قصص وروايات

الجزء الرابع من رواية عمياء في بيت الهواري

 

_ مين الراجل ده ؟

 

تلعثم في حديثه ولا يعرف كيف يُجيب كرر وكيل النيابة سؤاله فقال بنبرة متلعثمة:

_ مخابرش يا بيه اني بس اللي اعرفه إنها كانت بتجابله عند الساجية .

_ يعني عارف بتقابل مين و بتعمل إيه ومتعرفش مين اللي كانت بتقابله ؟  مش غريبة دي ؟

_ يا بيه يا بيه أني شفته من ضهره يا بيه ومن ضمن حديته انه محدش يجدر عليه و إن عيلة الچارحي هي العيلة الجوية اللي محدش يجدر عليها و إن أدهم هيچي تحت رچليهم .

 

و بعد مرور أكثر من ساعتين  من التحقيقات  تم حبس “أبو سعيد ” أربعة أيام على ذمة التحقيق، كما تم استدعاء “أدهم” أمام النيابة،  حضر بمفرده دون أي محام  بدأ  التحقيق معه في تمام الساعة العاشرة صباحًا

و انتهى في تمام الواحدة ظهرًا، كان يجيب على تساؤلاتٍ عدة كان من ضمن هذه التساؤلات:

_ والد شهد بيتهمك بق تل بنته يا ادهم تفتكر ليه حاطك المتهم الاساسي

_ عشان اني اللي عملت كده فعلا هو مكدبش بس مش اني لوحدي اللي عملت كده هو قمان عمل كده

 

_ تقصد ان هو كمان كان شريك معاك ؟

_ بالظبط!

_ ممكن توضح كلامك يا أدهم؟!

 

زفر ما برئتيه محاولًا تهدأت نبضات قلبه، حرك رأسه علامة الإيجاب و هو يوضح مغزى حديثه قائلًا:

_ أني اللي جتـ ـلت مرتي لما كنت عارف إن في ناس كيف ابو سعيد تدخل دارنا و وچوده خطر عليها، معرفتش احافظ على الأمانة اللي ادهاني أبو شهد

 

تابع حديثه قائلًا:

_ بس هو قمان غلطان كان هملني  اعيش وياها  في مقان بعيد عن أهلي وعدته هحافظ عليها و الله كنت هحافظ عليها كل اللي كان نفسي في اني اعيش وياها  اربي عيالي واشوفهم .

 

ختم حديثه قائلًا:

_ ماشوفتش ولادي بتي اللي حيلتي ماشمتش حتى ريحتها ليه يُحصل معايا كده ؟ اشمعنى اني!!

 

كان يهزي بكلماته و تساؤلاته  الوضع بالنسبة له كان يفوق استيعابه، ظل يجيب على جميع تساؤلات وكيل النيابة حتى نفذت طاقته على التحمل اجهش بالبكاء ولأول مرة منذ رحيل زوجته، توقف عند هذا الحد من التحقيق و جاء وقت التحقيق مع  ” عاصم” جلس على المقعد بهدوء تام اجاب على جميع تساؤلات مع إضافة دلائل تؤكد أنه هو و أخيه في مكان غير مسرح الجريمة على الرغم من أنه تم تبرأته سابقًا إلا أنه وجه له الاتهام مرة أخرى .

 

***********

بعد مرور عد أسابيع

نجحت افراد العصابة بتبرأت ” أبوسعيد”  لم يكتفوا بهذا القدر بل قاموا برفع دعوة قضائة ضد ” أدهم”  وكان الاتهام الأول شروع في القـ ـتل،  أما قضية ” شهد”  فـ حتى الآن لايوجد دليل واحد على أن أحد المتشابهين هم من قاموا بالفعل بهذا العمل الشنيع.

 

استمر حبس ” أدهم” على ذمة التحقيق و خرج ” عاصم ” و بعده بعدة أيام ” أبو سعيد” الوضع القانوني لديهم سليم   عدا ذلك المسكين الذي وقعت عليه عدة اتهامات  وبكل أسف كان معترف بها و بتعذيبه لأبوسعيد .

 

********

في القاهرة  ( منزل عم شافعي)

 

كان جالسًا في أرضية الردهة يتابع احفاده و هم يلعبون مازال اعمارهم لم تتجاوز الخمسة أشهر، شروده كان بمثابة انيهار صامت، لم يستطع تجاوز جثمان ابنته وهو بين براثن الكلاب، رحلت من الدنيا و هي تجاهد بكل ما اوتيت من قوة أن تثبت براءة زوجها من تُهم  منسوبة إليه.

 

ولجت زوجته وبيدها طعام الصغار جلست على الأرض تمد يدها للصغار، كانت تتحلى بالصبر لأجل احفادها  الو١ع الذي الت إليه يرثى له لكنها مُجبرة على أن تتظاتر بالتماسك، اليوم فقط خانتها دموعها منسدلة على خديها

فاقت من شرودها على صوت زوجها وهو يقول:

_ امسحي دموعك ولما نرجع حق بنتك نبقى نعيط ونعمل اللي عاوزينه ولحد ده ما يحصل هنعيش عادي .

 

اكتفت بالنظر إليه، كل مافعلته أنها تابعت اطعام الصغار

تحول زوجها لهذه الدرجة من الجمود و الشدة جعلها تخشاه  ولا تفعل شئ سوى أن تُلبي طلباته .

 

******

داخل منزل “زبيدة”

 

كانت جالسة أمام نافذة مُطلة على الحارة، كانت دموعها لا تتوقف عن الهبوط، تتنهد بحرقة من الحين للاخر،  طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها زوجة أخيها، جلست على طرف السرير  ربتت على فخذها وهي تقول بنبرة هادئة:

_ وبعدين يا زبيدة هتفضلي حابسة نفسك كده لحد إمتى ؟

_ هو أنا اللي قتـ ـلت شهد يا نهال ؟ أنا فعلًا قتـ ـلتها بسكوتي بس أنا مسكتش و الله حذرتها كتير و هي اللي كانت متعلقة بـ أدهم .

 

تنتهدت ” نهال ” وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى عادت  ببصرها لخا حين قالت بتوسل :

_ جاوبيني بالله عليكِ يا نهال فولي الحق زي ما متعودة دايما منك، أنا فعلًا قتـ ـلتها؟!

 

ردت ” نهال” بنبرة هادئة:

_ شهد عاشت لحد آخر يوم في عمرها،  عمرها منقصش منه لحظة ولا زاد في لحظة، سوى كنتي قولتي الحقيقة ولالا هي كان مكتوبلها تموت كده، متزعليش من عم شافعي هو من قلة حيلته و حزنه على بنته، بنته مامتتش موتة سهلة بردو يا زبيدة معلش ااذريه وحاولي تتجنبيه الفترة  دي وهو لما يروق و يرجع لطبيعته هيرجع يكلمك.

 

ختمت حديثها قائلة بجدية:

_ سيبك من اللي فات شهد و الله يرحمها  حقها. هيرجع بأمر الله  و أنتِ لازم تشوفي حياتك هتفضلي موقفة حياتك كده لحد إمتى لا راضبة ترجعي لـ عاصم ولا حتى عاوزة تشوفي غيره جوزك طب وبعدين ؟

 

كغكفت “زبيدة” دموعها وهي تقول بنبرة متحشرجة إثر البكاء:

_ هو أنتِ عاوزاني ارحع لعاصم يا نهال ؟ بعد كل اللي حصل ده متخيلة حد من هنا هيوافق حتى لمجرد التفكير إن ارجع لعاصم ؟

 

ردت ” نهال” بنبرة حائرة:

_ بصراحة بقى معرفش ممكن يحصل إيه بس في العموم قعدتك كده مش هتقدم ولا هتأخر في موضوع شهد و اللي تقدري تعملي لعيالها من وار عم شافعي متتأخريش فيه .

 

طرقات خفيفة ثم ولج بعدها ” عثمان” ماد أن يقفز قلبها لرؤيته  رعم الخصام الذي تحاةز الشهر كاملًا إلا أن قلبها مازال يحنو له، لكنها تظاهرت بالجمود التام، ما أن ولج  سأل بمرح قائلًا:

_ البنات الحلوين عاملين إيه ؟

 

وقفت عن حافة الفراش وهي تتجاهل سؤال، نظرت لأخته وقالت:

_ طب يا زوزو هروح بقى أنا  اروق المطبخ مش عاوزة حاجة ؟

 

ابتسمت لها ثم قالت:

_ لا يا حبيبتي  تسلم ايدك .

 

اشار زوجها بيده وقال :

_ خربوش شاي يا نونه .

 

طالعته بنظراتٍ ساخطة دون أدنى رد منها، غادرت الغرفة تاركة لزوجها حرية الحديث مع شقيقته، ما إن غادرت الغرفة نظر لأخته وقالت:

_ مطلعة عيني و بتتدلع عليا ومش راضية ترضى عني حنني قلبها بقى بكلمتين .

_ بتحبك ومش عاوزة تتنازل عنك وأنت عاوز تبيعها في أول محطة يا عثمان .

 

رد بنبرة معاتبة وهو يقول:

_ اخس عليكِ يا زبيدة بقى أنا عاوز اببعها ولا عاوز احقق لها حلمها ؟

_ و هي عاوزة تبقى أم لعيالك مش عيال حد غيرك هي مصبرتش عشر سنين خطوبة واتحدت الدنيا كلها عشان أنت تبيعها في اول محطة لما دكتور يقول كلام ومتحاولش حتى لمحرد المحاولة إنك تروح لغيره!

 

رد بنبرة تملؤها اليأس:

_ وهيفيد بإيه لما دكتور قال إن الحمل صعب

_ بس مش مستحيل يا عثمان شوية محاولات وشوية صبر ربنا هيحققلكم حلمكم

_ اخاف من الفشل يا زبيدة

_ يا سيدي اتفائل خير جرب مرة واتنين وعشرة جرب لحد ما ربنا يكتبلك التوفيق و الله ربنا ما هيردك أبدًا .

 

 

حديث طويل دام بينهما بين هذا وذاك، تنهد بيأس وغادر البيت لا يعرف إلى أين لكنه قرر أن يسير في أي مكان لا يهم، تقابل مع عم شافعي يبتاع بعض الاحتياجات الخاصة بالصغار، مد يده لصافحه رفض مصافحته وكأنه هو من قتـ ـل ابنته، تبادلوا الحديث ولكي يبتر العم شافعي علاقته بهم تعمد جرحه قائلًا:

_ متقولش إنك حاسس بيا ولا بايال بنتي اللي يحس بيا واحد مخلف انما أنت ولامؤاخذة واحد عقيم مبتخلفش مجربتش يعني إيه أب يربي ويكبر وحتة منه تكبر قدامه وفجأة تروح منه كزه بسهولة عارف لو كانت ماتت موتة ربنا على سريرها ولا في تملية ولا حتى وهي بتولد كنت قلت قضاء الله وقدره لكن بنتي تموت بالشكل ده وحيوان يقـ ـطع جسمها ويرمي لكلاب السكك وتفولي قضاء ربنا يبقى عمرك ما هتحس بيا هات لي واحد مخلف يتكلم معايا مش واحز زيه زي الأرض البور لا زرع ولا طرح!!

يتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى