت لكم حد يروح معاه دا ملوش أمان و مش بعيد ياخد البت و يمشي قلته لا دا مستحيل و مش عارفة اشربوا بقى !
ردت ” نبيلة ” بصراخ و هي تتوسل شقيقتها
– ابو س ايـ ـدك يا دعاء كفاية أنا على اعصابي و مش ناقصة و لا فايقة أنا اللي فيا مش في حد و الله العظيم !
فرغ فاها لترد عليها لكن قاطعتها “نبيلة” متجهة حيث والدها الذي ما أن ولج من باب المنزل و علامات الحزنز اعترت وجهه، وقفت مقابلته متسائلة بلهفة قائلة:
– ها يا بابا وصلت لـ عبد الكريم ؟!
لم تجد أي إجابةً منه فكررت سؤالها على أمل أنه يجيبها لكنها للمرة الثانية تجد نفس الصمت هزته في ساعديه و قالت بصوت مرتفع
– رد عليا يا بابا فهمني بنتي راحت فين ؟!
بنتك راحت مع أبوها و عبد الكريم طلع مطلقك غيابي من غير ما يقول لحد و النهاردا اخواته ادوني ورقتك و قالوا كل شئ نصيب .
اردف والدها عبارته و ملامحه تعتريان الحزن و الأسف الشديد، لم تتحمل تلك المسكينة هذا الكم من الصدمات المتتالية سقطت مغشيًا عليها و عندما عاد لها وعيها دخلت في نوبة بكاء هستيرية، لم تحدث أحد لكن كل ما قالته أنها تريد ابنتها فقط ابنتها و لا شئ غيره
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع
لم يحدث شئ فيه جديد جدير بالذكر الحياة هادئة و الوضع كما هو عليه، كل ما هنالك أن “شهاب” الوحيد الذي استطاع أن يصل لإبنتها
فقرر أن يقدم المساعدة ليسوء الأمر أكثر من ذي قبل كان جالسًا في إنتظارها داخل غرفة الضيوف بمنزل أبيها، أتت و جلست مقابلته
استمعت له حتى أنته، نظرت له ثم قالت بصوتٍ بالكاد أن يكون مسموعًا:
– خلصت كلامك ؟!
– اه
لحظة صمت مرت بينهما ثم قـ ـطعته و هي تقول بمرارة
– أنا اللي غلطانة كل اللي حصل لي دا و اللي لسه هايحصل لي أنا السبب، ايوة أنا السبب مكنش ينفع اشتغل معاك بعد عبد الكريم ما قالي لا بلاش شغل معاه يا نبيلة
تابعت بمرارة و هي تمد يـ ـدها و تاركة لدموعها العنان
– بس ما باليـ ـد حيلة مكنش في ايـ ـدي حل تاني قدامي غيرك ! كنت محتاجة للفلوس مش بدلع و الله العظيم و الله العظيم ما كنت بدلع
اطبق ” شهاب” على جفنيه بقوةً و هو يسحق أسنانه من فرط غضبه الشديد، حالتها يرثى لها فتح عيناه ذاهلًا حين قالت بندم شديد تكاد أن تفقد عقلها مما فعله بها ز وجها عفوًا طليقها
– يارتني كنت سبته يعمل فيا ما بادله و ياخد مني بنتي و يحر ق قلبي عليها كدا، يا رتني مُت و لو جه اليوم دا
رد ” شهاب ” بنبرة معاتبة قائلًا:
-بعد الشر عليكي يا نبيلة و أنا اعيش في الدنيا ازاي من بعدك أنتِ لو جرالك حاجة أنا امو ت عليكي
لم تتحمل ” نبيلة” أكثر من ذلك وثبت عن مقعدها و قالت بصراخ:
– تمو ت و لا تغـ ـور في ستين داعية أنا مالي من يوم ما شفتك و أما شفتش يوم واحد راحة و المصايب بترف على دماغي من يو مها
أشارت بيـ ـدها تجاه باب المنزل قائلة :
– امشي اطلع برا و مش عاوزة اشوف خلقتك كفاية لحد كدا
هوت على أقرب مقعد ثم دفنت وجهها بين كفيه و قالت من بين دموعها المنهمرة على خديها
– كفاية ابو س ايـ ـدك كفاية قلبي مبقاش متحمل .
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوعًا كاملًا كان ” فارس” يبكي ليلًا نهارًا، بسبب الاًلم التي تجتاح جـ ـسده الضعيف، كانت ساقه تـ ـزف إثر الحر ق الذي تسبب فيه ز و جة أبيه، علمت جدته أن ساقه مُصابة بحر ق من الدرجة الأولى، ظلت تصرخ و تنوح على حفيدها الذي كاد أن يُبتر ساقه من التلوث الذي نتج عن هذا الحر ق .
ضمته لصـ ـدرها بحنانٍ بالغ و قالت بعتابٍ
– ليه بس يا فارس ليه بتلعب في الفحم و هو مولع ؟
هذه اكذوبة كانت من اختراعه و التي لقنتها له ز وجة أبيه مرارًا ظل الممرض يطهر له الجر ح بينما اكملت جدته وصلة العتاب
– و ليه ما تكلمتش و عرفتني إنك محر وق كدا
– كنت خايف يا ستي من ابويا كنت خايف يضر بني
انتهى طبيب الجراحة من تضميض حرجه و كتابة بعض العقاقير و المضادات الحيوية له، اخذته و غادرت المشفى، عائدة إلى بيتها الذي تحول لجدران حزينة تكاد تبكي من فرط حزنها مما فعله بها ولدها ” عبد الكريم” رحل دون وداع رحل و ترك خلفه قلوب تحتر ق إثر افعاله، دخلت حجرتها و اعطت لحفيدها الدواء و اطعمته ثم دثرته جيدًا لـ يرتاح قليلًا، جلست بجواره شاردة الذهن تفكر في ما يحدث حولها، لا تعرف إن كانت ظلمت ” نبيلة ” أم لا و ماذا عن حفيدتها التي لم ترأها
و ماذا و ماذا و ماذا.
تنهدت بعمقٍ و هي تمدد جـ ـسدها جوار ذاك الصغير لتأخذ قسطًا من الراحة، لعل عقلها يتوقف قليلًا عن التفكير الذي كاد أن يفقدها عقلها.
في شقة ” والد نبيلة ”
كانت جالسة تتصفح هاتف ز و جها تقرأ بعيناها الرسائل الصادرة و الواردة، علها تجد ما يوصلها إليه اختر قت حسابه الشخصي و حاولت قراءة الرسائل علمت أنه صنع مصوغات لأحدى الشركات الكبرى، و تقاضى نصف المبلغ و تبقى النصف الآخر موعده في مساء الغد، قامت بمراسلاتهم و اخبرتهم بوفاته و أنها تريد أن تتقاضى الباقي من متسحقاته، كان يراسلها إحدى المساعدات لـ مدير الشركة و حددت معها الموعد و أنها في انتظارها غدا قبل الخامسة عصرًا، أخبرت أختها ماحدث فـ سألتها قا ئلة بفضول
– طب و أنتِ هتروحي بكرا الساعة كام ؟
– بكرا الساعة خامسة
– طب و أنتِ متأكدة إنك كدا هتخرجي عبد الكريم من مكانه اللي مستخبي في ؟!
– يعني إيه ؟
– يعني ممكن يسيب الفلوس و يقول مش مهم و بردو كدا مش هنعرف مكانه
– أنا مش مخوفني غير حاجة واحدة
– إيه هي ؟!
– يعني الحلو اللي اسمه حمدي دا عامل لي زي العفريت بيطلع لي من أي مكان و أنا مش عارفة هو يعرف موضوع الفلوس دي و لالا لو عرف هيبقى مصيبة و هعرف اخدها و أنا مش محتاجة الفلوس أنا بس محتاجة اخرج عبد الكريم من المكان اللي هو في مش عارفة لو حمدي طلع يعرف كل حاجة ها يبقى التصرف ازاي و لا إيه اللي ممكن يحصل ؟!
– أنتِ خايفة كدا ليه ما اللي عاوز يعمله يعمله و لا لي عندنا حاجة و لو فكر يضايقك صوتي و اقلبي الدنيا عليه و ساعتها محدش قدر يقول لك أنتِ بتعملي إيه ؟
حركت ” نبيلة “رأسها علامة الحيرة و قالت:
– مش عارفة يا دعاء خايفة و مرعوبة، دي آخر محاولة ليا في إني اوصل لبنتي بعد البلاغات اللي مجبتش نتيجة دي
ربتت ” دعاء” على ظهر يـ ـد أختها و قالت بتشجيع
– متقلقيش خير بإذن الله قومي أنتِ بس و قولي يارب و ربنا هيقف معاكي بإذن الله .
تشجعت ” نبيلة ” بعد أن استمعت لحديث شقيقتها بدأت ترتب خطواتها بدايةً من الغد
❈-❈-❈
وفي عصر اليوم التالي، كانت تسير بخطواتها الهادئة في الحارة تقابلت مع والدة عبد الكريم استوقفتها و هي تقول بنبرة حانية له
– سلامتك يا فارس
– الله يسلمك يا مرات عمي
تابعت بمكرٍ و هي تنظر لجرحه المضمض و قالت:
– قل لي إيه اللي عمل فيك كدا ؟
– الفحم وقع على رجلي
نظرت له نظرة ذات معنى و قالت بشكٍ
– فحم إيه يعمل لك كدا يا فارس ؟ مش أنا قلت إن المعلقة مرات أبوك وقعتها على رجلك ؟
رد ” فارس ” بإ ستنكار و قال:
– أنا !! أنا قلت لك كدا لأ دا انا الفحم وقع على رجلي يا مرات عمي والله تلاقيكي سمعتي غلط
– طب يا حبيبي مالك خايف كدا ليه انا مصدقاك يلا اسيبك بقى مش عاوز حاجة ؟
– لأ شكرًا
نظرت لـ والدة عبد الكريم و قالت بحزنٍ
– أنتِ زعلانة مني ليه هو انا اللي أنا اللي اخدت بنتي و هربت من ابنك يا أم حمدي ؟!
– ملوش داعي الكلام يا نبيلة عشان أنتِ عارفة مين السبب في اللي وصلنا له !
ردت ” نبيلة” و على ثغرها إبتسامة خفيفة باهتة، تنهدت ثم قالت
– ماشي يا أم حمدي اعتبريني السبب في كل حصل لابنك طب و اللي حصل لي أنا مين السبب أنا بردو ؟
لم ترد عليها والدة “عبد الكريم ” بل شاحت بوجهه بعيدًا عن ناظريها ، و على ثغرها إبتسامة ساخرة
غادرت ” نبيلة ” و بداخلها شحنة من الغضب الشديد، كانت تريد أن تصرخ بكل ما اوتيت من قوة لتفرغ غضبها و غيظها لكنها الآن بالطريق لو فعلت هذا لن ينعتها الناس سوى بالمجذوبة، سقطت دموعها على خديها بغزارة، ظلت تكفكف دموعها التي تتجدد دون سابق إنذار
بحثت كثيرًا عن الشركة التي كانت تحدثهم عن طريق الرسائل الخاصة، كادت أن تفقد الأمل إلى أن وصلت أخيرًا و لكن بعد عناء شديد، جلست على المقعد المقابل لمكتب مدير الشركة تستمع له و لاعتذارته الطويلة التي لا فائدة منها، تنهدت بعمقٍ و قالت بنبرة منهكة
– أستاذ فضل أنا تعبانة و مش قادرة اسمع لحضرتك أكتر من كدا بصراحة معلش تطلع لي الشيك عشان الحق اصرفه و امشي
– انا مش عارف اقل لك يا مدام نبيلة بس الحقيقة الخزنة قفلت و أنا مش هاقدر اصرف الفلوس النهاردا
– و حضرتك ماقلتش كدا ليه من الأول ؟
– و الله بحاول افهم حضرتك كدا من بدري و أنتِ مش فاهماني
– طب و العمل ؟
– مافيش غير إنك تاخدي جزء من المبلغ و بكرا تيجي تاخدي الباقي لو مستعجلة اوي يعني
– اجاي بكرا ؟! واخد نص الفلوس !؟ حضرتك أنا مش بشحت منك أنا عاوزة فلوسي على بعضها و النهاردا زي ما اتفقت مع السكرتيرة و هي قالت لي إن دا كان ردك أصلًا
وقفت عن المقعد و غادرت غرفة المكتبة و هي تقول بجدية و نبرة تحمل شئ من الحدة
– أنا هاجي لحضرتك في نهاية الأسبوع و ياريت يكون المبلغ كله موجود يا أستاذ شكرًا مع السلام
قامت بفتح الباب و قبل أن تغادر وجدته يقف أمامها ذاهلًا، كانت متخشبًا كالتمثال الذي برع الفنان في نحته، اقترب منها و قال بإبسامته الخفيفة
– ازيك عاملة إيه ؟
نظرت له طويلًا ثم عادت ببصرها لأسفل، تنحنحت و قالت بهدوء عكس ما كانت تتحدث به في الداخل منذ قليل
– الحمد لله أزيك أنت
– شهاب فينك يا راجل من زمان
– عند اذنكم
أشار ” فضل ” بيده لصديقه المقرب و طلب منه أن يلج. لكنه اعتذر و هرول خلفها و هو يقول بسرعة
– راجع لك تاني يا فضل متقلقش
ثم هتف بصوته شبه عالِ قبل أن تلج هي المصعد الكهربائي و قال
– نبيلة لحظة
و لج أخيرًا المصعد الكهربائي و ضغط على زر الطابق الأرضي. و قال بصوتٍ يملؤها الشوق
– محتاج اتكلم معاكي
تعجبت ” نبيلة ” من سر الاهتمام و تلك النبرة المتوسلة التي يتحدث بها، قررت أن تصغى إلي من باب الفضول ليس إلا، قاد سيارته متجهًا إلى أول مكان تقابل معها فيه، ظلت تستمع إليه و لا تعرف في أي حديث بالتحديد يتحدث، تنهدت بعمقٍ و هي تشيح بوجهها للجهة الأخرى سرعان ما عادت ببصرها و هي تقول بتأفف
– هو حضرتك جايبني هنا عشان تقول كنت عاوز اعتذر لك عن اللي حصل و نفتح تاني في القديم ؟!
بحبك
قالها ” شهاب ” بسرعة و بدون تفكير أو حتى دون تجمل في اعترافه، قرر أن لا يؤجل الامر أكثر من ذلك، أما هي فقررت أن تغادر المكان بعد أن تُلقي في وجهه كوبًا من المياه شديدة البرودة عله يستيقظ من غفلته تلك، انتفض ما أن لمست المياه وجهه كانت علامات الدهشة و الذهول الشديدان تعتري وجهه .
عادت لتجد مصيبة أكبر من مصيبتها مع ذاك الشهاب الوقح، وجدت ” حمدي ” جالسًا في غرفة الضيوف بـ شقة والدها كان في انتظارها، نفث لفافة تبغ تلو الأخرى، و نفذ صبره ولجت و هي تلتقط أنفاسها بصعوبة شديدة، هتف والدها عدة مرات. و نبرته تحمل السُخرية، أتت لتعرف سبب وجوده لكنها تفاجئت بهِ يسألها و كأنها ز و جته
– كنتِ فين ؟
– نعم ؟!
– بسألك كنتي فين ؟!!
– و أنت مالك اصلًا ؟!
قبض على ذراعها بقوةً كاد أن يكـ ـسره، تأواهت و عيناها انفرجت عن آخرهما، و صـ ـدرت شهقة عاليةً من هول صدمتها من ردة فعله المفاجأة، لم يكترث لصر اخها و لا والدها الذي يحاول أن يخلصها منه. ليقول بنبرة حادة لا تقبل النقاش
– لأ مالي و نص يا حلوة أنتِ في حكم خطيبتي و قريب اوي ها تبقي مراتي يعني الخروج بحساب و الدخول بحساب و لو مش عجبك اخبطي راسك في الحيط
– أنت ازاي تعمل كدا أنا هابلغ فيك الحكومة و اخليهم يلموك يا
قاطع ” حمدي” صراخ والد ” نبيلة” بصفعة مدوية ذهل على إثرها الجميع، سقطت دموع والدها من هول الموقف، شعر أن انكسر كبريائه كـ راجل مُسن في عمر والده، لم يتوقع تمامًا أنه سيفعل بهِ هكذا، بينما هو نظر في وجوه الجميع و هو يوجه سبابته نصب أعينهم و قال
– الكلام دا مش هاعيده تاني، خروج من باب البيت دا من غير أذني ممنوع و اعملوا حسابكم إني هكتب عليكي الخميس الجاي
تابع بنظرة ساخرة و هو يمرر لسانه على جانب شفتاه و قال بتحذير مبطن يعلمه من هو خبير ببواطن الامور
– و بدل ما تبقى دخلتنا أنا و أنتِ تبقى دخلتك أنتِ بس و بردو في أبيض بس ملفوف من ساسك لراسك
علمت أنه يريد أن يحذرها بالموت و أن ما يرمي إليه هو تحذير مباشر و واضعًا لأمرهم حده .
جلس من جديد على الأريكة و بدأ في إشعال لفافة تبغ جديدة، جذب والدها و هو يضغط على رسغه بعنف و قال ساخرًا
– اقعد يا حمايا البيت بيتك اقعد يا راجل ما تتكسفش
تابع بإشارة من رأسه لـ نبيلة قائلا:
– خفي نفسك يا عروسة و اعملي لي فنجان قهوة على ما تحضري لنا الغدا من ايدك الحلوة دي، يلا يلا يا عروسة ما تقفيش كدا خلي التأمل فيا بعدين لما نبقى مع بعض
غادرت ” نبيلة” الردهة و اتجهت إلى المطبخ، وقفت أمام الموقد تصنع القهوة بحسرةً و قهر على ما آلت إليه في الأوان الأخيرة، استمعت لصوته الجهوري و هو يطلب منها التعجل كأنه امرأته و هو يمارس حقه في البيت بشكلٍ طبيعي
استدارت بجـ ـسدها كله و قالت من بين
أسنا نها قائلة بنبرة مغتاظة منه و من جحوده
– إلهي ما تلحق تشربها يا بعيد و ربنا ياخدك و ارتاح منك
نظرت لـ القهوة التي كادت أن تنسكب على سطح الموقد، رفعت بسرعة و قامت بسكبها و هي تبكي إثر الحرق الذي أصاب يدها، قربت القدح منها و بصقت فيه من فرط غيظها
الوضع بالنسبة لها أصبح يسبب لها النفور، ألهذه الدرجة كان ” عبد الكريم ” يرفع عنها كل هذا و هي لا تدري، كيف ستتحمل كل هذا
إن رفضت الز و اج منه هذا يُعني الهلاك لـ والدها أتٍ لا محال و إن وافقت فـ هي القت بيدها إلى التهلُكة بكل سهولةً و يسر .
على ما يبدو أنها ستذهب إلى أحدهم ينقذها
❈-❈-❈
على الجانب الآخر و تحديدًا في مكتب
“فضل ” صديق ” شهاب” المقرب ظل يتسأل عن سبب ذهابه فجأة و عن عودته فجأة لكنه فضل الصمت، ليرد فجأة بسؤالا آخر
– قل لي أنت هي كانت بتعمل إيه ؟
– قصدك مين ؟! اه قصدك مدام نبيلة، دي ياسيدي تبقى مرات واحد كان بيعمل لي شغل عشان العرض الجديد، و عرفت صدفة إنه اتوفى و هي بتطالب بباقي مستحقاته
– و كام المستحقات دي ؟
– يعني حاولي 10 الاف جنية أنا فاكر إنها ها تيجي بكرا و لا بعده و إن مواعيدها مضروبة زيي اتفاجئت بيها جاية لي في معادها طبعًا مكنتش محضر نفسي و هي مشيت من غير ما تخد فلوسها بس هي ها تيجي بكرا
– طب أنا عاوزك لما تيجي لك هي بكرا ما تتدهاش الفلوس بتاعتها و لا تخليها تتطول منك جنية
يتبع
الفصل الثاني عشر
===========
على الجانب الآخر و تحديدًا في مكتب
“فضل ” صديق ” شهاب” المقرب ظل يتسأل عن سبب ذهابه فجأة و عن عودته فجأة لكنه فضل الصمت، ليرد فجأة بسؤالا آخر
– قل لي أنت هي كانت بتعمل إيه ؟
– قصدك مين ؟! اه قصدك مدام نبيلة، دي ياسيدي تبقى مرات واحد كان بيعمل لي شغل عشان العرض الجديد، و عرفت صدفة إنه اتوفى و هي بتطالب بباقي مستحقاته
– و كام المستحقات دي ؟
– يعني حاولي عشر تلاف جنية أنا فاكر إنها ها تيجي بكرا و لا بعده و إن مواعيدها مضروبة زيي اتفاجئت بيها جاية لي في معادها طبعًا مكنتش محضر نفسي و هي مشيت من غير ما تخد فلوسها بس هي ها تيجي بكرا
– طب أنا عاوزك لما تيجي لك هي بكرا ما تتدهاش الفلوس بتاعتها و لا تخليها تتطول منك جنية
– ليه يعني ؟.
– خدمة لأخوك و حبيبك و صاحبك
-خدمة اخويا و صاحبي و حبيبي في إن اجامله ارد له جميل لكن اكل حق الناس و مين الناس دي واحدة ست لا حول ليها و لا قوة !
– الاه هي أول مرة يعني تخدمني يعني يا فضل ما تخدمني يا جدع ما تبقاش بارد كدا
– تصدق إن أنا غلطان إن حكيت لك
– يا ابني افهم أنا عاوزها تكلمني
– ليه بقى إن شاء الله؟
– ها فهمك بعدين بس أنا محتاج لك اوي في الموضوع دا
– الله دا الحكاية باين عليها حلوة أوي طب ما ترسيني عشان اعرف أنا بعمل إيه بدل ما اهبب الدنيا !
– ماهو أنت لسانك طويل و ها تروح تقول لـ بابا و الموضوع دا بالذات ماينفعش بابا يعرفه غير لما يتم
رد ” فضل ” بهدوءٍ و هو يرفع كفيها لأعلى و قال بإبتسامة عريضة قائلًا:
– لأ واحد ة واحد ة كدا عشان الدنيا تو ضح معايا عشان أنا بحب التفاصيل و شكل الحوار طويل و تقيل و كله تفاصيل، استنى اطلب لنا اتنين قهوة دوبل و بعدها نعيش مع بعض في حكايتك
❈-❈-❈
بدء ” شهاب” يسرد له تفاصيل قصة عشقه معها يعلم أنه سوف يقع تحت وصف المجذوب و لكن هو وشم على قلبه عشقها، و أبى أن يزيله، لم يتعجب ” فضل” من هذه القصة بل يؤمن بها جيدًا و يعلم أن كل شئ في هذه الدنيا قدر و مكتوب للإنسان قبل الولادة، و أنه يعترف بالعشق من النظرة الأولى ظل يستمع إلى قصته و علامات الدهشة و الذهول تعتريان وجهه، تنهد بعمقٍ و هو يستند براحة يـ ـده أسفل خده و قال بنبرة حائرة:
– مش عارف إن كنت أنت صح و لا غلط بس اللي متأ كد منه إن اللي اسمها نبيلة دي قدرت تنسيك حب دام خمس سنين في نظرة عين
لأ و كمان عاوز تتــجـ ـوزها
تابع بخجلًا و قال بعتذار:
– معلش يعني يا شهاب إيه اللي يخليك
تتـ ـجو ز واحدة كانت متجـ ـوزة لأ و مخلفة و عندها مشاكل الدنيا و الآخرة مع جـ ـوزها و لا طليقها دا كمان ؟ إيه المميز فيها خلاك تتشد لها اوي كدا يعني مش فاهم بردو ؟!
رد ” شهاب”بنبرة صادقة و قال بحزنٍ دفين و هو يرفع كتفيه قائلًا:
– هاتصدقني لو قلت لك مش عارف، أنا كنت بتعامل بطبيعتي و هي نفس الشئ و يمكن دا اللي خلاني ارتاح لها فكرة إنها متـ ـجوزة و مخلفة دي مش فارقة معايا نهائي أنا بحبها و عاوز اتجـ ـوزها النهاردا قبل بكرا، مشكلتي معاها في كل مرة عاوز اعترف لها بالحب دا بيكون الوقت مش مناسب أبدًا و لا حتى الظروف مساعدة آخرهم النهاردا كنت محتار اطمن على بنتها اللي ما شافتهاش ولا اقل لها أنا بحبك و عاوز اتجـ ـوزك و لا إيه بالظبط حقيقي كنت محتار بطريقة غريبة فجأة
لا قيت نفسي و بدون أي مقدمات بعترف لها
ختم حديثه و هو يحرك رأسه ضاممًا شفتاه و قال:
– و للأسف عكيت الدنيا مش عارف أنا صح و لا أنا غلط و المفروض عليا أعمل إيه
– و الله يا صاحبي حكايتك و لا بتوع السيما زي ما بيقولوا بس هو أنا صح في حاجات وغلط في حاجات عندك سوء توقيت على تسرع و كل حاجة كانت ممكن تشمي كويس لو اخترت الوقت الصح بس للأسف تسرعك و لهفتك خوفتها منك او هي خافت إنك تفهمها غلط معرفش طريقة تفكيرها إيه بس عمومًا هي أكيد لو اتعرض عليا الموضوع من تاني بشكل أفضل ها يبقى كل الأمور ظبطت معاك جربي تاني كدا مش ها تخسر حاجة
– المشكلة إني مش عارف اوصل لها نهائي و لا حتى عارف عنوانها فين و مافيش غيرك هو اللي ها يعرف يرجعني لنقطة البداية و ابدء من جديد يمكن الدنيا تتظبط من تاني
طالعه ” فضل” و حاول أن يقرأ تعابير وجهه عله يعرف ما يدور بخلده، أما ” شهاب” فـ كان الأمر غاية في الأهمية بالنسبة له، ترك صديقه يفكر بالأمر، و عاد هو إلى حياته ليُنهي عمله الذي تجاوز الستة أشهر معلقًا بين السماء و الأرض.
❈-❈-❈
في مكانٍ آخر و تحديدًا في منزل “نبيلة ” كانت جالسة تسرد لأختها ما حدث من البداية،و حتى هذه اللحظة التي جلست تتحدث عن ما حدث، كانت ” دعاء” تؤ يدها في البعض و توبخها في البعض الآخر، استوقفتها متسائلة بجدية و هي ترتشف من قدح قهوتها قائلة:
– أنا عاوزة اروح اتخانق مع اللي اسمه فضل دا عشان أخد فلوسي منه
– و ها تروحي تتخانقي معاهم إمتى ؟
– بكرا
– و ليه مش دلوقتي يافقرية ؟
ردت ” نبيلة ” وهي ترتشف من قدح قهوتها قائلة بشرود و كأن الأمر غاية في الخطورة
– الجو ساقعة و كسلانة انزل دلوقت ابقى انزل بكرا بقى
رفعت “دعاء” وجهها إلى السماء و قالت بنبرة جاهدت كثيرًا في أن تتحكم بها
– الصبر من عندك يارب !
تابعت بنبرة مغتاظة قائلة:
– بقى ليكي عند الناس عشر الاف جنية و مكسلة تتخانقي معاهم ياشيخة منك لله هاتي لي شوية برود من اللي عندك دول عشان اعرف اعيش مع الناس اللي عايشة معاهم
– يا بت افهمي أنا مش بس مكسلة ارجع تاني أنا خايفة يطلع لي تاني شهاب .
– يا ختي ما يطلع تاني و لا تالت و لا حتى مليون فيها إيه يعني؟!
– فيها إن جـ ـوزي لسه مش عارفة مكانه و حتي اوصل لبنتي و إن كنت رحت للي اسمه فضل دا فأنا رحت له عشان اعمل محاولة واحرك عبد الكريم من مكانه اللي متنيل مستخبي و اهو يمكن ربنا يسهلها و ارجع لجـ ـوزي واربي بنتي .
– جـ ـوزك سلامات يا جـ ـوزك مش جـ ـوزك دا اللي قال عليكي إنك ماشية مع اللي اسمه شهاب و اللي في بطنك مش بنته !
ردت ” نبيلة” قائلة بعقلانية
– لو جيتي للحق هو معاه حق أنا غلطانة اني ماقلتش اني بشتغل معاه و رحت له بيته لأ و كنت لوحدي و أنا عروسة بقالي شهر، و فوق كل دا يشوفني في المول و هو واقف يكلمني يعني من حقه يتجنن مش بس يشك فيا !!
تابعت بنبرة حزينة
– عبده عمره ما كان وحش فيا ولا عمره استخسر فيا حاجة كل كان بيعمله عشان يبرد ناره
ردت ” دعاء” بنبرة ساخرة و قالت
-و لما اغتصـ
قاطعها ” نبيلة” بعصبية قائلة :
– دعاء أنتِ عاوزة إيه بالظبط ؟
– عاوزكِ تفكري بعقلك و تشوفي فين مصلحتك
– قصدك إيه ؟
– قصدي إن لو شهاب ناوي يتقدم رسمي و يتجـ ـوزك يبقى ليه لأ اهو على الأقل احسن من سلفك اللي وشه مكشوف و لا هامه كبير و لا صغير
سألتها بنبرة ساخرة قائلة
– إيه اتجـ ـوز شهاب ؟ طب و بنتي اللي معرفش عنها حاجة دي إيه ملهاش أي اعتبار
أجابتها مقاطعة بنبرة حادة قائلة:
– مافيش حاجة اسمها ملهاش اعتبار ، بس هتعملي إيه أكتر من اللي عملتي يعني و بعدين الراجل شاريكي و عاوزك و عاوز اللي فوق كل دا مقتدر و يقدر يفرش لك الأرض ورد و أنتِ الأولى و بأذن الله الأخيرة مش
تتـ ـجوزي واحد متـ ـجوز و مش لاقي حتى حق اللقمة لنفسه، و بعدين احنا ها نروح بعيد ليه افضلي زي ما أنتِ و شوفي هو هيدور عليكي و يوصل لك ولا لأ لو وصلك يبقى هو عافر عشان يوصلك و يبقى ليه الهروب من المكتوب ؟
تنهدت ” نبيلة ” و هي تنظر لأختها لم تحدثها بكلمة واحدة و لكنها اكتفت بالصمت، وقعت حائرة بين براثن التفكير و السبب في ذلك هو شهاب .
بعد مرور عدة أيام
عادت ” نبيلة ” إلى شركة فضل صديق شهاب
طلبت منه المبلغ الذي وعدها بأن تأخذه في الموعد المحدد، كان حائرًا لا يعرف ماذا يفعل يُعطي لها النقود أو يطلب منها الانتظار حتى من مأزقه المادي الكاذب، لا يعرف شيئًا سوى أنه مد يــ ـده لها بظرفٍ به النقود المطلوبة، قامت بعدها و تأكدت أنها كاملة، وقفت عن مقعدها و قالت بامتنان
– متشكرة جدًا يا أستاذ فضل و آسفة على أي إزعاج سببته لحضرتك
– مافيش داعي للإعتذار دا حقك
– بردو واحد غيرك مكنش اتحمل مني كلمة قليلة الذوق زي اللي قلتها لك قبل كدا !
– ما تقوليش كدا دا حقك، مدام نبيلة ممكن اتكلم مع حضرتك ثواني بس
– خير ؟
-هو خير طبعًا لو أنتِ حابة كدا
– مش فاهمة قصد حضرتك ؟!
– شهاب صاحبي
– ماله ؟
-و الله مش عارف اقول إيه هو يعني كان كان
– كان كان أنا مش فاهمة حضرتك متلغبط ليه ؟
متلغبط عشان خايف يُعك الدنيا زي أنا كدا عشان كدا هو متلغبط، عموما أنا جيت بنفسي عشان افهمك انا عاوز ايه بالظبط
كانت هذه العبارة لـ شهاب قالها و هو يلج من باب المكتب، ضرب ” فضل ” بيده على وجهه ما أن رَ صديقه يحدثها بكل أريحية و كأنها ز و جته و يعتذر لها عن تأخرهُ عنها، ما طلبه منه والد شهاب فشل فيه و السبب تسرع صديقه و الالحاق بها
جلس ” شهاب” على المقعد المقابل لـ مقعدها و طلب منه أن يتركهما لدقيقتين لم يكن أمامه سوى الموافقة لـ بوالد شهاب و يخبره ما حدث و ان الأمر اصبح خارج سيطرته .
طال النظر بينهما و الصمت سيد الموقف إلى أن طلبت منه” نبيلة ” أن يتحدث و يخرج ما جعبته
حتى تضع كلمة النهاية و تسدل الستار على هذا الأمر، بدأ يسرد لها كيف وقع في حبها من النظرة الاول رغم كل الحيطة و الحذر الشديدان إلا إنه
و قع و ا نتهى أمره.
– و الله حاولت كتير افكر في حاجة غيرك اشغل نفسي بالشغل اعيش حياتي زي الأول بس كل دا كان بيبقى انشغال مؤقت و آخر الليل اغمض و ما افكرش في حاجة غيرك أنا بحبك يا نبيلة
ردت ” نبيلة ” مقاطعة بجدية
– أستاذ شهاب ياريت يكون في تحفظ في الكلام معايا أنا ست متجوزة و جوزي كان راجل جدع و اصيل معاك و مش معقول تكون دي أبدًا رد المعروف له وكفاية اوي اللي صدر منك لحد كدا أنت ليه مش حاسس بالذنب لحد دلوقتي أنا واحدة بنتها راحت منها و أنت جاي تقولي بحبك !!
فرغ فاه ليتحدث لكنها قاطعته قائلة برجاء
– ارجوك خليني اكمل للآخر انا مش عاوزة لا اتجـ ـوز و لا اعيش حياتي مع حد تاني أنا بحاول اقف على رجلي عشان الاقي بنتي أنا لو حتى وافقتك على اللي بتقوله دا يبقى انا كدا فعلا كنت بخون عبد الكريم و فعلا كان في بنا حاجة و إن أنا اللي وحشة و دا ذنب كبير اوي عمري هتحمله و ياريت تقفل الموضوع على كدا عن اذنك .
❈-❈-❈
وثبت عن المقعد قبل أن تستمع إلى رده على حديثها لم يعد يعنيها ما يريد قوله هي وضعت كلم النهاية و انتهى الأمر، أما هو ازاح بيده بعض الملفات الموضوعة على سطح المكتب الخشبي و هو يحاول كظم غضبه الشديد، لماذا كلما شعر أن الحياة بدأت أن تبتسم له تتحول حياة لـ جحيم هكذا .
ظل يتنفس بعمقٍ و هو ينظر في اللا شئ للمرة الثانية على التوالي فشلت محاولاته في اقناعها بالزواج منه، ماذا يفعل لترضى عنه و تمنحه شرف الموافقة على ما يبدو أنها عنيدة و لا توافق بالسهولة التي كان يظنها.
معركة جديدة دخلها مع والده تطورت إلى أن يصفعه أمام صديقه المقرب لأول مرة في حياته، نعته بالمجذوب و ان ما فعله و ما يفعله يفوق حد التحمل، يركض خلف ارملة تحاول جاهدة العيش بسلامة لـ تستقبل جنينها الأول دون أي خلافات مع اي شخص و ابنه يتسبب لها في عدة مشاكل ابسطها حرمانها من طفلتها، غارد ” شهاب” الشركة و البيت بل البلد بأكملها، ود الهروب و ناله
لم يكترث والده لهذا بل حمد ربه على انه اتخذ قرارٍ كهذا .
على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل والدة عبد الكريم كانت واقفة أمام حفيدها تحاول أن تضمض له الجرح لكنه رفض و قال بمللٍ
– ما خلاص بقى ياستي رجلي خفت اهي و العلاج جاب نتيجة الحمد لله
– طب خليها النهاردا بس فارس
– لأ يا ستي أنتِ كل يوم تقولي انا زهقت منها خلاص و الحمد لله الوجع بتاع رجلي راح
– طب يلا عشان اتأخرنا على النتيجة
– يا ستي متقلقيش ناجح ناجح
– و جبت الثقة دي منين يا خويا
– اصل مافيش فارس بيسقط
– طب يا فالح اما نشوف
خرج الأثنان من البيت متجهين حيث المدرسة التي يتعلم فيها ” فارس” و هي على بُعد عشر دقائق تقريبًا من البيت، هذه المرة الأولى التي يخرج فيها منذ أكثر من شهر تقريبا كان يلقي التحية على كل من يمر عليه، كانت جدته تضربه على مؤخرة رأسه بخفة معاتبة إياه على هذه الحركة فـ يبتسم و يعتذر لها و يكررها ليباغتها، استوقفها عند أحد بائعي الاطعمة الجاهزة وقال بإشتهاء
– ستي عاوز واحد كريب تعالي نأكل الاول
– يا خويا ليك نفس تأكل دا انا بطني واجعاني و خايفة من النتيجة
– يا ستي أنا مليش دعوة عاوز أكل
– تعال بس ها نشوف النتيجة و بعدها هاعمل لك اللي أنت عاوزه
زفر بحنق و قال بضيق و هو ينظر إليها و قال
– ماشي
ظل ” فارس” حديثها في صمت لا يعرف كيف يخبر جدته أنه. رَ والده يحمل عمه على كتفه و ولج شقته هو بالنهاية طفل تجاوز العشر أعوام بقليل كيف له أن يتحدث في موضوعًا كهذا أو يصدقه من الأساس. ران الصمت لثوانٍ معدودة قبل أن تتابع سيرها، وصلت إلى المدرسة أخيرًا لتتفاجئ بحديث المدرسين
والمدرسات ما أن ولج فارس مع جدته
– فارس إيه اللي جابك يا واد احنا ما صدقنا ارتحنا منك
ردت جدته و هي تحاول رسم الإبتسامة على شفتاها و قالت
– جاين نشوف النتيجة بتاعته
ردت إحدى المدرسات و قالت
– ناجح بإذن الله دا انا بدعي لك اكتر ما بدعي لابني و امنية حياتي تمشي من المدرسة قبل مااطلع معاش والله يافارس
نظر “فارس” لجدته وقالت بإبتسامة واسعة:
– شايفة يا ستي الابلة بتحبني ازاي و مش عاوزاني اسيب المدرسة ؟! عشان اقولك بيحبوني عشان كدا بيسقطوني مبتصدقنيش
ردت الجدة وهي تسير بجانبه وقالت بنبرة ذاهلة
– إيه ياواد يا فارس أنت عامل إيه للمدرسين في المدرسة دا كله بيدعي تخرج منها
– دا حب يا ستي
– حب إيه دا شوية وهيطفوش من المدرسة بسببك ؟!
– لا هما بيحبوني نفس حب مرات ابويا كدا ليا بالظبط
ضربته بخفة على مؤخرة رأسه وقالت
– و كمان ليك نفس تهزر يا بارد امشي قدامي خلينا نشوف النتيجة .
كادت أن تتجه لمكتب المدير لكن توقفت فجأة من إن صدح رنين هاتفها، نظرت لشاشته ثم ناولته لحفيدها وقالت:
– خد يا فارس شوف مين الرقم الغريب دا كدا احسن يكون حد بيعاكس
ضغط ” فارس” على زر الإجابة و قال:
-الو و عليكم السلام مين !! عمي عبد الكريم !
نظرت لجدته ثم قال بدهشة
– الحقي يا ستي عمي عبد الكريم بيعط و بيقول رقية راحت مني .
يتبع
الفصل الثالث عشر
==========
نظر “فارس” لجدته وقالت بإبتسامة واسعة:
– شايفة يا ستي الابلة بتحبني ازاي و مش عاوزاني اسيب المدرسة ؟! عشان اقولك بيحبوني عشان كدا بيسقطوني مبتصدقنيش
ردت الجدة وهي تسير بجانبه وقالت بنبرة ذاهلة
– إيه ياواد يا فارس أنت عامل إيه للمدرسين في المدرسة دا كله بيدعي تخرج منها
– دا حب يا ستي
– حب إيه دا شوية وهيطفوش من المدرسة بسببك ؟!
– لا هما بيحبوني نفس حب مرات ابويا كدا ليا بالظبط
ضربته بخفة على مؤخرة رأسه وقالت
– و كمان ليك نفس تهزر يا بارد امشي قدامي خلينا نشوف النتيجة .
كادت أن تتجه لمكتب المدير لكن توقفت فجأة من إن صدح رنين هاتفها، نظرت لشاشته ثم ناولته لحفيدها وقالت:
– خد يا فارس شوف مين الرقم الغريب دا كدا احسن يكون حد بيعاكس
ضغط ” فارس” على زر الإجابة و قال:
-الو و عليكم السلام مين !! عمي عبد الكريم !
نظرت لجدته ثم قال بدهشة
– الحقي يا ستي عمي عبد الكريم بيعط و بيقول رقية راحت مني .
ردت والدة عبد الكريم بلهفة قائلة:
– راحت منه ازاي يا لهوي ؟!
تابعت بنبرة مر تفعة و هي تمد يـ ـدها له قائلة بنبرة آمرة
– هات يا واد التليفون دا كدا و ريني
ردت على ولدها بلهفة قائلة:
-الو عبد الكريم، الو أنت رحت فين يا عبده ؟!
نظرت لحفيدها ثم قالت بضيق
– عمك مردش يا واد
تابعت بنبرة مرتعشة
-امسك هاته لي على التليفون تاني كدا
التقط “فارس”من يـ ـده الهاتف و قال:
-حاضر يا ستي
مرت دقيقة تلوى الأخرى و لم يأتيهما الرد من عمه ” عبد الكر يم ” بينما كان هو يقف مقابلة الطبيب يستمع لـ تعليماته حين قال بجدية و عملية
– البنت محتاجة عندها التهاب في الشُعب الهوائية و محتاجة لـ جلسات بخار كل أربع ساعات حالتها حاليًا مش مستقرة
سأله “عبد الكريم ” بعدم فهم و قال بنبرة متلعثمة :
– طب قل المفروض اعمل إيه يا دكتور و أنا اعمله ؟!
رد الطبيب بتساؤل
-فين مامتها ؟!
لحظات من الصمت التام سادت المكان ليبترها ” عبد الكر يم ” قائلًا بجمود
– أمها ما تت يا دكتور، ما تت و هي بتولدها و بنتي ملهاش غيري بعد ربنا .
حرك الطبيب رأسه ثم قال بعطف و شفقة
– البقاء لله
تابع بجدية و عملية :
– عموما أنا هكتب لك على العلاج اللازم و لازم تاخده في معاده و بالنسبة لمواعيد جلسات البخار مافيش تأخير فيها تيجي هنا العيادة و الممرضة هتعملك اللازم .
❈-❈-❈
في المساء
جلس بتعبٍ و إنهاك بعد أن قضى أكثر من ثلاث ساعات في عمل تحفة فنية جديدة من تصميماته الوضع بهذه الطريقة لم يعد كافيًا لقضاء اعماله العالقة، منذ مرض ابنته و تبدل حاله رأ سًا على عقب، كاد أن يغلق عيناه لـ يأخذ قسطًا من الراحة قبل موعد جلسة البخار الجديدة استيقظت الصغيرة و دوت صرخاتها المكان اعتدلت من جلسته، حملها و اعتذر لها مرارًا و تكرارًا و هو يجوب المكان ذهابًا إيابًا
طرقات خفيفة كانت على باب شقته، اتجه بها حيث الباب، فتح ليجدها ماثلة أمامه، ابتسم لها قال بنبرته المتلعثمة
– اهلًا يا خيرية
تابع بعتذار و قال:
– مش هقدر اقولك اتفضلي ما أنتِ عارفة ظروفي
ردت بإبتسامة خفيفة قائلة:
-و لا يهمك عارفة طبعًا، أمي سمعت صوت رقية قالت اجاي اطمن عليها هي لسه تعبانة ؟!
-اه لسه تعبانة ادعي لها
– ربنا يشفيها يارب و يقومها لك بالسلامة
تابعت بإقتراح قائلة:
– طب هاتها عنك أنت شوية و ارتاح و لما يجي معاد الجلسة هبقى اخدها و انزل
رد “عبد الكر يم ” و قال بإبتسامة خفيفة
– شكرًا يا خيرية مش عاوز اتعبك معايا
– مافيش تعب و لا حاجة ها تها أنت بس و ارتاح لك ساعتين .
رد “عبد الكريم” بعتذار
– لا معلش سيبها أنا شوية كدا و نازل
ردت ” خيرية” بإحراج و قالت :
– على راحتك أنا حبيت بس اساعدك
-شكرًا شايلك للتقيلة .
❈-❈-❈
بعد مرور ساعة
كان جالسًا على حافة سرير الكشف داخل عيادة طبيب الأطفال، حاملًا بين ذراعيه صغيرته التي تحاول بشتى الطرق إبعاد القناع عن وجهها لكنه يتوسلها بأن تبقى هادئة حتى نهاية الجلسة، و بين هذا و ذاك انتهت الجلسة
على خير، غادر العيادة على وعد بـ لقاءٍ جديد
في موعده المحدد و لن يتأخر ثانيةً، الأمر برمته لا يُعجبه، الصغيرة تحتاج لرعاية خاصة
و عمله لن يدوم هكذا عليه أن يختار إما عمله أو الزواج بأخرى تهتم بإبنته .
❈-❈-❈
بعد مرور عشر أيام
كان “فارس” يسير جوار جدته جنبًا إلى لزيارة أكد الأرقاب تقابلت مع ” نبيلة” استوقفتها قائلة بشبح ابتسامة
– ازيك يا خالتي نبيلة
– ازيك أنت يا فارس بقالي كتير مش بشوفك كدا متسألش عليا، قل لي أنت عامل إيه دلوقت ؟!
– الحمد لله كويس
– دايما يارب يا حبيبي قل لي عملت إيه في النتيجة
– نجحت
– بجد مبروك يا حبيبي عقبال الدكتوراه يلا بقى اتجدعان كدا عشان تبقى دكتورة شاطر و اجاي اكشف عندك ببلاش
تابعت حديثها و هي تتدس يدها في حقيبتها الجلدية و قالت بحنو و حب
– خد يا فارس
– إيه دي ؟!
– دي هدية نجاحك يا حبيبي !
كاد أن يأخذها منها لكن يد جدته منعته و تفاجئ بها تعيدها لها قائلة بنبرة لا تقبل النقاش
– خلي فلوسك معاكِ فارس مش محتاج منك حاجة
تعجبت ” نبيلة ” من حديثة والدة
عبد الكر يم، نظرت لها و قالت بإستفهام
– أنتِ بتعملي معايا كدا ليه مانعاني اشوفه و مانعة الواد يجي لي و دلوقتي بتقولي مش عاوز منك حاجة ليه عملت إيه لكل دا فهميني أنا في الأول و الآخر مرات عمه مش حد غريب
ردت والدة عبد الكريم قائلة بسخرية
– عندك حق مش غريبة امبارح كنتِ مرات عمه و دلوقتي هتبقي مرات ابوه
– مين قال لك كدا انا رافضة الجوازة دي و مش عاوزة ولا طايقة ابنك و
– بصي بقى يا نبيلة طايقة ابني و لا لأ دا شئ يرجع لك أنا خلاص مبقاش ليا كلمة في البيت حمدي استقوى عليا بعد الله عبد الكريم ما راح و انا قاعدة هنا عشان اربي الغلبان دا في اليومين اللي فاضلين ليا في الدنيا
تتجوزي تتطلقي مليش دعوة بيكي و موضوع انك مغصوبة دا معلش مش قادرة ابلعها اصلا أنا ست و اعرف كويس قوي إن مافيش ست بتتـ ـجوز غصب عنها لآخر مرة بحذرك فيها ابعدي عن فارس لا أنتِ مرات عمه و لا عاوزين منك حاجة
ختم جدته حديثها و هي تجذبه من مؤخرة رأسه و قالت بغضبٍ مكتوم
– يلا يا واد و حسك عينك تكلمها و الله ماحد معلمك الأدب غيري فاهم و لا لأ؟
– حاضر يا ستي
عادت ” نبيلة” إلى بيتها و الغيظ و الغضب يتملكانها، جلست على الأريكة تعض على
أنا ملها من الغيظ، خرجت اختها من المطبخ و قالت بنبرة متعجبة قائلة
– أنتِ جيتي إمتى ؟ أنتِ مش لسه نازلة
-شايفة عمايل أم عبده
– مالها عملت إيه ؟
– فاكراني إني أنا اللي اخدت بنتي و هر بت مش ابنها لأ و كمان أنا اللي عاوزة اتجـ ـوز المحروس اللي اسمه حمدي
– أنتِ بتتكلمي بجد و لا بتهزري ؟
– دا شكل واحدة بتهزر يا دعاء بردو ؟!
– اصل مستحيل اصدق إن الست دي بتفكر كدا
– قصدك إن انا اللي بقول كلام من عندي و خلاص ؟!
– يا حبيبتي افهمي بس اقصد إن ازاي هي مقتنعة اصلا بالكلام اللي بتقولوا دا
– معرفش بقى يا دعاء أنا مش عارفة كل ما احلها من ناحية تتعقد من الناحية التانية ليه ؟!
– يا اختي سيبك منهم و شوفي رزقك لو قعدتي تبصي لـ كلمة دي و أمر دا مش ها تخلصي
طالعتها نبيلة بنظراتٍ حائرة لا تعرف ماذا تفعل هل تخبرهم بما فعله ز و جها قبل رحيله أم تنتظر حتى يكتشفون هذا بأنفسهم، تنهدت بعمقٍ و قالت:
– خايفة يا بت يا دعاء يعرفوا إن عبده كتب لي الدكان و الشقة بإسمي
– و إيه اللي يعرفهم يا عبيطة احنا نفضل ساكتين طول ما هما ساكتين لو حد اتكلم نبقى نقول إن عبد الكريم حب يصالحك لما كنتي غضبانة و ما تجبيش سيرة إنه كتبهم قبل الجـ ـواز
– ربنا يسترها يا بت يا دعاء أنا خايفة، خايفة إيه دا أنا مرعوبة
❈-❈-❈
في مساء نفس اليوم
داخل منزل شقة والد نبيلة كانت جالسة تلاعب ابن اختها حتى يهدأ قليلًا، نفذت كل محاولاتها كانت اختها تنهي بعض الاعمال اليدوية في شقتها لـ تقوم ببيعها حتي تستطع أن تسد ديون ز و جها المتراكمة و التي تسببت في بيع معظم أثاث البيت، كما قامت بحـ ـجز ز و جها في أحد المصحات المعالجة للادمان، ليتعافى من هذه المخدرات التي أكلت الأخضر و اليابس، صوت قرع الناقوس لا يهدأ ابدًا بل و زادت الطرقات على باب الشقة الذي كاد أن ينكسر على إثر الطارقات العالية، انقبض قلبها و تمتمت بالبسملة و سارت بخطواتها السريعة قليلًا لـ تعرف ما الذي حدث، قامت بفتح الباب
و جدت ز و جة حمدي و ممدوح امامها، نظرت لهن و قالت:
– خير إيه القيامة قامت بتعملوا كدا ليه آآآه
و قبل أن تكمل حديثها جذبتها زوجة حمدي تحديدًا من خصلات شعرها و قامت بضربها ضربًا مبرح، في اجزاء متفرقة من جسدها، حاولت الاستنجاد من بين براثنهن و لكنها فشلت ظلت تردد زوجة حمدي حديثها بغيظٍ قائلة:
– بقى أنتِ عاوزة تخطفي جوزي يا خطافة الرجالة و الله ما أنتِ قاعدة فيها و لازم اعرف الناس كلها حقيقتك
كانت صرخات نبيلة تدوي في المكان محاولة الاستنجاد بـ أحدهم، و لم ينجدها أحد، كان فارس يشاهد ما يحدث بأعين دامعة لا يعرف ماذا يفعل لـ ينقذها من بين براثن ز و جة أبيه هرول و هو ينادي لـ جدته لكنها لم تتحرك قيد أنملة قائلة بجمود:
– خليهم يعلموها الأدب
– يا ستي مرات عمي ها تموت
– ما تموت مالك عامل عليها كدا ليه ما هي اللي عاوزة تاخد أبوك من أمك ثم تعال هنا قل لي مش أنا يا واد قلت لك مترحش هنا و لو رحت ها قطـ ـع لك رجلك ؟!
– عشان خاطري يا ستي قومي خلي أمي تسكت و بعدين اقطـ ـعي لي رجلي زي ما أنتِ عاوزة .
– اقعد هنا احنا لا شوفنا حاجة و لا نعرف حاجة و حسك عينك لو حد سألك ترد و تقول على حاجة شفتها.
❈-❈-❈
بعد مرور ساعة
انتقلت “نبيلة ” للمشفى بعد أن تلقت ضربًا مبرحًا انتهَ بدفعها على سلالم الدرج، تم عمل اللازم لها خرج الطبيب من غرفتها بالمشفى و أخبرهم بأن الحال ليست على ما يرام و أن ما تعرضت له ليس سقوطًا من على سلالم الدرج بل الأمر أكبر من ذلك، و ترك و الد نبيلة يوجه إصبع السبابة في وجه الجميع و قال بوعيد :
– و الله لا اوديكم في داهية و اخرب بيتكم و حق بنتي ها عرف اجيبه يا عيلة ما تعرفش ربنا
نظر ” حمدي” يمينا و يسارًا ثم قبض على ياقة قميص والد ” نبيلة ” و قال من بين أسنانه
– اسمع بقى اما اقل لك كتر كلام ما بحبش أنت بنتك وقعت من على السلم هو دا الكلام اللي ها تقوله لـ الحكومة لما تيجي تسألك لو كنا عملنا زمان حساب لأخويا فـ هو راح ما تخليش بنتك أنت كمان تحصله و تروح منك بس المرة دي هتروح سكة اللي يروح ما يرجعش خليك جدع و اسمع الكلام عشان احبك خد بنتك و خليها تروح على بيتك بنتك ملهاش عندنا حاجة
ارتعد والد نبيلة من تحذيرات ذاك الغليظ، ظل صامتٍ و لا ينبث بنبت شفة، غادر حمدي و عائلته بعد أن القى ما جعبته، أما والدها جلس على المقعد و وضع رأسه بين كفيه
و الحزن يعتري قلبه، سقطت دموعه من يائسه و قلة حيلته، أتت ابنته دعاء تتوعد لهما و تهددهم لكنه منعها و قال بخوفًا عليها
– لأ يا بنتي دول عالم جبابرة ملناش دعوة بيهم احمدي ربنا إن اختك طلعت منها و ادعي لها ربنا يقومها بالسلامة و تعدي المحنة دي على خير بقى
– يابا حرام عليك حق اختي يضيع
– مش احسن من إن اختك نفسها اللي تضيع اعمل أنا ايه يا بنتي و أنا راجل كبير في السن وسط ناس جبابرة زي دول ؟
بعد مرور يومين
من التعب الذي حل على الجميع بمكوثهم في المشفى طلبت دعاء من أبيها أن يعود لـ البيت مع والد تها و ابنها لـ يأخذوا قسطًا من الراحة
و بقت هي مع شقيقتها جالسة على السرير المقابلة تنظر لها و للكدمات التي اخفت ملامح وجهها تمامًا، صدح رنين هاتفها للمرة المئة بعد الالف، استجمعت شجعتها و ضغطت على زر الإجابة وهي تقول بخفوت، متجهة نحو الشرفة
– لا أنا مش نبيلة أنا دعاء أختها، اهلا بحضرتك للأسف يا استاذ شهاب نبيلة مش بخير انا هاحكي لك كل حاجة يمكن تقدر ترد لها حقها اختي في المستشفى و بسبب عيلة طليقها الله يسامحه مطرح ما هو قاغد بقى بص انا ها حكي لك من البداية اللي حصل بس بالله عليك ما تقول إن أنا اللي قلت احسن تقاطعني فيها ماشي هابعت لك العنوان
بعد مرور ساعة تقريبًا
كان ” شهاب” واقفًا في غرفة ” نبيلة” يطحن أسنانه من فرط غيظه، أما هي كانت نائمة إثر المهدئات الطبية التي يصفها لها الطبيب نظر لها ثم عاد ببصره لأختها و قال
– هي بقالها قد إيه على الحالة دي ؟
– بقالها يومين لا أكل و لا شرب
ولج ” فارس” خلف جدته التي وقفت لتطمئن على حالة تلك المسكينة، نظرت له و قالت بفضول
– مين حضر تك ؟
– دا الاستاذ شهاب الشناوي يا أم عبده و كان بيزور مريض هنا و عرف إن نبيلة تعبان قال أما يطمن عليها
– أنت شهاب اللي بهدلت ابني و ماشي مع مراته و يا ترى عرفت إن بنتك ماتت هي كمان و لا لسه ؟
ردت ” نبيلة ” بتساؤل و قالت بعدم فهم
– بنت مين اللي ماتت ؟!
تجاهلت والدة عبد الكريم سؤالها، و تابعت بشماتة قائلة:
الحمد لله إني عشت و شفت اليوم دا بنتك ماتت يا شهاب بيه عشان تعرف الحرام عمره ما بيدوم ابدًا دوق من نفس الكاس اللي ابنه داق منه اوعى تكون فاكر إن بنتك دي ها تعيش و تشيل اسم ابني والله ما حصلت و لا هاتحصل ابدًا طول ما أنا عايشة و اللي كنت ناوية اعمله ربك عمله من غير ما الطخ ايـ ـدي بدم طفلة بريئة مالهاش أي ذنب غير إنها بنت زاني و زانية
يتبع
الفصل الرابع عشر
==========
كان ” شهاب” واقفًا في غرفة ” نبيلة” يطحن أسنانه من فرط غيظه، أما هي كانت نائمة إثر المهدئات الطبية التي يصفها لها الطبيب نظر لها ثم عاد ببصره لأختها و قال
– هي بقالها قد إيه على الحالة دي ؟
– بقالها يومين لا أكل و لا شرب
ولج ” فارس” خلف جدته التي وقفت لتطمئن على حالة تلك المسكينة، نظرت له و قالت بفضول
– مين حضر تك ؟
– دا الاستاذ شهاب الشناوي يا أم عبده و كان بيزور مريض هنا و عرف إن نبيلة تعبان قال أما يطمن عليها
– أنت شهاب اللي بهدلت ابني و ماشي مع مراته و يا ترى عرفت إن بنتك ماتت هي كمان و لا لسه ؟
استيقظت ” نبيلة ” إثر صوت والدة عبد الكريم الغاضب و هو يقفذها بأبشع الالفاظ، التقطت أذنها آخر كلماتها عن ابنتها التي لم تراها طيلة هذه ردت بتساؤل و قالت بعدم فهم:
– بنت مين اللي ماتت ؟!
تجاهلت والدة عبد الكريم سؤالها، و تابعت بشماتة قائلة:
الحمد لله إني عشت و شفت اليوم دا بنتك ماتت يا شهاب بيه عشان تعرف الحرام عمره ما بيدوم ابدًا دوق من نفس الكاس اللي ابني داق منه اوعى تكون فاكر إن بنتك دي ها تعيش و تشيل اسم ابني والله ما حصلت و لا هاتحصل ابدًا طول ما أنا عايشة و اللي كنت ناوية اعمله ربك عمله من غير ما الطخ ايـ ـدي بدم طفلة بريئة مالهاش أي ذنب غير إنها بنت زاني و زانية
حدجها ” شهاب ” و قال من بين أسنانه
– لولا إنك ست كبيرة أنا كنت رديت عليكي رد مكن هيعجبك بس معلش أنا هعرفكم مين هو شهاب اللي تتكلموا عنه كدا !
❈-❈-❈
لم تنجح والدة عبد الكريم في خطتها و لم تُبعد التهمة عن ولدها، تعلم جيدًا أن الصغيرة ابنة ” عبد الكريم ” و لكن قلب الأم و غزيرة الأمومة دفعتها بأن تقـ ـذف ” نبيلة” بـ شيئًا لم تفعله قط لمجرد أن تُبعد تفكيرهم عن ” عبد الكريم” لم تكن تعلم أن بفعلتها تلك قدمت لهم ولدها على طبقٍ من فضة، فرغ فاها لتُكمل حديثها اللاذع
قاطعتها ” دعاء ” بصفعة قوية لم تتوقعها والدة عبد الكريم من فتاة في مثل عمر ابنائها، اتسعت أعين ” فارس” و هو يرَ جدته تعرضت لـ الضـ ـرب و لأول مرة في عمره يرَ موقفٍ كـ هذا على ما يبدو أنه سيرَ عجب العجاب في هذه العائلة، انتشلته ” دعاء ” من صدمته بصوتها العالِ ليتابع ما تقوله لها بتحذيرًا
و اضح
– حسك عينك تجيبي سيرة أختي على لسـ ـانك تاني اختي أشـ ـرف منك و من أي حد تعرفي اختي جزمتها برقبـ ـتك، و بنتها اللي بتقولي عليها بنت حرام دي تبقى بنت عبد الكريم يعني بنت حلال صدقتي صدقتي ماصدقتيش إن شاء الله عنك ما صدقتي و لو زي ما هي بتقولي كدا ابنك المحروس خدها و مشي ليه ؟! ها ! و بعدين مش مجبرة اني اثبت لك حاجة و اطلعي من هنا بالذوق بدل ما اخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي
ختمت حديثها قائلة بنبرة تحذيرية
– و خلي بالك لتكوني فاهمة إنك لما تيجي هنا و تعملي الشويتين بتوعك دول و ننسى إن ندور على بنتنا و نرجعها لحضـ ـن امها تبقي بتحلمي و قولي لابنك مش هننسى .
❈-❈-❈
خرجت والدة عبد الكريم و هي تجر حفيدها خلفها كالبهائم كاد أن يقع ثلاثة مرات و لكنه حافظ على توازنه، أما شهاب نظر لـ دعاء و قال بجدية
– المكان هنا مش امان انا لازم انقلها فورًا
– مش ها ينفع الدكتور مانعها من الحركة
صمت قليلًا و هو يدس يـ ـده في جيبه لـ يخرج هاتفه المحمول و قال
– خلاص هحاول أأمن لك الدنيا قبل ما امشي
رد بلهفة قائلا:
– فضل بسرعة عاوز ك في موضوع ضروري مش هاينفع على التليفون في خلال نص ساعة بالكتير و تكون عندي و هات معاك الحرس بتوعك ايوة زي ما بقل لك كدا سلام
خرج من غرفتها و هو يقول لـ اختها بجدية
– متخرجيش من الأوضة لحد ما ارجع لك ما تضما نيش إيه اللي ممكن يحصل
– حاضر
بعد مرور نصف ساعة
قررت ” نبيلة” أن تخرج عن صمتها بعد طيلة هذه المدة لتُعلن عن وجودها في غرفتها أخيرًا، غضبت كثيرًا من تصرفات اختها الجنونية هدرت بصوتها الغاضب ما أن خرج ” شهاب” و قالت بحدة:
– أنتِ ازاي تعملي كدا من غير ما ترجعي لي
– كنت عاوزة ارد لك حقك يا نبيلة
– و أنتِ كدا بقى رديتي حقي ؟!
– طبعًا أنتِ مش شايفة من ساعة شهاب ما جه هو و اللي اسمه فضل دا عمله إيه تقولي وزراة الدخلية بنفسها
– أنتِ غبية ما بتفهميش !
– أنا يا نبيلة ؟
– ايوة أنتِ عشان المفروض ربنا مديكي عقل بس حضرتك تقريبا عندك مكان العقل جـ ـزمة قديمة اللي حضرتك عملتي دا معناه إن أنا و شهاب فعلا ماشين مع بعض و ليها حق أم عبده تقول اكتر من كدا ما هو اختي ساعدتها على دا
انهت ” نبيلة ” حديثها بصرخة مدوية و هي تهشم كوب الماء بأحد الجدران، ولج ” فضل”
الذي كان واقفًا امام الباب و قبل أن يطرقه
وصل إلى مسامعه المشاجرة التي نشبت بينهما طرق بخفة و ولج ليجد ” دعاء” تشاهد مايدور حولها بأعين ذاهلا ممزوجة بالدموع، تنحنحت و هي تقترب من اختها في محاولة منها لتهد أتها و قالت
– طيب اهدي و كل حاجة تتصلح
رد ” نبيلة ” بغيظٍ شديد
– غوري من قدامي أنا مش عاوزة اشوف وشك أنتِ السبب منك لله دمرتيني أنتِ اخت أنتِ روحي يا شيخة تتدوقي اللي دوقته
لم تكن تعلم ” دعاء” أن نبيلة يصل بها الحال بأنها تتدعي عليها و ليس لها، على الرغم من أن دعاء لم تخطئ في تصرفها لكن من وجهة نظر أختها مخطئة حتى النخاع، لم تشعر بنفسها إلا و هي تجذب حقيبتها الجلدية و تغادر المشفى و دموعها تنساب على وجنتها، تقابلت مع والديها في الرواق حمـ ـلت ابنها
“جا سر” استوقفتها والدتها منادية قائلة
– في إيه يابت مالك ؟ خُدي هنا فهميني ؟
لم ترد على تساؤلات و الدتها و لم تنتبه لنداء والدها و لم تشعر بشيئًا من الأساس، ولج والديها و هما يتعجبان من الحرس و ذاك الرجل الذي يدعى “فضل” ، سأل العم محمد ماذا حدث و ما الذي يفعله هنا، و في الوقت الذي يعرف فيه كل شئ كانت ز و جته تعرف من ابنتها ردت معاتبة نبيلة و قالت
– اخس عليكِ يا نبيلة هي يعني اختك عملت إيه لـ دا كله
– بردو بتقولي عملت إيه يا ماما بعد كل اللي حكا يته ؟
تابعت بمرارة من بين دموعها قائلة:
– يعني اليوم اللي ابقى عاوزة اعرف عن بنتي حاجة يبقى خبر مو ت بنتي
ولج والدها و قال بنبرة حزينة مما حدثش لابنته الصغرى
– مهما كان يا بنتي مكنش ينفع تتكلمي معاها كدا قدام الراجل الغريب
– يا بابا بقل لك ام عبده اتهمتني بالز نا و قالت إن بنتي بنت حرام و م بس كدا كمانرقالت إن بنتي ما تت يا عالم بتقول بنتي ماتت و أنتوا بتقولوا اختي عملت إيه ؟! أنا في إيه و لا إيه
– و هو أنتِ فاهمة لو اختك ما عملتش كدا كانت ها تقول عليكِ ملاك بجناحات ؟! بردو كانت ها تقول و يا عالم كانت ها تعمل إيه تاني ؟ و بعد تعالي هنا قولي لي هي لو ما تت زي ما بتقول عبد الكريم مرجعش ليه ؟! و لا هو فينه أساسا !
ردت ” نبيلة” بنبرة متأففة قائلة:
– اللي حصل بقى يا بابا
– ليه بس يا بنتي هي اختك ناقصة كفاية
جـ ـوزها و علاجه و ابنها اللي لسه بير ضع و مطلع عينها بأكله اللي عاوز مصاريف قد كدا ها تيجي أنتِ و الزمن كمان عليها !
– معرفش إيه اللي حصل لي يا بابا لما عرفت اللي حصل حست بنار قايدة في قلبي
– تقومي رامية النار دي في وش اختك بردو يا بنتي
– خلاص يا ماما بقى أنا مش ناقصة كفاية اللي أنا في لما تيجي بكرا ابقى ارضيها بكلمتين و خلاص
❈-❈-❈
أومأ والدها برأسه علامة الإيجاب على الرغم انه من الداخل قلبه يؤلمه على جفاء معاملة ابنته لاختها لا يعرف على من يُلقي الاتهام
و يلتـ ـمس العذر لهذه و يبرر لـ تلك و بالنهاية هن بناته و الزمن جار عليهما قبل الاوان على ما يبدو أن اختياراتهن كانت غاية الصعوبة لدرجة عدم تميز الخبيث من الطيب، خرج من الغرفة و بدأ يتبادل أطراف الحديث مع ذاك الشاب الذي ينتظر صديقه لـ يغادر المشفى، ناوله لفافة تبغ و بدأ يسأله عن حكايته هو و بناته ليرد ساخرًا
– بناتي بدل ما يختاروا اللي يريح قلبهم ريحوا هما عقلهم و مختاروش
– قصدك إيه يا عم محمد ؟
رد العم محمد و هو يتناول من فضل قدح القهوة و قال بهدوء و هو ينفث سحابة دخان كثيفة في الهواء
– واحدة اختار و احد و قالت عليه يا إما اخد دا يا إما بلاش لما خدت على دماغها و التانية مشيت بمبدأ خد اللي يحبك و سيبك من اللي بتحبه فـ خدت على دماغها بردو
ضحك ” فضل “رغمًا عنه ما أن ضحك العم محمد على حظ بناته و اختياراتهما، ظل يسعُل حتى مد له يده بكوبٍ من الماء، تنفس بعمق و قال بهدوء
– الفرصة بتيجي مرة واحدة يا تاخدها و تستغلها صح يا تفضل تاخد علي دماغك من الدنيا لحد منكم يقول لتاني أنا سلمت خلاص
– و مين التاني دا ؟
– الدنيا يا ابني
– الدنيا ازاي ؟!
– الدنيا عمرها ما ضحكت لشخص ضعيف دايما بتيجي على الغلبان و تدوس عليه لكن القوي اللي يلاقيها بتدي له قلم يديها التاني هو دا اللي تضحك له و بالقوي كمان
ابتسم فضل بطرف فمه و قال بشرودٍ
– عندك حق يا عم محمد لازم الواحد يديها القلم زي ما بتدي له و أقوى كمان
وقف العم محمد و قال بعتذار
– معلش يا ابني أكلت دماغك اما اقوم بقى اروح اطيب خاطر البت الغلبانة اللي مشيت دي
رد فضل بسرعة و قال بإقتراح
– تحب اوصل لك ؟
– لا مش عاوز اتعبك معايا أنا ها خد تاكسي
– مافيش تعب و لا حاجة أنا كدا كدا ماشي اساسًا اتفضل اتفضل
وافق العم محمد منعًا للإحراج لـ ذاك الشاب اللطيف الذي عرض، عرض لن يتكرر غادرا المشفى متجهين إلى المنقطة التي تقطن بها ابنته، كانت منطقة عشوائية، بالقرب من حارة العم محمد أشار له بسبابته و قال بإبتسامة
– أنا قاعد في الشارع دا و نبيلة كانت ساكنة بعدي بشارع دعاء قبلي بعدها بشارع كلنا في نفس المنطقة
ابتسم فضل و لم يعقب على حديثه، استوقفه قائلا بجدية
– إيه دا دي دعاء اهي طب نزلني أنا هنا بقى يا ابني و تشكر على التوصيلة دي
– ما تقلش كدا يا راجل يا طيب أنا في مقام ابنك بردو و لا ايه ؟
– طبعًا يا ابني ربنا يديك الصحة و يبارك لك
فتح الباب و ترجل بهدوء من السيارة مناديًا على ابنته التي كانت واقفة في الصيدلية تبتاع حليب ابنها، خرجت منها و هي تزفر بحنق ثم قالت بضيق
– الدكتور بيقول اللبن شاحح من السوق
– و بعدين ؟
– مش عارفة أنا دورت في كل صيدلية ختى الصيدليات الغالية اللي بتجيب أغلى حاجة مش موجود عندها
كان فضل يراقب خديثها مع والدها و لكنه لا يفهم ما الذي حدث على وجه الدقة، ترجل من السيارة و اتجه اليهم. تتدخل بهدوء و هو يتنحنح قائلا
– خير يا جما عة في حاجة ؟
رد والدها بذات النبرة
– اللبن بتاع جسور مش لاقينه
تابع والدها و هو يشير له بيده قائلا بهدوء
– اطلعي أنتِ شقتك و أنا هدور عليه برا الحارة
– ماشي يابا بس عشان خاطري متغبش احسن علبة اللبن مبقاش فيها حاجة و الواد مش ها يلاقي حا جة يأكلها بليل
– ما قلت لك اطلغي يلا هي أول مرة ما المحروس بقاله 3 شهور مطلع عيننا
أشار فضل له تجاه السيارة و قال بهدوء
– تعال معايا يا عم محمد أنا اعرف صيدلية بتجيب الحاجات دي
– و الله يا ابني الواحد ما عارف يقل لك إيه بعد المرمطة دي
– مش قلت لك قبل كدا اني زي ابنك يبقى ملوش لازمة بقى الكلام دا كل شوية اتفضل
❈-❈-❈
على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل “شهاب” كالعادة مشاجرة جديدة و السبب “نبيلة” بالطبع، لكن هذه المرة لن يصمت شهاب و لن يترك حبيبته لن يترك تلك الفرصة الذهبية التي أتت له على طبق من ذهب كان يتمتع بالهدوء الظاهري يتناقض مع النيران التي تأجج ما بداخله، ظل يستمع لـ والده و هو يطلب منه الابتعاد عنها رد مقاطعًا طلبه قا ئلا
– بابا ارجوك تفهم كويس إني مش هتنازل عنها و ها فضل جنبها لحد آخر يوم في عمري
– يا ابني أنا خايف عليك
– من إيه ؟
– يكون كل بتقوله دا ميبقاش حب و يكون شفقة و لا عطف
– بابا أنا ها تجـ ـوز واحدة عشان بشفق عليها و لا بعطف عليها طب ازاي ؟
– معرفش بس أنا مش مقتنع إن اللي بيحصل دا حب أبدًا !!و اعمل حسابك إنرمش موافقك على الهبل دا و ابعد عن البنت دي و ابعد عن اللي في دماغك دا
– احلف لك بإيه إن قلبي ما دقش بالطريقة دي غير ليها كل ما بحاول انساها افتكر ها مش بس افتكرها لأ و كمان ببقى عاوز احقق حلمي و اتجوزها
رد” بهجت ” و قال بعصبية مفرطة
– قلب إيه يا أبو قلب اللي يدق من النظرة الأولى. انهي نظرة دي لامؤاخذة معلش اللي كانت فيها مع جو زها أيام الخطوبة تبقى عنيك زايغة وملكش أمان و لو. تقصد بعد ما كلمت وبدأتوا شغل مع بعض بردو هتبقى خاين و بتاع ستات و لو تقصد بعد ما اتجـ ـوزت و بدأت المشاكل تهل عليها من تحت راسك يبقى بردو بتاع ستات و عينك زايغة و ملكش أمان في كل الحالات هتتسمى خا ين و لو اتجو زت نبيلة هتثبت إن فعلا أنت و نبيلة خا ينين لـ عبد الكريم
رد ” شهاب” بنبرة صادقة و قال:
– أنا معرفش كل دا أنا كل اللي أعرفه إن بحب نبيلة و دا غصب عني و عن قلبي حاولت أأقفل على قلبي و اتحكم في لاقيته بيتمرد عليا و بيحبها .
خرج ” بهجت” من غرفة ولده و هو يلوح بيـ ـده غير مباليًا لمشاعر ” شهاب” تنهد ذتك الأخير بعمق و هو ينظر لشاشة هاتفه ضغط على زر الإجابة و قال بإبتسامة
– عاش يا رجالة خلاوتك عندي كبيرة حال‘ا هقابلكم سلام
بعد مرور ساعتين
حمـ ـلها بين ذرا عيه كانت تلتوي بين يـ ـده لا تعرف أين هي و لكن كل شيئًا حولها غريب عليه ابتسم لها و قال بنبرة حانية
– جه الوقت اللي ترجعي لحضـ ـن أمك يا أحلى رقية في الدنيا .
يتبع
الفصل الخامس عشر
=============
خرج ” بهجت” من غرفة ولده و هو يلوح بيـ ـده غير مباليًا لمشاعر ” شهاب” تنهد ذتك الأخير بعمق و هو ينظر لشاشة هاتفه ضغط على زر الإجابة و قال بإبتسامة
– عاش يا رجالة حلاوتكم عندي كبيرة حالًا هقابلكم سلام
بعد مرور ساعتين
حمـ ـلها بين ذرا عيه كانت تلتوي بين يـ ـده لا تعرف أين هي و لكن كل شيئًا حولها غريب عليه ابتسم لها و قال بنبرة حانية
– جه الوقت اللي ترجعي لحضـ ـن أمك يا أحلى رقية في الدنيا .
❈-❈-❈
عودة مرةً أخرى إلى منزل ” دعاء ” بالمنطقة
كانت تتشاجر مع ز و جة حمدي شقيق عبد الكريم و التي حاولت قدر المستطاع كبت غضبها منها لكنها فشلت، التف حولهما أهالي المنطقة ليشاهدوا ضرب دعاء لزوجة حمدي
وبعد معاناة استطاع والدها أن ينتزع الأخيرة من بين براثن ابنته، اجبرها على الدخول إلى البناية الاتي تقطن بها و هو يقول بصوتٍ عالٍ
– ادخلي جوا جايبة لنا الكلام
– حاضر يابا عشان خاطرك بس
و قبل أن يذهب الجميع لبيوتهم القت ز و جة حمدي بعض الكلمات اللاذعة لتقوم باستفزازها من جديد، كل ما تفعله هو مجرد مشاهد من مسلسل قديم لتذهب إلى قسم الشرطة و توقع لها محضر رسمي، لم تقف المشاجرة عند هذا الحد صعد حمدي ليقوم بضربها بعد أن بدأت بفضحه خشى أن تتحدث اكثر من ذلك لكنها كانت تملك من الدهاء و الجرأة ما يليق بها حقا حين استدرجته، و ما أن صعد قامت بتمز يق عبائتها و كسر بعض اثاث المنزل ثم وقفت في الشرفة و طلبت النجدة من أهل الحارة لتعرضها للإعتـ ـداء الجـ ـسدي، ما أن وصل إلى مسا مع والدها و فضل ما قالت لحقوا بها ليجدوا حمدي جـ ـثة هامدة، و قبل أن يستوعب أحدهم ما حدث كانت الشرطة على اعتاب باب شقتها، ظلت تبكي بكاء صدقه أبيها و “فضل” حتى حمدي ذاته كاد يجزم أنه قام باغتـ ـصابها بالفعل بعد أدائها التمثيلي و هو لا يدري !!!
تم القبض على الجميع لتحرير محضر رسمي
ظلت تبكي و هي تسرد لضابط الشرطة قا ئلة
– مراته يا بيه كانت بتلقح عليا في الرايحة و الجاية و انا اقول لها عيب يا وردة احنا أهل يا وردة مهما كان بنا عيش و ملح يا وردة و عينك ما تشوف إلا النور يا بيه
رد حمدي بذهول قائلا:
-مراتي أنا !!
تابعت و هي تنتحب
– قوم هو بقى يا بيه طلع لي الشقة و كان عاوز يعـ ـتدي عليا اكمن عارف إن يعني عايش لوحدي و جـ ـوزي لامؤاخذة مش هنا
رد حمدي بغيظٍ شديد وهو مازال ينـ ـزف من كل مكان بوجهه
– أنا !!!
ضـ ـرب الضابط بكفه على سطح المكتب الخشبي و قال بصوتٍ عالِ
– ما تخرس يا زفت أنت لما يجي دورك يبقى اتكلم
– يا بيه الكلام دا محصلش دي كدابة طب اسألها كدا فين جـ ـوزها
-فين جـ ـوزك يا دعاء ؟
– مسافر يا بيه
– كدابة يا سعادة الباشا جوزها بيتعالج في المصحة
– يا بيه احنا في جـ ـوزي و مكانه ولا حقي اللي مش عارفة اجيبه خلاص كدا مش ها اعرف اجيب حقي ؟!
– أنتِ عاوزة تعملي محضر بالضـ ـرب يا دعاء
– لأ يا بيه الظلم حرام حمدي ماضر بنيش
كاد أن يبتسم حمدي لكن سرعان ما اختفت ابتسامته و احتل مكانها صدمة بل لجمت الصدمة لسـ ـان الجميع و على رأسهم والدها نفسه و هي تقول:
– هو حاول يعـ ـتدي عليا يا بيه انا عاوزة اعمل محضر تعدي و لمـ ـراته اللي ضر بتني و بص يا بيه الجرح دا ياخد اكتر من واحد و عشرين يوم علاج يا باشا
– يعني عاوزة تعملي محضر تعـ ـدي و
ضر ب ؟!
– اه يا بيه
– عندك شهود ؟
– اه ابويا يا بيه
– ما ينفعش يا بيه ما هو دا ابوها اكيد ها يشهد في صالحها يا بيه
– ماتخرس خالص بدل ما ارمـ ـيك في الحجز
– حاضر يا بيه
– عندك حد تاني غير ابوكي يا دعاء ؟
– اه الاستاذ فضل صاحب ابويا يا بيه كان واقف و شافه و هو بيتهجم عليا
تابعت دعاء و هي تتنفس بسرعة قائلة:
– مش أنت شفته و هو بيتـ ـهجم عليا ؟
فرغ فاه فضل و راح يقول بذهول شديد
– مين أنا ؟!
❈-❈-❈
وقف ” فضل مشدوهًا من حديث تلك المجذوبة التي القت مجموعة من الاتهامات التي تؤدي إلى سـ ـجن ” حمدي” انتشله الضابط متسائلا عن ماحدث لا يعرف ماذا يقول يقف بجانبها و يكذب أم يقول كلمة الحق، قرر أن يسرد ما رأته عينه، كان في شهادته تلك تؤكد بنسبة كبيرة ما سردته ” دعاء”
تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل و هو مازال في قسم الشرطة، قام بالاتصال على ” شهاب” لينقذه من هذا المأزق، نظر لـ والدها و قال بغيظٍ مكتوم:
– ما تسكت بنتك خلينا نخرج يا عم محمد
رد العم محمد و قال بذات النبرة
– و اللهِ يا ابني شكلها ما ها تجبها لبر بنتي و أنا عارفاها قوية و مبيهماش حد
مازالت ” دعاء” تُلقي بحزمة من الاتهامات الجديدة خلال الساعتين، وثب من مكانه و سار نحوها بخطواتٍ واسعة، جـ ـذبها من
ذرا عها و قال من بين أسنانه:
– و رحمة أمي لو ما عديتي يومك دا لا عمل فيكي محضر يقعدك في السـ ـجن عشر سنين أقل واجب
نزعت ” دعاء” يـ ـدها من قضـ ـبته و قالت بنبرة حادة و هي تطالعه بنظراتٍ ساخطة
– الله مالك يا سي الاستاذ بجيب حقي
– ما تلمي الدور بقى يا بت
فرغت فاها لتتحدث لكن لحُسن حظ ” فضل”
أتى صديقه و بدأ في انهاء الإجراءت اللازمة قبل الخروج، خرجا من قسم الشرطة بعد أن تم عمل محضر صُلح بين الطرفين و توقيع محـ ـضر جديد بعدم التعرض للطرفين، نظر لـ والدها و قال بعتذار
– معلش يا عم محمد على اللي صدر مني بس بنتك هي اللي استفزتني بصراحة
ردت “دعاء” و هي تلوك العلكة داخل فمها و قالت:
– هي كدا دايما بنته الحيطة المايلة اللي الكل بيطلع غلبه فيها
– و الله يا ابني أنا اللي لازم اعتذر لك على اللي حصل مرمطك معايا من صباح ربنا لحد ما ختمنها في القسم
ختم حديثه قائلا بهدوء و هو ينظر لابنته و قال بجدية
– يلا يا دودو عشان ابنك زمانه قالب الدنيا
– يلا يابا اخسن صدعت من كتر الكلام يلا ربنا على الظالم و المفتري و ابن الحر ام
أشار “فضل”بخفوت و قال:
– بقى أنا راضي ضميرك دي منظر واحدة يقدر عليها ظالم و مفتري دي ملبسة الراجل عشر قواضي و احنا واقفين و لو طولنا شوية كمان كانت جابت له اعدام
استوقفه ” شهاب” و هو يلكز صديقه في كتفه و قال بسرعة :
– استنى يا عم محمد ها نوصلكم ماينفعش تمشوا في الوقت دا لوحدكم
رد ” فضل” مجبرًا على مسايرة صديقه و قال بإ بتسامة مزيفة
– شهاب عنده حق يا عم محمد اتفضل نوصلك و كمان اجيب عربيتي من عند البيت
رد العم محمد على استحياء من لُطف و كرم هذان الشبان، تنحنح و قال بخجلا
– مش عاوز يا ابني ازعجكم أكتر من كدا و خصوصا أنت يا فضل من ساعة ماشوفتني و المصايب بتنزل عليك زي المطر
رد ” فضل ” بإبتسامته العريضة و قال
– ما تقلش كدا يا عم محمد أنت زي والدي الله يرحمه و ما حصلش حاجة صدقني
– الله يخليك يا يا ابني
استقل السيارة هو و ابنته بهدوءٍ، بدأ “شهاب” يتسأل عن سبب ذهابهم إلى قسم الشرطة، بدأ ت تسرد له ما حدث مع إشارات يـ ـدها التي تلوح بها و صوتها المرتفع و الذي سبب للجميع الإزعاج لكن لا أحد يجرؤ أن يعترف بذلك نظرًا لشدة غضبها و هي تسرد لهم ما الذي حدث .
وصلا أخيرًا إلى منزلها، ترجل والدها و هو يشير بيـ ـده تجاه البيت و قال:
– اتفضلوا يا ولاد نتعشى سوا
رد ” فضل ” بامتنان و هو يضع يـ ـده على صـ ـدره و قال:
– تسلم يا عم محمد خليها مرة تانية إن شاء الله
❈-❈-❈
بعد مناقشات طويلة بين العم محمد و فضل غادر من المنقطة، على وعد بـ لقاءٍ قريب، ولج شقته و خلفه ” شهاب” كان يسرد له ما يعرفه عن تلك الفتاة غريبة الأطوار، جلس على المقعد و هو يناوله كأسًا من العصير الطازج، استمع له حتى النهاية، ارتشف رشفات من العصير متسائلا بفضول
– طب و هي ليه قعدة معاه لحد دلوقت
مط ” شهاب” شفتاه و قال بلامبالاة
– مش عارف بس تقريبا كدا تفكير ها روح و فين لو اطلقت أنا معايا ولد مين هايصرف عليه و كلام هذا القبيل
رد ” فضل” و هو يجلس على مقعده بأريحية و قال
– بس دا تفكير عقيم ازاي قادرة تشيل مسؤولية البيت و الولد و كمان تصرف على واحد مدمن بيتعالج
نفث ” شهاب” سحابة دخان كثيفة من لفافة التبغ في سقف الردهة ثم عاد ببصره و قال بإبتسامة عريضة
– أنت شغال دماغ ليه هي مرتاحة كدا
شاح ” فضل” بـ رأسه تجاه النافذة، دس
يـ ـده في جيب بنطاله ليخرج سجائره قام بإشعال واحدة جديدة دون أن ينتبه إلى المشتعلة في المنفضة، ظل يتابع حالة صديقه دون أن يعقب على تصرفاته بكلمة واحدة .
أما ” شهاب ” كانت إبتسامته تكاد تصل لأذنيه
سأله صديقه بفضول و قال:
– ممكن اعرف إيه سر الابتسامة اللي قرپت تجيب ودانك دي ؟!
– نفسي اقولك بس قلقان منك
– اخس عليك يا شهاب تقلق من فضل !! اخوك و صاحب عمرك
-لا مش قصدي هتقول لحد
– اومال تقصد ايه ؟!
– اقصد قلقان من رد فعلك
حثه “فضل “على الكلام و إبتسامته تزداد شيئًا فشيئًا قائلًا:
– قول قول احنا ياما عملنا مصايب الدنيا و الاخر مع بعض قول بقى متبقاش رخم
– هقول بس متزعقش
-قول يا عم و مش هزعق
-رقية
-مين رقية ؟!
– بنت نبيلة من عبد الكريم
– مش دي اللي ابوها خدها و نبيلة متعرفش عنها حاجة لحد دلوقت ؟! ايوة مالها بقى ؟!
– معايا
– معاك فين ؟!
– اخدتها من ابوها
سأله بإبتسامة واسعة
– ايه دا وافق يسبهالك كدا على طول؟!
– عبد الكريم ما يعرفش اصلًا اني اخد بنته
رد “فضل” بعصبية و قال:
– يا نهار ابوك مش معدي يا شهاب أنت
خطـ ـفت البت !
– قصدك رجعتها لحـ ـضن امها
– يا أخي الله يسامحك أنت عقدت الدنيا اكتر ما هي متعقدة اقول عليك إيه !!
❈-❈-❈
داخل المشفى و تحديدًا غرفة ” نبيلة” كانت تحاول الاتصال بـ شقيقتها تريد مصالحتها تعلم أنها تجاوزت حدود الأدب اثناء شجارها معها، مازالت لا ترد على مكالماتها، رُبما تكن غاضبة ألهذه الدرجة لا تلتـ ـمس لها العذر ألهذه الدرجة تأبى مسامحاتها ؟! تنهدت بعمقٍ و هي تضع هاتفها جنبا نظرت لها والدتها و قالت بعتابٍ
– كدا بردو يا نبيلة كدا تزعلي اختك بعد كل اللي عملته لك
– ماما و الله غصب عني أنا مكنتش عارفة أنا بقول و لا بعمل إيه
– يا بنتي انتوا الاتنين ملكوش إلا بعض بلاش تكـ ـسري بخاطرها و تخليها تحـ ـس إنها محتاجة لك ؟!
– كلام إيه بس يا ماما أنا لا يمكن اعمل كدا في يوم من الأيام دعاء دي اختي و كفاية اللي عملته معايا و اللي بتعمله لسه هو بس اللي حصل كان ساعة الشيطان و راحت لـ حالها أنا مش ها سكت غير لما ارضيها
ربت والدتها على كتفها ثم مددت جـ ـسدها على الفراش المقابل لها، ارخت جفنيها تاركة
” نبيلة” تغوص في بحر أفكارها، انتبهت لـ هاتفها الذي أضاء برسالة نصية قامت بفتح و قرأتها مرارا، علها تفهم ناذا يقصد بملماته تلك
اعترت إبتسامة عريضة على وجهها حين تذكرت وعده لمساعدتها في عودة ابنتها لكن سرعان ما أختفت، اغلقت هاتفها و اغلقت أي بابًا يسطيع ” شهاب ” العبور منه فاقدة أي ومضة أمل تجاه ابنتها ظنت أنها مجرد حُجة يحاول الوصول لها من خلالها.
ارخت جفنيها و راحت في سبات عميق .
❈-❈-❈
عودة مرة أخرى إلى ” دعاء”
كانت تحاول بشتى الطرق تهدئت ابنها لكنه يأبى على ما يبدو أنه بدأ في وصلته الليلية، كانت تحـ ـمله بين يـ ـدها تجوب الشقة ذهابًا إيابًا يظل هكذا حتى الساعة السادسة صباحًا و ما أن يغفو تُسرع هي في إنهاء اعمالها العالقة لتسلمها قبل الموعد حتى تحظى بمبلغ مادي كنوع من المكافأة بدلًا من أن تدفع غرامة، ثم تعود تنظف بيتها و قبل آذان الظهر تتكوم في أي ركن من اركان شقتها، يأتي والدها و يأخذ ابنها لـ يخفف عنها العبء ولو بالقدر القليل اقترح عليها أن تُرسل إلى الروضة لكنها اعترضت قائلة:
– يابا هو أنا ملاحقة على اللبن الصناعي اللي بجيبه لما هخلي يروح حضانة و ادفع 300 جنيه في الشهر أنا اولي بيهم أنت مش شايف المصاريف كترت عليا ازاي ؟
– و الله يا بنتي الايد قصيرة و العين بصيرة أنا بعمل معاكي اللي بقدر عليه بس بقول يروح الحضانة و يخف عنك شوية عشان تقدر تعملي شغل كبير و تاخدي مبلغ اكبر
– تفتكر أنا مفكرتش في دا أنا قعدت و حسبتها لقتني اللي بوفره من هنا بدفعه من الناحية التانية أنا بس مستنية لما يبطل رضاعة و تمن اللبن يتشال من على قلبي اهو قرب على السنة و ارتاح من الهم دا
– معلش يا بنتي ربنا يعينك
تابع والدها بتذكر قائلا:
– ألا قولي لي صحيح هو وجدي ها يطلع إمتى المصحة ؟
ردت بتأفف قائلة :
– و حياتك يابا تفتكر لنا حاجة حلوة أنا كل ما بروح بيديني كلمتين في جنابي و يفتح صوته عليا كدا هو
– ليه بقى إن شاء الله
– اهو قل لي أنت بقى
– يكون يا بت حد من أهله بيزوره و يقولوا كلمتين من بتوعهم دول ؟
– يقولوا بقى ولا مايقولوش ربنا يخرجه على خير احسن خلاص الحِمل زاد و مبقتش قادرة اشيل و
قاطعها دخول ز و جها الذي قام بضـ ـربها ما إن استمع لحديثها عنه و عن أهله، صدقت شقيقته حين قالت عنها أفعى، تفاجأت “دعاء” بخروج ز و جها من المصحة دون علمها علمت بعد ذلك أن هذه رغبة أخيه الأكبر، قامت مشاجرة كبيرة بينها و بين ” وجدي” انتهت بالطلاق العلني و الذي أتى في لحظة غضب، لم تكن مرته الأولى الذي قام بتطليقها فيها كانت هذه المرة الثانية له قبل أن يتم العام الأول من ز وا جهما، قامت بعمل محضر سب و قصف ثم طلبت من المحامِ الخاص بها رفع دعوى قضائية تطالبه فيها بالمنقولات و النفقة، تحول الحب لكرهً و اختفت المسامحة لم يستحق هذا قررت أن تنتقم لنفسها و تحاول تعويض ابنها الذي مازال لا يعرف كيف ينطق كلمة أبي .
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
خرجت ” نبيلة” من المشفى بعد استقرار حالتها الصحية قرر ” شهاب” زيارتها و معه ضيفة جديدة تتوق شوقًا لرؤيتها منذ ثلاثة أشهر تقريبًا، وقف حاملًا إياها بين ذر اعيه و قال :
– رقية بنتك يا نبيلة خديها و طمني قلبك وعدتك هرجعها لك لحضـ ـنك و أنا دلوقتي بنفذ وعدي ليكي .
حمـ ـلتها بين يـ ـدها و دموعها تنساب على خديها نثرت قبلاتها على وجهها و يـ ـدها
حتى خصلات شعرها لم تنجو من تلك القبلات
رد والد ” نبيلة” و قال:
– براحة يا بنتي مش كدا البت هتتفزع منك
سألته بنبرة مرتشعة إثر البكاء
– أنت لاقيتها فين ؟!
– اشبعي من بنتك و بكرا نتكلم أنا مرضتش اجيبهالك غير لما تخرجي من المستشفى عشان تعرفي تقعدي معاها براحتك، عن أذنكم دلوقت .
❈-❈-❈
اشبعي منها يا نبيلة اشبعي منها و أنا بكرا هاجي و اتفق معاكي على كل حاجة .
اردف ” عبد الكريم” عبارته بهدوءٍ مريب بينما كانت ” نبيلة” في عالمًا آخر عالم صغير مع تلك الصغيرة التي مازالت تتعجب من كل شئ حولها .
ردت “نبيلة” قائلة:
– أنا مش عارفة اقولك إيه يا عبد الكريم أنت في لحظة خلتني انسى أي حاجة وحشة عملتها
تابعت بجدية
– م هتكلم في القديم مش هفتح في بس كفاية عليا إني اقولك إني سامحتك و مش فاكرة ليك غير الموقف دا و بس .
❈-❈-❈
في عصر اليوم التالي
نبيلة في بوليس و ناس كتير اوي برا و عبد الكريم معاهم
قالتها ” دعاء” بنبرة قلقة غير مصدقة ما يحدث بالخارج، بينما ردت ” نبيلة ” بتساؤل
-عاوزين ايه ؟؟!
-بيقولوا انك خطفتي رقية
– أنتِ بتقولي إيه يا هبلة أنتِ اذا كان عبد الكريم قالي امبارح اني اخليها معايا لحد بكرا ازاي يعني الكلام دا ؟!
خرجت ” نبيلة” لتعرف ما يحدث و إن كانت أختها تتوهم أم لا وقفت أمام ضابط الشرطة و قالت:
– مدام نبيلة. حضرتك متهمة بخطف رقية عبدالكريم
– في حد يخطف بنته اكيد عبد الكريم بيهزر يا حضرة الظابط دي بنتي
– للأسف احنا معانا ورقة تثبت انك متنازلة عن بنتك مقابل الشقة و المحل للاستاذ عبدالكريم و انك كتبتي تعهد على نفسك انك مش هتقربي للبنت و إن دا حصل يبقى دا بمثابة خطف والكلام دا كله متوثق في الشهر العقاري
ردت ” نبيلة” بعصبية قائلة:
-ما ترد يا عبد الكريم و تقولهم إن اللي حصل دا محصلش. و إنك وافقت تسيب بنتي وقلت لي هنتكلم بكرا رد يا عبد الكريم
ابتسم لها و قال:
– خلي شهاب هو اللي يرد عليكي يا نبيلة مش أنا .
– يعني إيه ؟!
– يعني أنتِ بعتي بنتك بشقة و محل و أنا اشترتها ولو ينفع اشتريها الف مرة كنت عملت يا نبيلة بعتيها بالرخيص اوي نبيلة
يتبع



