قصص وروايات

روايه نيران الهوي للكاتبه هدي زايد

الفصل الأول

========

بعد مرور ثلاثة أعوام كاملة لم يعود فيهما عشق لمعشوقته ولم تهنئ عاشقة قلبها بإنتصارها والحصول على حبيبها، لم تتوقف الحياة و لن يحدث ذلك، الجميع سيعود لمحله بعد فترة غياب كافية لترتيب أوراقه حسب أهميتها لا شئ جائز أو متوقع، الشئ الوحيد المؤكد هو أن من يفوز بحبيبته ستنتهي حربه مبكرًا و ستظل ساحة الحر ب مليئة بالعاشقين التائهين .

 

“””””””””

داخل منزل ” جاسر و جده ”

 

كان يقف أمام الموقد يُنهي آخر لمسات الوجبة الشهية التي يصنعها بحب من أجل أخته غير الشقيقة يعلم تمام العلم أنها تعشقها لذلك يصنعها لها يوم الجمعة من كل أسبوع .

 

نظر في ساعة معصمه للمرة الخامسة على التوالي ضحك جده عليه ثم قال:

– لسه بدري يا جسور الهانم تلاقيها نايمة .

 

حرك ” جاسر” رأسه وقال باسما:

– واخدة عقلي بنت الإيه بفضل اعد في الأيام عشان يجي يوم الجمعة و اقعد معاها .

 

ربت جده على كتفه بحنو و حب ثم قال:

-ربنا يخليكم لبعض يا ابني ماهي أختك الصغيرة و زي بنتك بردو .

– أنت بتقول فيها يا جدي و الله حاسسها بنتي فعلًا مجنناني وواكلة تفكيري وكله كوم وكلمة جسور من بؤقها كوم لوحده بتخليني ببقى عاوز أكلها أكل كدا .

 

 

 

 

 

 

رد الجد و قال بنبرة مرحة

– طب يلا بقى اتشجع كدا و خد خطوة في موضوع الجواز ما دام فتحت نفسك كدا على الجواز و الخلفة .

– لا شكرًا يا جدي بطلنها الشغلانة دي خلاص أنا مش ناوي لا اخطب و لا اتجوز أنا كدا ملك زماني .

– أنت متسلكش معاك غير البت دعاء هي هتعرف تخليك تقول جوزوني يا ناس .

 

فرغ فاه ليرد عليه لكن قاطعه صوت قرع ناقوس الباب، وصل لمسامعه صوتها من خلف الباب خطئ بخطواتٍ واسعة ووسريعة ليفتح لها ما أن فتح الباب ارتمت بين أحضانه مهللة بأسمه الذي يعشقه من بين شفتاها، ظل يدور بها و يرفع للأعلى لتدوي بضحكاتها المكان من فرط سعادتها، نسى والدته التي مازالت واقفة عاقدة ساعديها أمام صدرها تشاهد هذا اللقاء الحميمي الأسبوعي الذي يتزايد في كل مرة

أتى أبيها و رحب بها فقالت:

– و الله فيك الخير يا بابا لسه فاكرني مش زي ناس نسيت إن أمها

 

مد يده ليصافحها و هو يميل بجذعه العلوي مقبلًا إياها ثم قال بعتذار:

– آسف يا ماما سجدة كانت واحشاني

– و أنا يعني اللي كنت بايتة في حضنك ؟! و بعديـ…

 

تركها و هو يقول بتذكر لأخته

– يا خبر تعالي شوفي جسور عملك إيه يا چوچا تعالي دي هتعجبك اوي .

 

ما أن غادر المكان أشارت بيدها تجاه ولدها و قالت بنبرة مغتاظة :

– شايفة يا بابا الواد دا أنا ملحقتش أكمل كلامي

 

رد ضاحكًا و قال:

– معلش يا بنتي أصل چوجا واكلة عقله معذور ما هي بتيجي يوم في الأسبوع !

– و أنا هو أنا اللي بايتة هنا ليل نهار ؟!!! و بعدين بقى في خطافة الرجالة دي بقى هي هتفضل تخطف لي في رجالتي واحد ورا التاني كدا ؟!!

 

 

 

 

 

ضحك والدها و قال:

– بتغييري من بنتك يا دعاء !!

– دي مش سايبة حد إلا وواخدة عقله و الله يا بابا عندك فضل و جاسر و بهجت ابن خالتها حتى شاهندة بنت الجيران واكلة عقلها بحلاوة أنا عارفة بيحبوها على إيه ؟!

 

خرج “جاسر” و هو يحمل أخته بيد و الأخرى يطعمها بها حدثها بنبرة مرحة و قال:

– احنا من يومنا حلوين و نتحب ولا عان راحت عليكي يا ست دعاء خلاص هتطلعي في چوچا إشاعات مغرضة !!

 

سحبت نفسًا عميقًا و قالت بشهية:

– أنا روايح حلوة اوي خير كدا عاملين أكل إيه ؟!

 

رد والدها و قال:

– محاشي مشكلة و رقاق وورق عنب و حمام محشي رز بالكبد انما يستاهل بؤقك .

 

ردت بإحباط و قالت:

– بس أنا بحبه بالفريك !

 

رد “جاسر” و قال بعتذار:

– معلش يا دودو بس أصل چوچا بتحبه بالزر مشيها الأسبوع دا كدا

– أنا بقالي تلات شهور بمشيها كدا و خلاص يعني تعملوا خاطر عيلة مطلعتش من البيضة عندها سنة ونص و أنا أمك اللي تعبت وربت و كبرت يتقالها خليها الأسبوع الجاي !!

 

رد والدها و قال:

– خلاص بقى يا دعاء هو احنا عندنا كام سجدة يعني ؟!

-يعني هو أنا اللي في مني الف نسخة !!

 

ضحك ” جاسر” على حديث والدته نظر لأخته ليطبع قبلة رقيقة على جبينها احتل الخوف ملامحه في ثوانٍ معدودة و قال:

– ماما سچدة سخنة

 

وقفت عن مقعدها متجهة حيث ابنها وضعت يدها على جبينها و قالت:

– لا دا دلوقتي بقينا عال خالص

 

هدر بصوته و قال:

– يعني كانت تعبانة و أنا معرفش و اكلمك تقولي لي بتلعب مع ساجد و مرة تقولي لي نايمة .

– يا ابني يا حبيبي السخونية كانت بليل بس و اخدت الدوا و بقت احسن

– راحت لدكتور ؟!

– مش مستاهلة !!

– بتهزري صح !! اومال إيه اللي مستاهل يا ماما عن أذنك .

 

نادته مرارًا و تكرارًا لكنه لم يرد عليها غادر المنزل و هو يحمل الصغيرة بين يده لاقرب طبيب اطفال داخل المنطقة، وصل أخيرًا و انتظر دوره و بعد الكشف وقف الطبيب وقال باسمًا:

– بعد كدا يا جاسر هعملك دفتر متابعة إيه يا ابني حكايتك هي كل ما تكح ولا تعطس تجري بيها على الدكاترة ؟!

– طمني يا دكتور هي كويسة ؟!

– الحمد لله زي الفل

– اومال السخونية دي من إيه ؟!

– الجو اليومين دول ملغبط فـ طبيعي الجسم يتأثر و متنساش انها طفلة و كمان جسمها ضعيف حاولوا تخلوها تأكل كويس واهتموا باللبن ومشتقاته عشان عضمها يقوى .

 

حرك رأسه بيأس و قال:

– مجناني يا دكتور و الله في موضوع اللبن دا بالذات حاولت اعملها البدع عشان تتقبله بس مافيش فايدة

– معلش معلش كل الاطفال متعبين في أكلهم

 

 

 

 

 

 

********

 

في مساء نفس اليوم

 

كانت الصغيرة تلعب في الحارة مع جدها و ليته لم يفعلها، انشغل عنها لعدة دقائق مع أحد جيرانه مم جعل أحد اللصوص يسلب من أذناها قيراطها الذهبي دون رحمة مما جعل أذناها تنزف الكثير من الدماء صعد بها لتحاول أمها تهدأتها بشتى الطرق، فزع “جاسر” من نومه تناولها منها و قال بقلق بالغ

– مالها يا ماما فيها إيه ؟!

 

رد الجد بحزن دفين

– و الله يا ابني عيني غفلت عنها دقيقة واحدة بس لفيت وشي بشوفها بتعيط ليه لاقيتها حاطة ايدها ع ودنها و بتنز ف دم .

 

ردت دعاء بعصبية مفرطة

– يا بابا قلت لك متاخدهاش تحت

 

هدر ” جاسر بصوته الجهوري و قال:

– نبهت أنا و لا منبهتش عليكم متخرجش برا البيت بس هقول إيه عيلة مستهترة .

 

بعد مرور عدة ساعات

 

وصلت “دعاء” لمنزلها و ما إن ولجت مع ابنائها. هرع ” ساجد” تجاه الصغيرة حاملًا إياها بلهفة و قال :

-مالها فيها إيه ؟!

 

سردت ” دعاء” بعفوية شديدة ما حدث قاطعها “ساجد “و قال :

– طنط بلاش تقولي لبابا اللي حصل عشان ميزعقش هي الحمد لله انها جت لحد كدا و في داهية الدهب اللي راح المهم هي ولو سألك إيه اللي حصلها قولي انها اتحشر ت البيت اللعب بتاعها زي العادة بس المرة كانت جامدة شوية .

 

أومأت له برأسها علامة الأيجاب وقبل أن ترد عليه قاطعها فضل بدخوله و هو يقول بعصبية مفرطة:

– وكمل يا بيه يا مخترم هتعلمها تكدب عليا في إيه كمان

 

وقفت ” دعاء” و قالت:

– فضل الحمد لله سجدة بخير

 

رد ” فضل” بعصبية مفرطة

– انهي خير لما سيبت بنتي تروح الحواري و

يحصل فيها اللي حصل دا !!

 

ردت “دعاء” بنبرة لا تقل عن نبرته حدة و غضب قائلة:

– إيه الكلام اللي بتقوله دا يا فضل خلي بالك من كلامك !

– كلامي يا ست هانم دا اللي كان المفروض يتقال من زمان

 

تدخل ” جاسر” بهدوء و قال

– دهب سجدة عندي يا عمي و أنـ..

 

هدر بصوته قائلًا:

– دهب إيه يا ابو دهب أنا اتقال بنتي بالدهب ومش مستني دهبك دا اصلًا، أنا غلطان اللي سبتها تروح لمكان لا مقامها ولا قيمتها

 

رد ” جاسر” بهدوء قائلًا:

– كتر خيرك ياعمي لحد كدا شكرًا .

 

يتبع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

.الفصل الثاني

*********

وثبت ” دعاء” من مكانها معترضة تلك النبرة الحادة و كلمات زوجها التي وصفتها بالخارجة

وجهت سبابتها نُصب عيناه قائلة:

– الزم حدك يا فضل اللي بتتكلم معاه دا ابني و الحواري اللي مش عجباك. دي يا حبيبي كنت بتحفي ورايا فيها عشان بس اوافق عليك و الظاهر إني غلطت يوم ما وافقت .

 

تتدخل ” ساجد” ليفض النزاع القائم بينهما قائلًا:

– صلوا على النبي يا جماعة و اهدوا كدا الموضوع مش مستاهل كل دا .

 

رد و الده بحدة و قال:

– مش مستاهل !! قـ ـطع ودان أختك موضوع مش مستاهل في نظرك يا بيه يا محترم !

 

دافعت ” تميمة ” عن أخيها موضحة وجهة نظره قائلة:

– بابا ساجد أكيد مش قصده هو بس يقصد

 

قاطعها والدها و قال بنيرة غاضبة:

– أنتِ تخرسي أنتِ كمان الظاهر إن مش فارق معاكم اختكم !

 

قرر ” جاسر” الانسحاب قائلًا بهدوء:

– أنا مضطر امشي لأني اتأخرت على جدي عن أذنكم .

 

نادته والدته قائلة:

– استنى عندك يا جاسر أنا جاية معاك .

 

رد” فضل” و قال:

– لو خرجتي من هنا انسي إنك ترجعي تاني يا هانم .

 

ردت ” دعاء” بنبرة ساخرة و هي تضم ابنتها لحضنها:

– مش خارجة من الجنة يا حبيبي عن أذنك .

 

ركضت خلف ولدها الذي كاد أن يغادر المنزل

نادته أكثر من مرة توقف ثم تنهد بعمق قبل أن يستدار لها بكامل جسده، سألها بنبرة جاهد بأن تكون طبيعية خالية من الحزن الشديد و قال:

– رايحة فين بس يا ماما ؟!

– هاجي معاك مش هسيبك لوحدك و بكرا هيعرف إن الله حق بس اصبر عليا بس

– تيجي فين بس كل اللي حصل دا طبيعي و متوقع إنه يحصل أنا نفسي بهدلت الدنيا لما شفت سجدة بالمنظر دا .

 

ردت بنبرة مغتاظة قائلة:

– أنت هتعملهم عليا يا ابن دعاء !! فاكرني هبلة و مش عارفة إن كلام البيه اللي جوا دا كلام مستفز زيه و زعلك!!

 

 

ابتسم لها إبتسامة شديدة التكلف ثم قال بهدوء:

– صدقيني أنا مش زعلان منه و بعدين لي الحق يزعل دي بنته بردو يا ناس وشافها كدا و الله ما عاتب عليه بالعكس مقدر اللي هو في .

 

هرع ابناء “فضل” الثلاثة في محاولة لتهدأت الوضع الذي بدأ يتفاقم و يخرج عن السيطرة

وقفت ” تميمة” قابلتهم قائلة بعتذار بالنيابة عن أبيها:

– أنا آسفة يا جاسر متزعليش يا طنط بابا منفعل بسبب ضغط الشغل و حـ ..

 

قاطعتها ” دعاء” بعصبية قائلة دون وعية:

– اعمليهم عليا يا بنت فضل قال يا يعني مش عارفة مين اللي بخ السم في ودنه ورمى الكلام عشان يوقع بنا !

 

تابعت حديثها وهي تربت على كتفها قائلة:

– اشبعي بيه يا حبيبتي سبته لك خالص يكش قلبك يبرد دلوقت .

 

ردت ” تميمة ” بنبرة صادقة استشعرها جيدًا كل من يقف في الرواق حين قالت:

– ربنا يسامحك و الله وربنا يشهد عليا أنا ما أعرف اللي سجدة غير لما دخلتي علينا ولا قمت من مكاني ولا كلمته و ربنا شاهد عليا أنا صحيح مش قادرة أأقبل أي حد مكان ماما الله يرحمها بس دازمش معناه أهد سعادة بابا أنا مش أنانية اوي كدا !

 

انفـ ـجرت” دعاء” و هي تقول بغضبٍ جم دون أن تشعر:

– مثلي عليا دور البريئة يا بت ما هو أنتِ هتطلعي لمين غير لأمك السوسة تعمل العاملة و تحلف إنها ما عملتها .

 

تدخل ” جاسر” قائلًا بهدوء:

– ماما كفاية كدا و من فضلك سبيني امشي بقى عن أذنكم .

 

انسحب ” جاسر” بهدوء أخيرًا تاركًا عائلة “فضل الأيوبي” تنسحب واحدًا تلو الآخر دون أن يعاتبوا والدته على اتهاماتها تلك، أما هي لم تقبل المكوث أكثر من ذلك داخل هذا المنزل

غادرته متجهة حيث منزل أختها تشكو لصديق عمره ما حدث، عاتبتها “رقية” قائلة:

– ليه يا كدا دعاء دا أنتِ عمرك ما كسـ ـرتي بخاطر نملة معدية من جنبك تقومي تكـ ـسري بخاطر تميمة كدا !!

 

ردت ” دعاء” بضيق و قالت:

– خلاص بقى يا بت أنتِ متشيلنيش الذنب أكتر ما أنا شايلاه كانت ساعة غضب اعمل إيه يعني !!

 

اعتدل ” بهجت” في جلسته قائلًا:

– معاكي إن معظم المواقف بينك و بينها مكنش الطف حاجة بس اعتقد حركة زي دي تميمة متعملهاش أبدًا .

 

قاطعته ” دعاء” قائلة:

– دي تعملها و تعمل أبوها لسة بتصعب عليك و بتصدق كلامها يا اهبل

 

تابعت بغيظٍ شديد:

– اقول عليك إنت ولا ابني أنتوا الاتنين ادبتوا فيها زي الجرادل وهي كانت بتلعب بيكم الكورة .

 

ختمت حديثها بشماتة:

– بس الحمد لله ابني طلع راجل و اختار أمه بعد ما قالت له يا أنا يا أمك ربنا نجده منها ومن بلاويها .

 

وقف” بهجت” ثم قال بإبتسامة خفيفة:

– أنا هطلع انام شوية عشان عندي محكمة الصبح تصبحوا على خير .

 

نظرت” نبيلة” لأختها ثم قالت بغيظٍ مكتوم

– ابني كان بيخبها و مش معنى انه سابها يبقى بطل يحبها و مش معنى إن ابنك لف من وراه و خطبها يبقى وسابها عشانك يبقى كدا راجل الرجولة مش بموقف واحد يا دعاء .

– قصدك يا نبيلة ؟!

– قصدي إن القلوب مش بإيدينا عشان نحب مين و نكره مين فـ بلاش تتباهي بإن ابنك قدر يوقف نفسه و سبها في الوقت المناسب

عشان مش كل القلوب عندها القوة تنسى حب عشش في قلب سنين و مطلوب منه ينسى فـ هينسى في يوم و ليلة .

 

تدخلت ” رقية” بينهما كالعادة و قالت بتذكر

– صحيح تعالي احكي لك على اللي حصل النهاردا و نسيت اقولك عليه .

 

قاطعتها قائلة بعتذار

– لا معلش يا روكا خليها لما ترجعي

– ارجع منين ؟!

– ما هو أنا عاوزاكي تروحي تشوفي جاسر زمانه وصل البيت روحي و شوفيه واعرفي كدا جدك عرف ولالا

 

ردت” نبيلة” قائلة:

– ريحي دماغك ابنك مش هيحكي لحد حاجة خليكي يا رقية الليل اتأخر و مش هينفع تروحي .

 

ربتت” رقية” على يد والدتها ثم قالت بمرح

– متقلقيش عليا يا بلبلة الساعة لسه مجتش تسعة و كمان أنا كدا كدا كنت رايحة عند بابا شوية .

– هو رجع من العمرة ؟!

– اه لسه راجع النهاردا الصبح هروح بقى اسلم عليه عشان ميزعلش .

 

ردت والدتها بهدوء

– طب ما بلاش تفوتي عليه النهاردادو خليها بكرا

– مش هتفرق يا ماما النهاردا من بكرا وبعدين لسه هشوف هعمل إيه عن أذنكم بقى هطلع اغير هدومي و امشي .

 

ما إن غادرت البهو نظرت ” دعاء” لأختها و قالت:

– أنتِ لسه فيكي الداء دا يا نبيلة ما تسيبها تروح لأبوها !

 

تأكدت أن ابنتها اختفت عن أنظارها ثم عادت ببصرها و قالت بنبرة هامسة:

– يوسف هناك وأنا مش عاوزاها تروح وهو هناك .

– إيه دا أنا معرفش الموضوع دا جه إمتى ؟!

– مش عارفة بس النهاردا أختها اتصلت عليها و أنا رديت عليها فقالت لي إن يوسف عندهم و بلاش هي تيجي .

 

تنهدت ” دعاء” بعمق ثم قالت:

– ولحد إمتى هتفضل تتهرب منهطب ماهو عارف إنها عملت العملية و خلصت بقت كويسة و حتى التشوهات اللي في جسمها كلها عملية ولا اتنين و تبقى فل .

 

تنهدت ” نبيلة” بيأس ثم قالت :

– بقت كويسة إيه بس يا دعاء دا كل اللي عملته جراحة تجميلية للعين من برا انما بنتي مابتشوفش غير بعين واحدة يا دعاء عين واحد بس اللي بتشوف بيها

 

تساقطت دموعها و هي تقول:

– سبيني في اللي أنا في يا دعاء دا كل ما ببص في وشها قلبي بيتقـ ـطع ميت حتة و ببقى نفسي اخدها في حضني واقولها حقك عليا أنا اللي سيبتك كدا .

 

سكتت ” دعاء” مليـًا ثم قالت:

– معلش يا نبيلة بكرا تبقى كويسة و ترجع تشوف من تاني إن شاء الله .

 

ابتسمت بآسى و هي تقول:

– عارفة عملية زي اللي رقية محتاجة تعملها دي يا دعاء تتكلف كام ؟!

– كام ؟!

 

سبعين الف دولار يا دودو دا غير إن هي مبتتعملش غير برا مصر احسن دولة ممكن تعملها المانيا في كام دولة تانية بس هي احسنهم، الحمد لله إني عايشة و بروح و باجي .

 

اردفت ” رقية” عبارتها وهي تهبط سلالم الدرج بهدوء عكس مايدرة بداخلها من ثروة بكاء و حزن كبيران، توقف أمامهما ثم قالت ببعضٍ من المرح:

– و بشوف كمان هو صحيح بعين واحدة بس اهو احسن من مافيش خالص .

 

لوحت بيدها قبل أن تغادر:

-يلا تصبحوا على خير هبقى اكلمك يا دودو باي يا ماما.

 

*********

داخل إحدى المستشفيات العسكرية، انقلب بهو المشفى رأسًا على عقب، مجموعة من الضباط و العساكر الغارقين في دمائهم، بدأت عمله منذ دخولها من باب المشفى، تفقدت الوضع هنا و هناك مع طاقم الأطباء، إلى أن أستقر بها الحال داخل غرفة العمليات، كانت مساعدة الطبيب الذي كان يستخرج رصاصة من داخل كتف ضابط بالحربية، كانت تراقب مؤشرات الأجهزة و تحدث الطبيب الذي باشر عمله بهدوءٍ شديد، انتهى من استخراج رصاصتين و ترك الأمر بعد ذلك للطبيب المساعد .

 

بعد مرور ساعة و نصف .

 

خرج وهي خلفه تستمع لحديثه حين طمئن عائلته قائلًا:

– اطمن يا ممدوح بيه ياسين باشا بخير احنا خرجنا الرصاصتين و الحمد لله الحالة مستقرة .

 

ردت والدته بلهفة قائلة:

– عاوزة أشوف ابني اشوفه واطمن عليه بس

 

رد بجدية و عملية:

– لا دلوقتي مش هينفع هو حاليًا في الرعاية لازم يعدي تمانية وأربعين ساعة و بعدها هيكون بخير إن شاء الله اطمنوا .

 

بعد أن غادر الطبيب و قبل أن تغادر هي الأخرى توقفت فجأة دون أن تستدار حين قال:

– ياما قلت لك ياممدوح بلاش تخلي ابنك يدخل الحربية قعدت تقولي ابني راجل و ميتخافش عليه ويخدم في أي مكان

 

تابعت بنبرة مغتاظة وهي تقلد نبرة ابنها

– وهو داخل في الدنيا بصدره و يقولي أنا ياسين ممدوح السباعي أسد الجيش واسد في أي مكان .

 

همست ” هدية” بخفوت قائلة:

– عمي ممدوح !!

 

لم تتوقف أكثر من ذلك خطتت تجاه الطابق الثالث حيث غر فة الرعاية المركزة، بحثت عن الممرضة التي تجلس داخل ركن الاستقبال

وجدتها تتدون بعض البيانات وصلت إليها و قالت:

– إيمان فين الملفات بتاعتي الناس اللي جت دلوقت ؟!

 

مدت ” إيمان” يدها بملفٍ ثم قالت :

– طلع ابنك مش تشابه اسماء .

– أنتِ عرفتي منين ؟!

– أنا أول ما قالوا اسمه قلتمعقول يكون ابن عمها وبعدين لاقيتك متعرفيش عيلته قلت بس تشابه اسماء و لما جت لي الملفات اتإكدت إنه ابن عمك فعلا

 

تابعت” إيمان” قائلة:

– هما عرفوا إنك بنت عمه ؟!

 

حركت” هدية” رأسها علامة النفس وهي تغلف الملف:

– لا ومش هعرف حد بالحكاية دي

– ليه ؟!

– مش هتقدم و لا هتأخر دا غير إني عمري ما شفت عمي دا و لا أعرف شكله إيه غير دلوقتي فـ مش هجيب لنفسي وجع دماغ .

– بس أنا شايفاها فرصة العمر

– ازاي بقى ؟!

– يعني لما يعرف إنك بنت أخوه وتحكي له عن اللي حصلك من ولاد أخوه أكيد هيساعدك

 

لاحت إبتسامة جانبية حزينة ثم قالت :

– و هو جاسر لما. رحت له كان عمل إيه يعني جه و شخط شخططين ومشي و إيه اللي حصل بعد كدا رموني في أوضة تحت السلم و بعدها امشي برا البيت كله !!

 

وقفت عن مقعدها و هي تتنفس بعمق لتغلق الحديث في هذا الأمر:

– أنا شايفة إن الكلام لاهيودي و لا هيجيب فـ خلينا كدا أغراب ومحدش فينا يعرف التاني .

 

ردت ” إيمان” بنبرة حانية قائلة:

– طب يا حبيبتي أنا همشي بقى مش عاوزة مني حاجة ؟!

– عاوزة سلامتك خلي بالك من نفسك .

 

*******

داخل منزل “جاسر”

 

كانت جالسة قابلته داخل الشرفة المُلحقة بالرداهة تتابعه في صمت، تعرف يدور بداخله

من ثورة وحزن شديدان، ملامح وجهه كافية لشرح ما يعتمل بداخله، أتى الجد ووضع القهوة ثم قال بترحاب:

– قهوتك يا ست البنات

– تسلم ايدك ياجدو تعبت نفسك بردو

– هو في أعز منك اخدمه بردو !!

– حبيبي يا جدو .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

نظر لحفيده و قال بنبرة حانية:

– بردو مش عاوز تقولي مالك بس يا جسور ؟!

 

حرك ” جاسر” رأسه علامة النفي قائلًا بهدوء مُبالغ فيه من وجهة نظر جده:

– مافيش يا جدو صدقني أنا بس اليوم من أوله كان صعب و ختم باللي حصل لسجدة فـ عشان كدا دماغي متلغبطة شوية .

– أنت مش بتقول إن فضل متكلمش معامكم و قال في داهية الدهب المهم سلامة بنته ؟! مالك بقى ؟!

 

ردت ” رقية ” بنبرة مرحة مقاطعة إياه و قالت:

– متقلقش يا جدو دلوقتي معايا وأكلك دماغه بالحكايات بتاعتي و زني اللي مبيخلصش .

 

رد الجد ضاحكًا و قال:

– طب يا ستي اطلع أنا منها بقى واروح ارتاح شوية قبل صلاة الفجر تصبحوا على خير .

 

ما أن غادر الجد حدثته بجدية قائلة:

– أنت لسه زعلان من عمو فضل هو في حد في الدنيا دي يزعل منهبردو طب دا حتى عمو فضل طيب و غلبان .

 

رفع بصره لها دون أن يعقب على دفاعها عن زوج والدته بينما تابعت هي:

– معاك حق تزعل في حاجات و حاجات لا بس في النهاية هو أب و بنته منظرها مكنش يطمن خالص .

 

وضع قدح القهوة و قال:

– أنا مش زعلان منه بالعكس هو مقالش حاجة غلط هو قال اللي فيا فعلا، أنا من الحواري و دي عيشتي بس لا دا وقته و لامكانه و لا دي الطريقة اللي يتقال بيها حاجة زي كدا أبدًا .

– بص مش هقدر الومك على حكاية زعلك دي بس بردو غلطة اتقالت مرة في العمر تغفرها له و لا تعلق له حبل المشـ ـنقة ؟!

 

حرك ” جاسر” رأسه و قال:

– مش كل الغلطات تغفر و لا كل الوحش بيتنسي ساعات بنفضل فاكرينه عشان قيمتنا عند الناس و نفكر نفسنا إن مينفعش نتخطى حدودنا معاهم .

 

كادت أن ترد عليه لكن قاطعته حين نظرت لشاشة هاتفها و قالت:

– دي دعاء هرد عليها

 

رد بخفوت و قال:

– أنا مشهنا عندي شغل و لسه مرجعتش ها

 

أومأت له برأها علامة الإيجاب و قالت:

– متقلقش

 

و بعد مرور خمس دقائق من التحقيقات اغلقت الهاتف وهي تقول:

– مش مصدقاني و عارفة اني كدابة بس مقدمهاش حل غيرانها تعمل نفسها مصدقة

 

كادت أن تضع الهاتف على سطح المنضدة الزجاجي لكنها استدارت بجسدها تجاه الجهة الأخرى من الحارة حين قال لها بإبتسامته العريضة :

– عارفة مين جاي علينا دا ؟! فاكراه !

 

تلعثمت وشعرت بالحرج لكنها حاولت مجاراته قائلة:

– لا مش فاكرة اوي !

– يابتمش فاكرة عم أحمد بتاع البطاطا اللي كنا بنشتري منه و احنا صغيريين من قدام البيت ؟!

 

ردت بسرعة لتخفي توترها و قالت:

– اه طبعًا افتكرته أنا كنت بشوفك فاكره و لالا بس شاطر طلع ذاكرتك قوية .

 

هنا فقط أدرك “جاسر” خطأه الفادح تجاه تلك المسكينة كاد أن يعتذر لكنه قرر ان يلتزم الصمت كي لايحرجها أكثر من ذلك.

 

ساد الصمت لعدة دقائق كانت تحاول فيهما تنظيم أنفاسها و المحافظ على هدوئها قدر المستطاع وضعت قدح القهوة فوق سطح المنضدة ثم وثبت فجأة من مكانها قائلة:

– أنا هروح اسلم على بابا بقى .

– هاجي اوصلك استني .

– لا دي كلها خطوتين متتعبش نفسك، تصبح على خير .

– بس

– من غير بس من فضلك يا جاسر عاوزة امشي لوحدي .

 

خرجت من الشرفة و قبل أن تصل لباب الشقة

عادت من جديد، هنا فقط علم أنها ستتحدث عن ما حدث منذ قليل، ابتسمت له ثم قالت:

– لا شفت عم أحمد و لا حتى شفت معاه العربية بتاعت البطاطا رغم إن المسافة مكملتش العشرة متر بس أنا مشفتهاش أنا ياجاسر مابشوفش من بعيد أبعد مسافة ممكن اشوف بيها هي تحت رجلي عيني اللي راحت كنت بشوف بيها كويس و التانية كانت ضعيف و مع اللي حصل ضعفت أكتر .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رد”جاسر” و قال بعتذار:

– أنا آسف حقك عليا

– بس أنت معملتش حاجة عشان تعتذر دي الحقيقة و أنا مش زعلانة منك و الله بالعكس دا أنا بقيت متصالحة اوي مع نفسي و بقيت من كتر السلام النفسي اللي عندي بقيت اتريق على نفسي .

 

وقف ” جاسر” عن مقعده و قال:

– اعملي العملية يا رقية

-عارف تمنها كام ؟!

– كام يعني !

– 70 الف دولار يا جاسر عارف يعني كام بالمصري ؟! يعني تلاتة مليون ونص مين بقى معاه يدفع تلاتة مليون و نص وكـ…

 

قاطعها” جاسر” بعصبية قائلًا:

– أنا مبفهمش في الكلام دا أنا اللي افهمه ربنا خلق الطب و الدوا و أكيد حالتك ليها علاج مستحيل دكتور واحد يشخص و ناخد بعين الاعتبار .

 

ابتسمت بجانب ثغرها وقالت:

– يا جاسر أنا رحت لأحسن مستشفى في المانيا و كمان الدكتور اللي هناك شاطر جدًا

– ايوة و كلامه انزل من السما يعني ؟! خلاص ناخده و نقول عليه آمين ؟! أنا اللي أعرفه ربنا زي ما خلقه خلق غيره و نروح لدكتور و اتنين و عشرة و نشوف الأنسب لينا .

 

تنفست بعمق و قالت:

– و أنا زهقت مش هدور في مواضيع قفلتها مش هعشم نفسي تاني خلاص أناراضية باللي ربنا كاتبه لي و بقول الحمد لله زعلان ليه بقى !!

– امشي يا رقية قبل ما اغبطك بحاجة في دماغك امشي عشان مش طايقة ابص في خلقتك و الحوار دا متقفلش على كدا .

 

******

في صباح الخميس داخل المشفى و تحديدًا غرفة ” ياسين السباعي” كان جالسًا بين أفراد عائلته حاول أن يبتسم لكن الالم التي تجتاح صدره و كتفه فوق طاقة تحمله، استدعى الممرضة التي تشاجرت معه بالأمس بسبب حركته الزائدة، طرقت الباب ثم ولجت و ما إن ولجت وقع بصره عليها، ابتسم لها و قالت بنبرة جادة:

– أنتِ هدية مش كدا ؟!

 

تعلم تمام العلم أن من يحدثها عمها لكنها لا تريد أن تُخبر أحد بهذه المعلومة، ردت دون أن تنظر له وقالت:

– تحت أمر حضر تك يا فندم

 

بدأت تباشر عملها في قياس ضغط الد م و الحرارة ثم نظرت لعمها و قالت بعملية حين قال:

– متزعليش من ياسين هو عصبي بس بسبب التكتيفة اللي هو فيها مش متعودة على كدا

 

وضعت المسكن داخل المحبوا و هي تقول بإبتسامة شديدة التكلف

– احنا مقدرين اللي هو في يا فندم و كل اللي حصل امبارح دا لمصلحته أولًا .

 

غمز ” ياسين” لأخيه الذي لم يترك تلك الفرصة تمر هكذا ابتسم له ثم قال بجدية مصطنعة:

– جرا إيه يا بوب هي السنارة غمزت و لا إيه دا احنا حتى في مستشفى !

 

انتهت من عملها و قبل أن تغادر نظرت لـ ياسين ثم قالت:

– المسكن هيشتغل كمان دقيقة لو احتجت حاجة رن الجرس هتلاقيني عندك عن أذنك .

 

ما إن غادرت الغرفة نظر لوالده وقال ساخرًا:

– إيه الأدب اللي هي بتكلمني بيه دا !! دا امبارح فرجت عليا المستشفى عشان فكيت المحلول و قمت غصب عنها و رمت الدفتر و قالت مش داخلة له تاني !!

 

رد والده بنبرة مغتاظة و قالت:

– ماهي بتتعامل مع طور لما يقلب مابيشوفش قدامه يلا ربنا يعديها على خير و تخرج من هنا بالسلامة .

 

*****

في المساء كانت تمر بين الغرف قبل أن تغادر المشفى وصلت لغرفته تنفست بعمق قبل أن تلج طرقت الباب ثم ولجت بعدها، وجدت عائلته بأكلمها ملتفين حوله القت التحية ثم قالت:

– سلام عليكم

 

رد الجميع في آنٍ واحد

– و عليكم السلام

 

ابتسمت له ثم قالت:

– عامل إيه دلوقتي ؟!

 

نظر يمينًا و يسارًا ثم عاد ببصره لها و قال:

-بتسألني أنا ؟!

 

نظرت لدفتره و هي ترد عليه باسمة:

– اكيد .

 

لم يستطيع عمها الصبر أمثر من ذلك لقد فاض به الكيل لن يمرر ظنونه هكذا، تركها تُنهي عملها أولًا، ابتسم للجميع ثم غادرت و قبل أن تصل إلى باب الحجرة استوقفها متسائلًا:

– فاروق عاملة إيه يا هدية ؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تسمرت مكانها بعد ما سمعت اسم والدها، تبادل كل من في الغرفة النظرات الداهشة لبعضهم البعض، ظن أنها ستنكر حالها منه كما فعلت مع ولده لكنها استدارت بجسدها كله و الإبتسامة لاتفارق شفتاها، وقفت قابلته ثم قالت بمرارة في حلقها:

– فاروق الله يرحمه من سنتين ونص و اخواتك بعد ما دفنوا مشكوزين سابوني اخدت العزا في الشقة بعدها قالوالي تعالي نقسم الورث و قسموابحق الله فـ طلعت مديونة بخمسين الف جنيه ولما اعترضت ضربوني لا سحلوني مسكوني كدا من بنطلوني و مسحوا بيا تراب الشارع و الناس وقفت تتفرج .

 

تابعت وهي تبلع مرار حلقها:

– بس كترخيره جاسر ابن اخوك وجدي مسح بيهم بلاط البيت وقعدني في شقتي قاموا خافواو عملوا له حساب و دخبواعليا بليل صوروني و هددوني يا اسيب الشقة ياصوري تنزل على حتة و كل تليفون فيكي ياحارة

 

ختمت حديثها قائلة:

– شفت !! شفت العيلة سند و عزوة ازاي !!

 

رد ” ممدوح” و قال:

– ومرحتيش تبلغي عنهم ليه ؟!

– ابلغ عنهم !! ابلغ مين و لا هاخد إيه !!

 

ردت زوجة عمها قائلة بخفوت لكنه وصل لمسامعها :

– سبحانك يارب داين تدان !

 

نظرت لها و قالت بنبرة ساخرة:

– إيه هو بابا اتعرض لك أنتِ كمان و لاإيه ؟! قولي قولي أنا مبقتش بتفاجئ أنا خد على كدا خلاص

 

مد ” ممدوح” يده ليحتوي ذراعها بحنانٍ ثم قال:

– متزعليش نفسك أنا جنبك و هـ..

 

نزعت يده برفق ثم قالت بهدوء:

– أنا مش عاوزك جنبي و لا عاوزاك أصلًا أناخلاص عيشت مرتاحة بعد ماخرجت من البيت المقرف دا خليك في حالك و أنا في حالي و أنت هنا مجرد والد مريض و أنا هنا ممرضة عن أذنكم .

 

استوقفها عمها و قال:

– بس أنامش هسيب حقك أنتِ ليكي حق عندي يا بنتي

– و أنا اتبرعت بيه عن أذنكم

 

خرجت من غرفته و هي تكفكف دموعها برفق تنحنحت قبل إن ترد على هاتفها

– ايوة يا جاسر اهلا ازيك دكتور رمد ؟! ايوة اعرف خير في حاجة ؟! طب تمام أنا معاك احكي لي حالتها بالظبط و إن شاء االه أقدر اساعدك

 

******

داخل منزل عبد الكريم والد رقية، كان جالسا يستمع لابن زوجته ” يوسف الهواري” و هو يقول بكل ما اوتي من هذوء:

– بت لساتها مرتي يا عمي

– ازاي يعني ؟! جاي بعد تلات سنين تقولي انها لسة مراتك

– لا طول التلات سنين دول أني لساني اتدلدل و اني عفهمكم انها مرتي و اني كنت مسحور يعني مش في واعي حتى لو اني طلجتها على الورج فهي شرعًا مرتي و أني ردتها !

يتبع

 

الفصل الثالث

=========

 

رد ” عبد الكريم” مقاطعًا ذاك المختل قائلًابعصبية و لسانًا متلعثمًا:

– أنا مش فاهم منك حاجة تقصد إيه تقصد إن بنتي لسه على ذمتك !!!

– ايوة

 

لوت والدة يوسف ثغرها يمينًا و يسارًا ما إن وصل لمسامعها مايقول ولدها، حاولت إشعال الأمر لينتهي بالانفصال لكنها لم تُفلح لن يُمهل لها تلك الفرصة لقد تعلم الدرس جيدًا، طرق بيده و قال:

– بتك مرتي لساني ديه منطجش بالطلاق يبقى الشرع بيجول انها مرتي، و إن كان على القانون فـ أني هكتب عليها من چديد .

 

 

 

 

 

 

رد والدها قائلًا:

– الأمر دا مش في ايدي دا في ايدها هي ولو بنتي وافقت يبقى أنا كمان موافق ولو رفضت يبقى متفتحش الموضوع دا تاني أنا خلاص مش هظلمها أكتر منكدا كفاية اللي حصلها من تحت راسي .

 

ردت زوجته بنبرة مغتاظة و قال:

– تقصد إيه يا عبد الكريم ؟!

 

وقف عن حافة الأريكة و قال:

– لا اقصد ولامقصدش دلوقتي رقية تيجي و تعرفوا رأيها و بعدها كل واحد هيعرف مصيره إيه ؟!

 

رقية يا رقية تعالي يابنتي .

 

نادها والدها بصوته الهادئ، تغير نبرته و معاملته مئة وثمانون درجة، شعوره بالذنب تجاهها يميته في اليوم مئة مرة، أتت على استحياء خافضة رأسها تنظر للأرض لتخفي توترها الشديد، همست بخفوت و قالت:

– نعم يا بابا .

 

نظر ليوسف ثم عاد ببصره لها و قال:

– يوسف بيقول إنك لسه مراته شرعًا لأنه كان مسحور و منطقش بلسانه يمين الطلاق و حابب يرجعك قلت إيه ؟!

 

التزمت ” رقية” الصمت مماجعله يود قتـ ـلها فهي تمارس الضغط على قلبه و أعصابه معًا

تحلى بالصبر لآخر ذرة عقله لديه و قال بهدوء:

– بعد أذنك ياعمي هملنا لحالنا أني رايد اتحددت وياها .

 

حرك ” عبد الكريم” رأسه علامة الإيجاب و قبل أن يغادر قبضت على ساعده متوسلة إياه

– خليك يا بابا بالله عليك .

 

رفع كفها بين راحتيه ليطبع قبلته الحنون على ظهره ثم احتوى وجهها بيده و قال:

– أنا معاكي و في ضهرك و اللي أنتِ عاوزاه أناهعمله لك بس ادي له فرصة يتكلم و يدافع عن نفسه عشان تبقي مرتاحة لقرارك بعدها.

 

بكل أسفة القاها والدها لحبيبها الذي تعرفه جيدًا و تعرف مدى تأثيره، فـ كلماته لها مفعول السحر على قلبها، جلست على الأريكة فَ اقترب منها وقبل أن يحدثها انتفضت قائلة بتحذير واضح وصريح:

– لو فكرت تقرب تاني هسيبك و همشي قول اللي عندك من غير ماتقرب .

 

كيف ديه يا ناس بجى مرتي و مجدرش أجرب كيف ما احب تاچي كيف ديه !!

 

حدثها بنبرته المغتاظة، لقد نفذ صبره و لم يستطع السيطرة على حاله، لعبت على وتره الحساس بجدارة تعلم أنه لن يتخذ أي ردة فعل مفاجئة تجعلها تغضب وتثور.

 

و بعدهلك يابت عبد الكريم ؟!

 

نطق بها بعد مانفذت جميع توسلاته لها، دام الصمت لثوانٍ معدودة ثم قال بجدية:

– أنتِ مرتي لساني منطجهاش و لا طلجلك أنتِ لحد آخر يوم في عمري .

– مبقاش منه فايدة الكلام دا أنا خلاص مبقتش انفع حد و لا حتى انفع نفسي .

 

رفع ذقنها ليُشبع من ملامحها ويخبرها للمرة المئة بعد الالف:

– أنتِ نفسي و أني مليش صالح بحديتك ديه أني عحبك كيف ما أنتٍ و بأي صورة أنتِ فيها

 

هل يحق لها أن تحتضنه و تخبره أنها تشتاق إليه و تريده بين أضعلها الآن، هل يحق لها أن تعيش مثلما كانت تعيش معه في سعادة و أمان فجأة و بدون سابق إنذار القت حنينها وشوقها مهب الريح و قالت بجمود مصطنع:

– قول اللي عندك يا يوسف و خلصني عشان أنا محتاجة ارتاح شوية

– رايد اعجد عليكي من چديد و نرچعوا لبعض

– و إن قلت لا ؟!

– هسفخك كف يعرفك إن الله حج كيف تجولي لا لچوزك !!

– مش جوزي مش جوزي أنت قانونًا مش جوزي و لا حتى شرعًا لأن العدة خلصت من زمان و اتفضل بقى هوينا .

 

اطلق تنهيدة من صدره لو كانت نارًا لحولتها لرمادًا في الحال، اقت ب منها و قال بتحذير واضح:

– أني صابر عليكي كاتير لو فاكرة إني هصبر تاني يبجى

 

قاطعته و هي تعقد ساعديها أمام صدرها قائلة بنبرة مسفتسرة:

– يبقى إيه ؟!

– يبجى عِندك حج أني مورايش حاچة غير الصبر يا بت عبد الكريم .

 

 

 

 

 

 

 

******

صباح الخير

 

قالتها “هدية” بعد أن دخلت من باب غرفته بالمشفى تقدمت نحوه بينما هدر “ياسين” بنبرته الغاضبة قائلًا:

– صباح الزفت حضرتك فين من بدري بقالي ساعة بضرب الجرس محدش عبرني .

 

نظرت له في هدوءٍ في انتظار انتهاء وصلة السُباب اللاذع الذي تتعرض له منه يوميًا، تنهدت بعمق ثم قالت:

– أولًا الشيفت بتاعي خلص امبارح بعد ماغيرت لك على الجر ح ثانيًا في حاجة اسمها ذوق و نبرة هادية نتكلم بيها مع الغير

– بصي مش ناقصك خالص على الصبح الجرح بتاع ريحة و مخليني متعصب تعالي شوفي في ايه و بعدين نتكلم

 

عقدت هدية ما بين حاجبيها و قالت بدهشة :

– عامل ريحة ازاي يعني أنا يوم بعد يوم بغير لك على الجرح !!

 

هدر بعصبية و قال :

– معرفش بقى اتفضلي شوفي شغلك و لاهنفضل نحكي للصبح !!!

 

حركت رأسها علامة الإيجاب و قالت بهدوء

– لحظة واحدة اجيب الغيارات و جاية .

 

 

 

 

 

 

بعد مرور عدة دقائق

 

جلست خلفه بعد ما كشفت عن جرحه الغائر قربت منه لتشتم رائحة الجرح الذي بدأ يتلوث إثر تدخل شئ غريب لاتعرفه تركت ما بيدها ثم جلست أمامه لتكشف عن جرح صدره لتجد نفس الرائحة نظرت له ثم قالت:

– أنت اخدت شاور امبارح ؟!

– بتسألي ليه ؟!

– الجرح طري و دا معناه إنك جبت عليه مياه وطبعًا منتظر إن جرحك يخف بسرعة مش كدا ؟!

 

رد بهدوء يحسد عليه و قال:

– غير لي الأول على الجرح و بعدين نتخانق براحتنا

 

وقفت عن حافة الفراش ثم قالت بكل ما اوتيت من برودة اعصاب

– أنا مش هتخانق معاك ولا تتخانق معايا الموضوع ابسط من كدا بكتير دي صحتك ومحدش هيخاف عليك أكتر من نفسك

 

بعد مرور خمسة عشر دقيقة

 

أنا كدا خلصت و احب ابلغك إن الدكتور كتب لك على أسبوعين تاني تقعد فيهم في المستشفى

نعم أنتِ بتقولي إيه

دا مش كلامي دا كلام الدكتور الحالة لسه م مستقرة لو حابب تخرج من هنا يبقى تلتزم بكلام الدكاترة دا في مصلحتك اولًا عن اذنك

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في مساء نفس اليوم

 

أنا مش هدخل للزفت اللي اسمه ياسين دا فاكرني شغالة عنده

 

معلش يا دودو عشان خاطري محدش غيرك هنا دلوقتي أنا لولا اني برضع بنتي كنت قمت دخلت له يلا يا دودو دا مش مبطل رن الجرس

 

زقرت بحنق ثم قالت:

– أمري لله هاتي يا ستي الدفتر .

 

داخل الغرفة

تليفوني كان هنا راح فين ؟!

افندم هو حضرتك عامل كل الهيصة دي عشان تليفونك !!!

هو أنتِ فاهمة انه تليفون عادي دا بـخمستاشر الف جنيه بقولك فين الزفت !!

معرفش و مايهمنيش اعرف وبعدين أنا ممرضة مش المساعدة الخاصة اللي جابهالك السيد الوالد !

احترمي نفسك وبطلي طولة لسان احسن لك

دور عليه براحتك بقى عشان أنا عندي مرضى غيرك ووقتي مش ملكي الصراحة عن أذنك

 

استني عندك انا مش بكلمك إيه عاوزة تجري تخبي التليفون قبل ما اطلب تفتيش المستشفى !!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ردت ضاحكة وقالت:

– و الله غلطوا لما حطوك قسم الجراحة كانوا الصح يحطوك في مستشفى الامراض العقلية

بدماغك دي عموما تفتش أو لا مش مهم عندي عن أذنك .

 

أنتِ عارفة بتكلم مين كدا أنا ياسين السباعي

 

ابتسمت له إبتسامة مزيفة وقالت:

– طظ فيك و في عيلة السباعي واحد واحد .

 

فرغ فاها لتُكمل حديثها الغاضب لكن سرعان ما انتفضت وهي تتشبث بكتفه المجروح ليتاواه بخفوت أما “هدية” اعتدلت في وقفتها و قالت:

– صوت مين دا ؟!

 

خرجت من خلفة الأريكة و بيدها قدح القهوة الفارغ و بالأخرى هاتف “ياسين” بعد ما فرغ شحنه القته في يده بعفوية و قالت بتذمر :

– ماشا فين !

 

نظر للصغيرة ثم عاد ببصره لـ هدية و سألها بفضول:

– مين دي ؟!

– دي سجدة أخت جاسر

– إيه دا هو عمي وجدي معاه عيال صغيرة كدا ؟!

– لا دي أخته من مامته .

 

ابتسم لها و قال بجدية مصطنعة

– أنتِ بقى اللي اخدتي تليفوني يا حرامية !

 

وضعت كفها الصغير على صدرها و قالت باسمة:

– أنا !

 

هبط لمستواها ليطبع قبلة عميقة على خدها لكنها مسحتها و قالت:

– عيب سور عيب

 

ردت ” هدية” و قالت بهدوء:

– بتقولك إن جسور بيقولها كدا عيب

 

تابعت حديثها قائلة:

– يلا يا چوچا تعالي عشان جاسر بيدور عليكي .

– لا

 

فرغ فاها لترد لكن تركتها الصغيرة متجهة حيث الفراش لتلتقط من فوقه الريموت عادت مسرعة لتضعه في كفه ثم أشارت بيده تجاه التلفاز:

– ماشا سين ماشا .

 

نظر ” ياسين” لتلك الصغير ثم عاد ببصره لها و قال:

– هي مين ماشا دي ؟!

– مش عارفة بس باين كدا كرتون

– طب أنتوا عندكم هنا قناة كرتون ؟!

– ليه هو احنا في قسم الاطفال

– هو أنتِ كل كلمة لازم ليها رد ؟!

– مش أنت اللي سألتني ؟!

 

تنفس بعمق ثم عانق يد الصغيرة و قال :

– تعالي يا چوچا اشحن لك التليفون و اجيبها لك من النت .

 

حاولت الصغيرة التشبث بالسرير لتصعده لكنها فشلت ضحك على حركاتها فقرر أن يساعدها

حملها برفق و قبل أن يضعها على الفراش تأواه إثر ضغطه على كتفه، اتجهت “هدية” نحوه و قالت:

– متحملش على كتفك لأنـ…

 

وقعت عيناها على كتفه وجدت الضماض يتخلط بدمائه، حدثته بيأس من اهماله:

– شفت اهو جرحك نزف تاني اهو ثواني هجيبلك الغيار و اجاي لك .

 

غادرت الغرفة في نفس اللحظة التي ولجها أخيه ما إن دخل وجد الصغيرة تحدث “ياسين” بتأثر شديد على اللرغم من لغتها من الصعب فهمها لكنه يجاريها و كأنه يفهمها .

انفرج فمه ساخرًا:

– اللي جبلك يخلي لك يا ياسين باشا .

 

جلس على طرف الفراش المقابل و قال:

– مين الحلوة ؟!

– دي سجدة أخت جاسر ابن عمك ياسيدي

– إزاي مش أمه و ابوه منفصلين ؟!

– لا ما هي اخته من الأم بس تبقى بنت فضل الأيوبي .

 

استطرد حديثه قائلا بفضول:

– أنت إيه اللي جابك دلوقتي مش مواعيد زيارة دي ؟!

 

رد ” حمزة” بتذكر و قال:

– فكرتني في حاجة مهمة لارم تعرفها

– حاجة إيه ؟!

– تعرف منين أحمد المنصوري ؟!

– أحمد المنصوري ؟! و لا اعرفه و لا عمري اتعاملت معاه بس اعرف إنه رجل اعمال من التقال اوي دا غير إن حواليه كلام كدا إن بيتاجر في المخدرات .

 

رد ” حمزة” بنبرة حائرة و قال:

– طب ازاي و هو بيقول عنك إنك دراعه اليمين

-حمزة أنت بتكلم نفسك ؟!

 

 

 

 

 

 

فرغ فاه ليرد لكن أتاه اتصالًا هاتفيًا قام بالرد عليه لم يدوم الاتصال طويلًا، حتى عاد و ملامح وجهه تغيرت تمامًا، هرع تجاه باب الغرفة ليتأكد من عدم وجود أحد، سأله

” ياسين” بفضول :

– مالك يا ابني في إيه ؟!

– أنت لازم تمشي من هنا فورًا

– امشي اروح فين ؟!

– خلال ساعتين من دلوقتي هتلاقي البوليس هنا و الدنيا هتتقلب عليك لازم تمشي فورًا

– في إيه فهمني ؟!

– طلع أمر بالقبض عليك بتهمة استغلال منصبك كظابط حربية وبتسهل أمور بعض رجال الاعمال لتهريب المخدرات

– أنت بتقول إيه ؟!

– بقول اللي سمعته قوم من هنا بسرعة

– طب و ليه اهرب لما ممكن اثبت برائتي بكل سهولة ؟!

 

توقف الأثنان عند باب الحجرة فجأة ليرد “حمزة” على تساؤلات أخيه :

– الموضوع طلع معروف من بدري و مكتمين لحد مايثبتوا عليك كل حاجة، و أحمد المنصوري اثبت انك متورط معاه و المحامي بتاعه قدم الملف اللي يثبت كدا

– أنت بتقول إيه ؟!

– مش وقته دلوقتي يا ياسين معنديش وقت اقعد وافهمك أنت لازم تمشي من هنا كل دقيقة بتمر فيها خطر عليك

– مين احمد المنصوري و مين المحامي بتاعه و ايه اللي بيحصل

– معندي اي معلومات غير إنه تاجر مخدارت و المحامي بتاع تبع مكتب محامية اسمها تميمة الأيوبي و هي اللي ماسكة قضيته .

– أنا لازم ااقابلها و اشوف المهزلة دي !

– مافيش وقت يا ياسين الموضوع مش زي ما أنت فاهم و هي محامية مش سهلة

سبني أنا هظبط لك الموضوع دا بس ضروري تخرج من هنا بأي شكل .

 

نظر “ياسين” لتلك الصغيرةالتينادته أكثر من مرة ليأتي حتى يفعل لها ماتريد، لم يُهمل عقله وقتٍ طويلًا ليفكر في أقل من ثانية كان يحملها رغم الالم التي تجتاح كتفه و ظهره

استوقفه أخيه قائلًا:

– بتعمل إيه يا ياسين ؟!

– بدل ما ادور على تميمة هخليها هي اللي تدور عليا و ساعتها هيبقى عندي وقت افكر و افهم اللي بيحصل حواليا بالظبط .

 

بعد مرور خمسة دقائق من البحث المستمر في كل ركن استطاعت إليه الوصول، وجدته أخيرًا في المبنى الخلفي للمشفى، رفعت السلاح الناري تجاهه و قالت:

– سيب البنت يا ياسين

 

أشار ” ياسين” بيده و قال بهدوء

– هدية بطلي جنانك دا أنا مش هأذيها

– بقولك سيبها بدل و ربي افرغ المسدس كله في دماغك

– طيب طيب هسيبها بس نزلي المسدس بدل ما البنت تخاف منك

– ملكش دعوة بيـ‘‘‘

 

فجاة و بدون أي مقدمات سقط من يدها السلاح النـ ـاري في تلك اللحظة كان “ياسين” أسرع منها القى الصغيرة لأخيه و جذبها عنوة لتتوسد صدره بظهرها قبض على ذراعها و قال من بين أسنانه:

– مكنتش حابب اختهما معاكي كدا يا سيادة الممرضة العظيمة بس مضطر .

 

حاولت فك قبضته لكنها فشلت فشل ذريع

جرها معه حيث سيارة أخيه فكت يده من على فمها لتصرخ فضربها بظهر السلاح على مؤخرة رأسها، حملها بين ذراعيه ووضعها داخل السيارة نظر لأخيه و قال:

– اطلع بسرعة زمان الكاميرات رصدتنا دلوقتي

 

رد حمزة قائلًا بعصبية

– ملوش لازمة خطف اتنين يا ياسين أنت كدا بتودي نفسك في داهية أكتر

– مكنش قدامي حل تاني اخلص بسرعة

– يا خبر أبيض جرحك بينزف

– لما نوصل لحتة أمان هبقى أغير عليه .

 

تنهد بعمق و هو ينظر لها ثم قال بأسف:

– مكنش قدامي غيرك يا سجدة أنا آسف .

 

بعد مرور ساعة

 

ياخبر أبيض الحق يا ياسين دي هدية مبتتحركش و قاطعة النفس !!

 

يتبع

 

الفصل الرابع

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

اقترب “ياسين” ليطمئن على تلك المسكينة التي وقعت تحت يديه دون عمد، عاد ببصره لأخيه و قال:

– الله يسامحك يا حمزة ما هي بتتنفس اهي هي بس اغمى عليها .

 

حدثه أخيه بنبرة حائرة و قال:

– هتعمل إيه في المصيبتين اللي معاك دول و هتخرج نفسك من الموضوع ازاي ؟!

– لسه مش عارف أنا اللي بيحصل لي أصلا مش هعمل إيه !!

 

سحب” حمزة” نفسًا عميقًا ثم قال:

– طيب أنا شايف إن انسب مكان تروحوا هو لحالك عطية في الوادي الجديد هناك لا حد يعرفك و لا تعرف أنت حد وكـ…

 

قاطعه” ياسين” قائلًا بضيقٍ مكتوم:

– ايوة بس خالي من النوع الفضولي اوي و هيفضل يسأل مين دول وايه الحكاية ويالهوي لو عرف اني هربان مش بعيد يسلمني من كتر خوفه من الحكومة .

 

رد” حمزة” و قال بهدوء:

– متقلقش هنظبطها معاه و نقوله أي حاجة .

 

******

داخل منزل ” فضل الأيوبي ”

 

عبرت البوابة الداخلية للمنزل بسرعة فائقة لا تتناسب مع عمرها كان خلفها ولدها الذي كاد أن يفقد عقله بسبب غياب صغيرته، هدرت والدته بصوتها الجهوري قائلة:

– لحد هنا و كفاية يا فضل لو فاكر إنك لما تاخد بنتي مني هرجع لك وهنسى اللي حصل يبقى بتحلم لأنك كدا لعبت في اخطر حتة ممكن يلعب إلا عيالي يا فضل سامع إلا عيالي !

 

وقف ” فضل” عن مقعده مصفقًا لها و إبتسامته الساخرة تزين فاه، حدثها ببردوة أعصاب يُحسد عليها حين قال:

– لا برافو عليكي لجد عجبتني الخطة .

 

صرخت بصوتها و قالت:

– خطة إيه فين البنت ودتها فين ؟!

 

رد على سؤالها بسؤالَا آخر قائلًا:

– أنا اللي بسألك بنتي فين يا دعاء !!

– يعني إيه ؟! يعني بنتي مش عندك و لا عند نبيلة اومال راحت فين !!!

 

بابا مصيبة يا بابا الحقني .

 

قالتها ” تميمة” و هي تلج بسرعة فائقة وقفت أمام أبيها لتخبرهُ ما حدث، انتبه الجميع لها حين قالت برعب شديد:

– ياسين السباعي كلمني يا بابا و قالي إن سجدة معاه و إن لازم اخرجه من القضية زي ما دخلته فيها و أنا مش فاهمة انهي قضية اللي بيتكلم فيها !!

 

تدخل “ساجد” على الفور و قال بهدوء يعكس الضجيج الذي يجتاح قلبه و عقله:

– اهدي يا تميمة عشان نفهم منك يا حبيبتي

 

ردت ” دعاء” بعصبية قائلة:

– أنت لسه هتطبطب و تدلع ما تنطقي ياختي إيه الحكاية ؟!

 

ردت” تميمة” بنبرة صادقة وقالت:

– و الله العظيم أنا زيي زيكم و لا فاهمة حاجة و لا عارفة حاجة كل اللي أعرفه أن ياسين دا متهم في قضية كبيرة مع رجل اعمال من التقال جدا و الراجل دا له قضية عندي في المكتب و القضية دي تخص ياسين و هو بيقول ان ياسين كان بيسهله كل حاجة، لسه عارفة المووع دا من أستاذ أحمد عبد الحي المحامي اللي ماسك قضايا المكتب المهمة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رد” فضل” و قال:

– طب هو طلب منك إيه دلوقتي ؟!!

– طلب مني إني اقرأ القضية واقوله الموضوع كله و ادافع عنه زي ما ورطه فيها .

 

ردت”دعاء” و قالت:

– طب و أنتِ مستنية إيه ما تعملي كدا ؟!

– أنا مليش في القضايا دي و لا اعرف اشتغلها أصلًا أنا لسه محامية متخرجة مبقاليش كام شهر و خبرتي في القضايا دي معدومة .

 

بلعت لعابها و قالت:

– المصيبة دلوقتي إنه معاه سلاح و سجدة و مهددني إنه حياته مقابل حياتها .

 

ختمت حديثها قائلة بحزنٍ عميق:

– أنا مش عارفة اعمل إيه و الله ما عارفة اعمل إيه !!

 

ربتت” دعاء” بعصبية على كتفها و قالت:

– متعمليش أنتِ يا حبيبتي أنا هخلي ابن اختي يعمل كل حاجة .

 

كادت أن تُكمل حديثها لكن قاطعته حين صدح رنين هاتف ” فضل” في المكان، سرعان ما ضغط على زر الإجابة و قال بلهفة:

– ايوة يا سجدة ايوة يا حبيبتي الو الو

 

هرع ” جاسر” نحوه جاذبًا من يده الهاتف قام بفتح زر السماعة ليدوي صوت اخته في المكان و هي تلهو مع ” هدية” تحدث أخيرًا و قال:

– أنا ياسين ممدوح السباعي دا في حالة لو متعرفنيش أو سمعت عني يا فضل باشا، من مميزاتي إني بوفي بوعدي و من عيوبي مبحبش اكرر كلامي و مش صبور نهائي، و عان كدا هدخل في الموضوع على طول، تخلي المحامية العظيمة اللي عندك تقرأ القضية و تخرجني منها زي ما دخلتني هتاخد بنتك وفوقيها بوسها محصلش يبقى قول على بنتك يا رحمن يا رحيم أنا كدا كدا خسران مش كسبان فـ مجتش على دي كمان .

 

ياسين أنت فين يا ياسين يا حبيبي .

 

وصل لمسامعه صوت ” هدية ” تمتم بخفوت قائلًا بصدمة :

– هدية !!

 

فجأة وبدون سابق إنذار سأله “جاسر ” قائلًا:

– هدية بنت عمي معاك يا ياسين ؟!

 

ضحك ذاك الأخير و قال:

– أهلًا أهلًا بابن عمي الغالي كان نفسي نتقابل

في ظروف احسن من دي بس معلش بقى

– هدية معاك يا ياسين ؟!

– هدية زيها زي سجدة تخلصوا موضوعي ابعتهم لك وفوقيهم بوسة خلص مع جوز أمك و بنته و هكلمكم تاني ، اه بلاش تدخلوا البوليس في حوارتنا دي عشان منزعلش من بعض .

 

ما إن انهى المكالمة هدر ” فضل” بصوته الجهوري:

– كدا بانت ياسيادة المقدم البيه ابن عمك و الهانم بنت عمك وهو متورط في في قضية و مكتب بنتي ماسكها تخلصوا الحوار دا ازاي يلا نخـ ـطـف بنت فضل ونضغط عليه لحد ما ينخ و يخلي بنته تشمي في الطريق الشمال و تخرج مجرم من قضيته مش كدا !!

 

رد ” جاسر” بعصبية و قال:

– لا طبعًا مش كدا و أنا زيي زيك أول مرة اعرف الكام دا أصلا أول مرة اعرف إن ليا عم اسمه ممدوح ؟!

 

ردت ” تميمة ” بعصبية و قالت:

– طب و هدية أول مرة تعرفها كمان ؟!

 

حركت ” دعاء” رأسها بإنيهار قائلة من بين دموعها :

– بس بقى كفاية حرام عليكم كفاية أنا عاوزة بنتي مليش دعـ ..

 

سقطت فاقدة للوعي بعد صراخ دام لعدة دقائق استدعى ” فضل” طبيب العائلة ليفجر قنبـ تله الموقوتة حين قال بإبتسامة واسعة:

– اطمنوا يا جماعة المدام زي الفل كل ما هنالك انها محتاجة ترتاح أول تلات شهور .

 

 

سألته” تميمة” بعدم فهم قائلة:

– يعني إبه يا اونكل مجدي ؟!

– يعني طنطتك دعاء حامل !

 

 

******

 

هنعمل إيه دلوقتي في المشكلة دي ؟!

 

تسألت ” هدية” و عيناها لا تبرح ذاك الواقف أمامها لايشعر بأي شيئًا حوله، انتشلته من شروده مكررة سؤالها، حرك رأسه حركة وقال بيأس:

– مش عارف يا هدية مش قادر افكر دماغي واقفة خالص

 

ردت بعصبية قائلة:

– لا حضرتك الكلام دا ماينفعش أنا خالك قالي ازاي اتجوزتي ياسين من تلات سنين وهو شايفك السنة اللي فاتت، و تقولي لما تشوفي خالي اتعاملي معايا كاني جوزك وسجدة بنتنا وخالك يقولك يعني شفتك ومجبتش سيرة إنك متجوز و مخلف كمان معنى كدا إن أنا في نظره واحدة مـ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قاطعها ” ياسين” بهدوءٍ ليحتوي الموقف قبل تفاقمه قائلًا:

– اهدي يا هدي اهدي و كل مشكلة و ليها حل أكيد اهدي عشان نعرف نفكر .

 

نزعت يده من ذراعها بعصبية و دموعها تملئ عيناها حدثته بنبرة متحشرجة قائلة:

– أنا مالي باللي حصل دا كله و البنت المسكينة اللي خطـ ـفتها دي ذنبها إيه في كل مشاكلك دي !!

– و لا أنا ليا ذنب في اللي بيحصل دا كله يا هدية أنا فجأة لاقيت نفسي متهم في شئ معرفوش أصلًا !!

 

زفر ما برئتيه و هو مغمض العينين فتحهما و قال:

– اسمعي أنا هقول لخالي اننا متجوزين عرفي

– افندم !!!

– اسمعيني من فضلك و بعدين نتناقش في الموضوع، خالي صعيدي و مش هيتقبل فكرة الخـ ـطف و الهروب نهائي و هيقولي واجه مشاكلك بنفسك

 

ردت بعصبية قائلة:

– و الله راجل و بيفهم و عنده حق

– طب يا ستي كتر خيرك بس أنا لو كان ينفع اعمل كدا مكنتش اترددت لحظة بس أنا هواجه مين و فين أنا هربان من مجهول و مصيري بين ايدين ناس أنازعمري ما تعاملت معاهم و لا فاهم دماغهم بتفكر ازاي فـ المنطق بيقول إن ابعد عشان اعرف افكر و اتصرف صح .

– و أنا مالي بكل دا أنا ؟!!

– عارف إن ملكيش ذنب بس أنا كمان مقلتكيش تطلعي في طريقي و تعملي فيهم السبع رجالة في بعض !!

– لا و الله و كنت عاوزاني اسيبك تخـ ـطف البنت اللي ملهاش أي ذنب !!

 

ارخى جفنيه بهدوءٍ يتناقض و بقوة عن ما يدور بداخله حدثها بنبرة تملؤها التوسل:

– ابوس ايدك يا هدية أنامش حِمل ضغط أنا هنفـ ـجر لوحدي كفاية كفاية .

 

سحب نفسًا عميقًا ثم قال:

– أناهقول لخالي إني كاتب عليكي عرفي من تلات سنين و مجبتش سيرة لحد عشان عشان

 

ردت ساخرة و قالت:

– عشان إيه عشان أنا معجبتش السيد الوالد و لا مش قد المقام ؟!!

– لا ياستي العغو مش دا اللي اقصده أنا هقوله الحقيقة أنك بنت عمي و هو عارف المشاكل اللي بين العيلة و بابا فـ مرضتش اضايق بابا لأنه كان تعبان وقتها

– و لما يسألك ليه مكتبتش رسمي هتقول إيه ؟!

– هقوله إن باباكي كان لسه عايش و محد من أهلنا كان هيوافق

 

تابع بغضبٍ مكتوم

– هصرف أموري يا هدية متقلقيش

 

ردت بنبرة تملؤها الغيظ و قالت:

– و اقلق ليه ما أنت في الأول و الاخر راجل مهما تقول و لا تعمل سُمعتك مش هتضرر بشئ

– هدية

 

ولاته ظهرها مندفعة نحو الحجرة و قالت:

– أنا تعبانة وعاوزة انام شوية عن أذنك .

 

في المساء

 

يعني هدية بت عمك يا ياسين ؟!

ايوة يا خالي بس من فضلك متجبش سيرة لبابا لأن المشاكل لسه موجودة بين العيلة و بابا

طب أنت لامؤاخذة يعني كاتب عليها و لا

ايوة طبعًا كاتب عليها هدية مراتي

 

كانت تستمع لحديثهما من خلف الباب و دموعها تنساب على خديها، لكن سرعان ما اعترت الفرحة قلبها و ملامح وجهها حين قال:

– أنا رحت طلبتها من أبوها الله يرحمه و كتبنا كدا من غير مانعرف حد

– رسمي يعني ؟!

– طبعًا يا خالي كتبنا على سُنة الله و رسوله

– وفين القسيمة ؟!

 

يتبع

 

الفصل الخامس

¤¤¤¤¤¤¤¤

يعني هدية بنت عمك يا ياسين ؟

ايوة يا خالي بس من فضلك متجبش سيرة لبابا لأن المشاكل لسه موجودة بين العيلة و بابا

طب أنت لامؤاخذة يعني كاتب عليها و لا

ايوة طبعًا كاتب عليها هدية مراتي

 

كانت تستمع لحديثهما من خلف الباب و دموعها تنساب على خديها، لكن سرعان ما اعترت الفرحة قلبها و ملامح وجهها حين قال:

– أنا رحت طلبتها من أبوها الله يرحمه و كتبنا كدا من غير مانعرف حد

– رسمي يعني ؟!

– طبعًا يا خالي كتبنا على سُنة الله و رسوله

– وفين القسيمة ؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خرجت ” هدية” من غرفتها حاملة الصغيرة بين ذراعيها لتضعها في حضن ” ياسين” ثم جلست بجواره و هي تقول بهدوء شديدة:

– احنا سبنا حالنا كله في الشقة لما حسينا بانها بتقع ومكنش في بالنا لا قسيمة ولا غيره بقى المهم عندما ربما يخرجنا من البيت على خير .

 

نظر لها نظراتٍ تملؤها الإمتنان الشديد لإنقاذها له

عاد ببصره لخاله و قال بهدوء مؤيدًا حديثها:

– زي ما قالت لك كدا بالظبط كان المهم عندي سلامة بنتي و مراتي .

– مافيش مشكلة يا ياسين و على العموم لو هتستقر هنا يبقى أخدك و اروح اطلعلك بدل فائد و أنا ليا واحد حبيبي في السجل هيخلص الموضوع دا كله قوام قوام مش أنت اتجوزتها هنا في القاهرة بردو ؟

 

بلع لعابه و شعر بالتوتر الشديد لا يعرف كيف يرد على حديث ابتسمت “هدية” قائلة:

– أنا و ياسين اتجوزنا في إسكندرية أصل بابا الله يرحمه كان في آخر أيامه حابب يغير المكان و هناك اتعرفنا على بعض أول مرة يعني لو هنطلع بدل فائد هيكون من هناك للأسف عموما احنا مش ناويين نستقر هنا كتير و هنرجع تاني نشوف هنعمل إيه مشكلتنا مش كدا يا حبيبي ؟

 

ابتسم لها ثم قال بهدوء:

– كدا يا حبيبتي، يومين كدا و هنظبط دنيتنا من تاني إن شاء الله .

 

وقف خاله عن مقعده و قال:

– خير إن شاء الله رتبوا شقتكم كدا أي كلام النهاردا و بكرا إن شاء الله هبعتلك خالتك أم محمد تساعدك في الشقة

 

سكت مليًا قبل أن يفجر قنبلته في وجهها:

– و لا أقولك تعالي أنتِ وجوزك و بنتك و ناموا في أوضة مصطفى اهو في الجيش و الاوضة فاضية

 

ردت بسرعة دون أدنى تفكير

– لا، مش هينفع طبعًا

– و ليه مش هينفع يا بنتي هو ياسين غريب دا جوزك !

 

تنحنحت ثم قالت بتوتر ملحوظ:

– مش قصدي كدا طبعًا، أنا بس مش عاوزة الغبط لحضرتك دنيتك كفاية علينا الشقة .

 

رد الخال و قال بإصرار دون أن يخفض بصره عنها:

– هات مراتك وبنتك و تعال ورايا يا ياسين .

 

ما أن غادر المكان توسلته بخفوت:

– أبوس ايدك يا ياسين مش هينفع كفاية بهدلة فيا لحد كدا .

– عارف إني بهدلتك بس بالله تقفي جنبي لحد ما اقعد مع نفسي و أرتب ورقي اتحملي لآخر مرة أنا آسف بس مافيش أي حل لحد ما نخلي خالي يطمن من ناحيتنا .

– مستحيل مش هينفع .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

**********

أمام منزل ” عبد الكريم والد رقية”

 

كان جالسًا يحتسي القهوة الساخنة مع صديقه يستمع لآحاديثه عن هذا و ذاك، لقاءِ يتكرر في يوم الجمعة من كل أسبوع بعد صلاة المغرب و حتى الثانية بعد منتصف الليل، كان في إنتظاره في تلك اللحظة التي أتت هي فيها، بحثت عن بن عمها كثيرًا و لم تجده، لم تنتبه له ولا لتلك النظرات العاشقة التي تشملها بكل حبٍ و حنان، حدثته كثيرًا و هو في عالمًا آخر، انتشلته من بئر أفكاره حين دبت بكفها على سطح المنضدة الخشبي قائلة:

– يا أستاذ أنت .

– معلش ماخدتش بالي إنك بتكلميني، خير ؟

– لا أنا اللي المفروض اسالك السؤال دا مين حضرتك و ازاي فاتح الدكان وقاعد كدا ؟

– أنا قاسم سليمان صاحب فارس ابن عمك وهو كان بس دخل يجيب الشاي .

 

ابتسمت و هي تقول:

– اه، أنا آسفة أصل فكرتك حرامي .

 

كاد أن يبتسم على حديثها لكنه أدركه بلاهة حديثها فقال بنبرة مغتاظة:

– و هو الحرامي الأيام دي بيبقى قاعد في الدكاين على ايامي كان بيسرق و يمشي .

 

استكمل حديثه بنبرة هامسة:

– زيك كدا .

– أنت بتكلم نفسك ؟

– لا ابدًا

 

وقعت عيناها على سوار جديد صُنع خصيصًا لإحداهن ابتسمت ملء شدقيها وهي تشير بسببابتها تجاهُ:

– ممكن تديني الإنسيال دا كدا .

 

ارتبك وهو يدورحول نفسه لكن سرعان ما جذبه من على المنضدة الخشبية و قال:

– اتفضلي .

 

شكرته ثم قالت قبل أن تغادر:

– شكرًا و لما يجي فارس قل له رقية أخدته و ابقى يكلمني عشان ادفع له حسابه سلام .

 

ما إن استدارت لتغادر المنطقة حدث نفسه بخفوت قائلًا:

– سلام إيه بقى من بعد طلتي على قلبي بطلتك البهية يا بنت عبد الكريم !

 

خرج ” فارس” و بين يده حامل الشاي الساخن اقترب منه حتى ولج متجره الصغير ساخرًا منه و من تلك الحالة التي تتلبسه حين يأتي لهنا وقال:

– هو أنت رجعت تكلم نفسك تاني يا أبو سليمان ؟

 

تناول منه قدح الشاي الساخن و قال:

– و هي فين نفسي دي بس يا صاحبي من يوم قلبي سابني وراح لها .

– هي مين دي ؟

– حلو الشاي دا مين اللي عامله ؟

 

 

 

 

 

 

 

ستي هي اللي عملتـ …

 

قالها ” فارس” و هو يدور حول نفسه محاولًا إيجاد السوار الذي انتهَ منه للتو، رفع بصره لصديقه و قال:

– هو فين ؟

– هو إيه ؟

– الإنسيال اللي كنت لسه مخلصه دلوقتي !

– اها بنت عمك أخدته

 

قبض على ياقة قميصه و قال بغيظٍ مكتوم:

– و أنت ازاي يا بارد تسيب الباردة دي تسرقه !

– تسرق إيه يا جدع؟ و بعدين دي بنت عمك هقولها لا ازاي يعني !

– تقولها اصبري لما يجي المحر وق اللي اسمه فارس و هو يقولك .

 

ترك ” فارس” ياقة قميصه ثم اتكأ بيد على حافة المنضدة و بالأخرى على خصره و قال:

-بس هتصبر ازاي دي متبقاش رقية لو مسرقتكش و جريت

 

رد ” قاسم” بهيام دون أن يشعر:

-في دي معاك حق دي طلعت أكبر حرامية عرفها تاريخ البشرية .

-حق في إيه و هب سرقت منك إيه و مالك مش مظبوط كدا ليه متتظبط ياض أنت كمان !

 

تنحنح ” قاسم” ثم قال بجدية:

– يا عم ما أنا كويس و بعدين هو أنت كل جمعة هتحط غلبك فيا أنا خلاص مش جاي عندك تاني لو عاوز تيجي تعال أنت .

 

أجبره على الجلوس و قال بلهجة المعتذر:

– متزعلش حقك عليا هي بس برجلت لي عقلي لما خدت الإنسيال مش أول مرة تعملها و مافيش مرة بتعلم من عملتها دي .

 

ختم حديثه بوعيد و قال:

– طب بس لما ترجع إما ماعرفتها إن الله حق مبقاش أنا فارس الصبر جميل بردو .

 

تنحنح ” قاسم” و قال بفضول:

– معلش يعني في اللي هقوله هي خارجة كدا الساعة اتنين بليل رايحة فين ؟!

– رايحة عند جدها في الشارع اللي قبلك على طول

 

تابع بنبرة ذات مغزى:

– عمي على فكرة بيوصلها هو تلاقي مستنيها عند الجامع اللي على آخر الشارع، احنا مابنسبش بناتنا تروح لوحدها في حتة في وقت متأخر زي كدا أبوها بيستناها ولو جدها نزل يصلي بياخدها لو مقدرش ينزل أبوها بيوصلها ومبروحش غير لما تطلع له من البلكونة و تعرفه إنها دخلت عشان ممكن يكون جدها عند بنت من بناته .

 

ربت ” قاسم” على فخذه و قال:

– ملوش لازم تعرفني يا فارس أنا عارف عم عبد الكريم و بناته و كلهم متربيين و زي الفل

– مايفرقوش عن اخواتك كدا يا قاسم أدب و أخلاق .

– تسلم يا أبو الصحاب، أأقوم بقى أحسن خلاص فصلت و مش قادر و لسه هقوم الصبح بدري عشان شغلي مش عاوز حاجة ؟!

– سلامتك

 

 

 

 

 

 

 

*********

داخل منزل “جاسر”

 

عادت ” دعاء” بعد مشاجرة طويلة بينها و بين زوجها زاد غضبها من نفسها بعد ما علمت بخبر حملها لم تكن تعلم بما حدث لهم، تفاجئت بهذا الكم من الأحداث، تركت خالتها تغفو قليلًا و بدأت في استجواب ” جاسر” الذي بدأ يسرد لها كل شئ

– كنت مكلم هدية عشانك .

– عشاني أنا ؟!

– ايوة

 

تنفس بعمق ثم سحب نفسًا طويلًا من لفافة التبغ خاصته مدت يدها لتأخذها منه، لكنه باعدها عنه وتابع حديثه بهدوء شديد يتناقض مع نيران قلبه المتأججة:

– سألتها لو تعرف دكتور رمد بحكم شغلها و كانت ذوق جدًا معايا و قالت لي أعرف كذا دكتور و بشرتني إن دي عملية سهلة و مش محتاجة كل القلق دا و بتتعمل في مصر و برامصر وهي تعرف دكاترة كتير جوا و برا مصر، طلبت مني اجيب كل حاجة تخص الحالة عشان الدكتور يقولي أفضل مكان نقدر نروح له، كانت معايا سجدة و مكنش في بالي خالص إن ممكن دا يحصل أنا سبتها و دخلت الحمام مافيش خمس دقايق ورجعت لا لاقيت سجدة ولا لاقيت هدية و اكتشفت موضوع الخـ ـطف دا .

 

ردت ” رقية” متسائلة:

– طب هي مع ابن عمك دا ولا هي زي سجدة مخـطو فة ؟

 

حرك” جاسر” رأسه و قال:

– أنا مبقتش فاهم و لا عارف حاجة و مش قادر أحدد أي حاجة مش قادر يا رقية و حاسس إن دماغي هتنفجر .

– طب عمو فضل قال إيه ؟

– عمك فضل الأول كان زيي كدا تايه و مش قادر يحدد حاجة و لما بدأ يهدأ و يسأل و عرف إن أنا اللي وديت سجدة المستشفى مش محتاج اقولك عمل إيه .

 

ختم حديثه بتنهيدة طويلة فرغ فيها ضيق و حيرة شديدان ثم قال:

– و الدنيا بينه و بين ماما باظت أكتر من الأول .

 

كاد أن يُشعل لفافة تبغ أخرى لكنها قاطعته قائلة:

– كفاية سجاير صحتك حرام عليك دعاء مش ناقصة

 

توسلها بصوته الغاضب و قال:

– رقية ابوس ايدك سبيني في حالي دلوقتي بلا صحتي بلا زفت على دماغي .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

*******

عودة لمنزل خال ياسين

 

كان جالسًا داخل غرفة صغيرة مكونة من سرير لايكفي لأكثر من فردين و منضدة صغيرةوضعت في نهاية الحجرة، جلست على طرف الفراش ثم نظرت له و قالت:

– اديني اتهببت و سمعت كلامك ممكن بقى تقولي هنام ازاي كدا ؟!

– يا ستي سهلة و بعدين خالي مش هيخلينا نقعد في الأوضة دي أكتر من ليلة .

– مين قالك بقى ؟

– خالي حابب يطمن مش اكتر صدقيني، و لو على النوم نامي أنتِ و سجدة على السرير و أنا هنام على الأرض

– طب و جرحك ؟

– ماله !

– كدا هيتلوث أكيد، نام أنت هنا على السرير أنت و سجدة و أنا هفضل صاحية .

 

زفر ما برئتيه و هو ينظر إليها، حدثها بهدوء و قال:

– نامي يا هدية أنا عاوز شوية هدوء عاوز اوصل لحل .

 

التزمت الصمت التام و لم تعقب على حديثه، أما هو اتجه حيث المكتب الصغير و سحب ورقة وقلم بدأ يخطط و يدون بعض المعلومات التي يعرفها حاول ربط الأحدث ببعضها البعض، إلى أن توصل لنهاية ما بدأهُ طرق بأنامله على سطح المكتب و قال:

– كدا حلقة الوصل هي تميمة .

 

ما إن وصل لمسامعها اسمها حدثته بنبرة ساخرة:

– لو منتظر من تميمة تساعدك يبقى هنفضل كدا طول عمرنا و مش هنوصل لحل .

 

انتبه لصوتها حين حدثت عنها، وقف من خلف المكتب و قال بهدوء:

– ليه ؟ و إيه اللي تعرفي عنها؟

 

رفعت” هدية” كتفيها بالتزامن مع مط شفتاها حين قالت:

– معرفهاش اوي بس الكام مرة اللي شفتها فيهم مكنتش لذيذة خالص معايا .

– ليه ؟

– هي كانت خطيبة جاسر ابن عمنا و بعدها فركشوا و من يومها و هي مبطقش تشوفني مش فاهمة ليه، بس أنا خلاص اتعود على كدا فـ عادي بقى .

 

سألها بفضول و قال:

– طب رأيك إيه اللي يتم معاها يعني أنتِ قعدتي معاها وشوفتي مخها فـ أكيـ….

 

سخرت منه قائلة:

-دي معندهاش مخ تتفاهم بيه أحسن لك تعيد حساباتك من تاني .

 

رد ” ياسين” مؤيدًا لحديثها و قال:

-أنتِ صح، أنا محتاج أعيد حساباتي من تاني .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

********

بعد مرور يومين

 

دخل مكتبها بكامل هيبته و أناقته، خطواه خطوات رجل واثقًا من نفسهِ جيدًا، وقف أمام مكتب السكرتارية و طلب بكل هدوء:

– بلغي أستاذة تميمة إن بهجت شهاب الدين عاوز يقابلها ضروري.

 

لحظاتٍ و عادت المساعدة الخاصة بالموافقة، ما أن ولج المكتب وقفت هي تستنجد به و قالت:

– الحقني يا بهجت قرأت الملف للمرة الالف و مش فاهمة أي حاجة منه أنا دماغي هتوقف مني .

 

ارتسم على ثغره إبتسامة بشوشة و قال بهدوءٍ شديد:

– اطمني أنا جيت عشان أشوف الملف

– اهو بص كدا كله أوراق و حاجات مش فاهمها بجد و معرفش منين بيودي على فين .

– طب ما تعزميني على فنجان قهوة مظبوط و أنا اقرلك القضية و أعرفك كل صغيرة و كبيرة فيها !

– أنا آسفة المفروض اسألك أول ما دخلت بس نسيت معلش حقك عليا.

– و لا يهمك اطلبي لي قهوة مظبوطة و سبيني ساعتين مع الملف .

 

*******

في مساء نفس اليوم

 

قابله بعيدًا عن الأنظار جاهد ليصل هنا، الوضع بالنسبة له غاية في الصعوبة، لكنه وصل على كل حال كان يحمل بين يده الكثير من المشتريات الهامة وضعها على سطح منضدة خشبي ثم قال بهدوء:

– دي شوية هدوم و أكل يكفيك شهر ودول شنط فيهم حاجات لسجدة و هدية.

 

رد” ياسين” بإمتنان و قال:

– مش عارف اشكرك ازاي يا حمزة بجد من غيرك كان زماني تايه في الدنيا .

 

رد” حمزة” و قال:

– أنت اخويا لومكنتش هعمل معاك كدا هعمل مع مين يعني !

 

دس يده في جيب بدلته السوداء ثم قال:

– دول خمستلاف جنيه خليهم معاك، و لو معرفتش اجاي لك الخميس الجاي يبقى معاك اللي يكفيك و زيادة المهم تخلي بالك من نفسك .

 

تناول من يده المبلغ و دسه في جيبه، ثم عاد ببصره له و قال:

– بابا و ماما عاملين إيه ؟

– كلهم بخير هما بس قلقانين عليك و حابين يوصلوالك بس متقلقش سرك في بير ربنا يسترها بس وخالك ميجريش يقول لأمك إنك عنده.

– متقلقش أنا فهمته إني مش معرف حد بجوازي من هدية

 

سأله بدهشة و ذهول شديدان:

– هو أنت قلت له إنك متجوزها !!

– ايوة اومتل كنت هقوله إيه يعني ؟

– طب و مسألش على القسيمة ولا غيره اطمن لك عادي كدا ؟

– و هي دي هتفوت خالك بردو ! أكيد سأل بس الحمد لله عدت على خير وهدية قدرت تتصرف و تخرجنا من الموضوع دا هو حل مؤقت بس اهو يرحمنا من الزن بردو .

 

غمز بطرف عينه و قال:

– و تلاقيك قاعدين في نفس الأوضة مش كدا

 

يتبع

 

الفصل السادس

============

رد” ياسين” و قال بكذب:

– أنت اهبل يا ابني طبعا لا، خالك فتح لنا الشقة الصغيرة بتاعته و كل واحد فينا في أوضة ادعي بس الموضوع دا يطول شوية لأنه لو عرف هيرمينا احنا التلاتة برا في الشارع .

– ربنا يسترها معاك، أأقوم أنا بقى عشان يادوب اروح أجيب رحمة من بيت أبوها و نروح على الفيلا.

– أنت قعدت في الفيلا و لا إيه ؟!

 

رد ” حمزة” بكذب و قال:

– اه شوية كدا اهو تغيير و كمان مسبش ماما وبابا لوحدهم الفترة دي .

 

طالعه بنظراتٍ تملؤها الشك وقال:

– حمزة بابا وماما كويسين ؟

 

رد” حمزة” بكذب و قال:

– اه ياابني مالك في إيه ؟

– أصل غريبة مش عادتك مهمها حصل تبات عندنا في الفيلا !

– لا الظروف اتغيرت دلوقتي و بعدين دا كان رأي رحمة إننا منسبش بابا وماما لوحدهم

– طب آيات أختك كويسة ؟

-صدقني كلهم زي الفل متشغلش بالك أنت بس بحاجة و خلينا على اتصال من التليفون اللي جبته لك اسيبك أنا بقى دلوقتي سلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

******

داخل منزل العم” سليمان ”

 

كان “قاسم” جالسًا عن يمينه والدته و عن شماله أخته الصغرى، ينظفون له الطعام و الأخرى تتطعمه في فمه، أما هو كان يستمع لحديث أبيه حين قال بنبرة مغتاظة:

– قاعد و فاكر نفسه هارون الرشيد والخدم بتخدم عليه و تأكله في بؤقه دلع مرق !

 

لفت أخته الصغرى وجهه لها و هي تقول بإبتسامة واسعة دون أن تنظر لأبيها:

– مالك بس يا عم سليمان ؟ ما أنت عارف إن قاسم مبيحبش يفصص السمك و بيحب يأكله كدا على الجاهز هي أول مرة يعني !

 

أشار لوالده و قال بتساؤل:

– طب أنا و عامل فيها هارون الرشيد و أنت بقى و أنت قاعد و مقعد بنتك على يمينك و التانية على شمالك و بتأكلهم في بؤقهم تبقى إيه !

 

رد والده و قال :

– بناتي و بدلعهم إيه الجديد و البنات تتدلع حتى لو بقى عمرهم مية سنة، انما أنت لازم تسترجل .

 

ردت والدة قاسم و قالت بعتاب:

– أخس عليك يا حج قاسم طول عمره راجل هو بس اللي مبيحبش يفصص السمك فيها إيه يعني ؟

– مافيهاش ياختي خليكي كدا قعدة جنب الحيلة و دلعي فيه .

 

ردت” رحمة” و قالت بشر مصطنع:

– احنا نجوزه يا بابا و نخلص منه

 

ردت والدتها مقاطعة بحزن:

– اخس عليكي يا رحمة دي كلمة تقوليها بردو !

– إيه يا ماما مش عاوزة تفرحي بـ قاسم ولا إيه؟!

– افرح بيه و اجوزه ماشي انما اخلص منه بعد الشر دا هو و مراته هيبقوا حتة من قلبي.

 

كان الجميلة طوال الوقت ما بين المرح و السعادة، حياة أسرية مليئة بالدف و الحنان، و لا تخلو أيضًا من الجدية، انتهت وجبة الغداء

على خير ثم جاء موعد تناول كوب الشاع مع النعاع، كانت “رحمة” ترد على تساؤلات أبيها حين قال بنبرته الحانية:

– عاملة إيه يا رحومة مع أهل جوزك ؟

– الحمد لله يا بابا الدنيا ماشية حلو

– لسه حماتك واخدة موقف منك بردو ؟

– لا خالص بالعكس أنا و هي بقينا حبايب هي في الاول بس كان في شوية خلافات ولما لاقت إن ابنها بدأ يبعد ويعيش مع نفسه اتعدلت معايا ولما قربنا من بعض حبتني أكتر

 

ردت والدتها بسعادة و قالت:

– مش قلت لك يا رحمة إنها مسألة وقت مش أكتر هي بس تلاقيها كانت زعلانة من حمزة عشان كان بياخد الحاجة بالخناق .

 

ردت” رحمة” مؤيدة لرأي والدتها و قالت:

– دي حاجة و كمان كان كل مشكلة بيني وبينها ياخد صفي فـ عمي ممدوح قالها أنتِ كدا بتخسري ابنك حاولي تكسبيه و تدي فرصة لمراته ولما تعرفيها هتحبيها و فعلًا سمعت كلامه و الأيام ثبتت لها اني مش مجرد واحدة طمعانة في فلوسه .

 

ردت شقيقة رحمة الكبرى وقالت:

– و هو احنا هنبص لفلوسه ليه يعني الحمد لله مش ناقصنا الهوا ومش بالفلوس على فكرة.

– هي معذورة بردو يا رضوى ابنها خطب قبلي مرتين و في المرتين كانوا داخلين على طمع فـ بالنسبة لها أنا كمان زيهم بس لسه مظهرتش دا .

 

أتت شقيقتهما الصغرى حاملة بين يدها القهوة لأخيها و أبيها وضعتها على سطح المنضدة الخشبية و قالت:

– صوابعك مش زي بعضها ومع ذلك في كف واحد وبعدين هي هتنسى انها كانت بنت تاجر مواشي في سوق الجمعة ولا إيه و جوزها كان ساكن هنا في حارتنا من خمسة و عشرين سنة ويمكن أكتر يعني متعملش علينا هانم.

 

 

 

 

 

 

 

 

ردت ” رحمة” مدافعة عنها و قالت:

– لا حرام يا حبيبة الشهادة لله هي مش وحشة ابدًا وطول عمرها بتفتخر بأصلها وبتقول أنا ابويا كان تاجر مواشي في سوق الجمعة بالعكس دا طول الوقت لما حد من ولادها الجلالة تاخده ولو بهزار تقوله فوق دا أنت من حارة الدخان لحد ما بقت كلمة لازقة في بؤقهم كلهم و بيقولوها لبعض ولو بهزار .

 

خرج” قاسم” من الشرفة بعد ما انتهَ من لفافة التبغ خاصته و قال بإبتسامة واسعة:

– حماتك على فكرة ست جدعة اوي هي بس اللي موسوسة حبتين مش اكتر .

 

استند بذراعه على كتف “حبيبة” و تابع بهدوء لايخلو من المرح:

– عموما احنا دبسنها فيكي و الحمد لله .

 

رد والدها و قال:

– امشي قطع لسانك بنتي الف مين يتمناها و هما اللي لفوا ورانا السبع لفات لحد ما رضينا بيهم ياحبيبي .

 

احتنضنت والدها و قالت بامتنان شديد لمدافعته الدائمة لها:

– حبيبي ياسليمان ربنا يخليك ليا و ما يحرمني منك أبدًا .

– اتفضلي يا ست ماما و يجي عليا أنا بيقولي عامل فيها هارون الرشيد عشان اللي بتأكلني في بؤقي و اللي بتعملي اللي والقهوة وتغسل لي هدومي و تكويها !

 

نظر بعد ذلك لأخته رضوى و قال:

– بايتة و لا هتمشي عشان عاوز ادخل انام !

 

رفعت شقيقة كوب الشاي لترتشف آخر ما تبقى منه و قالت:

– لاهمشي عشان محمود راجع من شغله الساعة اتنين بليل .

 

رد والده و قال بضيق:

– أما إنك بارد بصحيح ما تسبها يا اخي و ادخل أنت و أنا ابقى اوصلها

– لا يا بابا خليك مرتاح أنا هروح بقى عشان يادوب يلا ياقاسم .

 

ردت” رحمة” و قالت:

– أنا ملحقتش اقعد معاكي خليكي قعدة و لما يجي حمزة نبقى نوصلك !

– حمزة جوزك رايق و باله اطول من سواد الليل في الشتا و أنا عاوزة الحق نفسي واروح بدري عشان لسه هطبخ لمحمود يلا قاسم ادخل البس و تعال وصلني .

 

 

 

 

 

 

 

 

بعد مرور نصف ساعة تقريبا

 

كادت أن تخرج من منزل أبيها لكن استوقفتها والدتها قائلة:

– خُدي دول عشوة لجوزك بدل ماتروحي تقفي و تخطبي يادوب هتسوي الاكل بس و دول شوية فاكهة عشان تتغذي و تغذي اللي في بطنك

 

ما أن غادرت ” رضوى و قاسم” عاد الحديث حول هذا و ذاك من جديد، مر الوقت و مازال

” حمزة” يعتذر و يؤجل موعد قدومه، كانت جالسة تتابع التلفاز حتى غلبها النوم طلبت والدتها منها أن تدخل غرفتها بدلا من النوم بهذه الطريقة المؤلمة، هزت رأسها علامة الإيجاب دون أدنى نقاش، أما والدها كان جالسًا بجوار ابنته الصغرى تلك المدللة التي تعيش في كنف أبيها و حبه و حنانه، كان يضع طلاء الأظافر بعناية شديدة كما اعتاد في فترته الأخيرة معها، حدثته بنبرتها الرقيقة قائلة:

– اظبط ايدك يا سليمان بقى كل مرة تلغبط لي المانكير كدا ؟

 

انتهَ أخيرًا ثم نظر لها و قال:

– خلاص يا قلب سليمان اتظبط و بقى احسن من كل مرة حتى شوفي كدا ؟

 

نظرت ليدها بتقييم ثم قالت:

– اممم مش بطال

– يابت بقى كل التطور دا ومش بطال ؟

 

حاوطت رقبته بذراعيها و قالت بمشاكسة:

– بضحك معاك يا سولي يا حلو أنت .

 

طالت قبلتها على لحيته النامية قليلا داعبت خده ثم قالت:

– دقنك عاوزة تتظبط يا عم سليمان .

 

مد العم سليمان ذقنه لها ثم قال:

– يلا ظبطيها يا حبيبة أبوكي

 

رفعت سبابتها قائلة بحماس شديدة:

– ثانية واحدة و اكون عندك يا قلب بنوتك .

 

ضحكت والدتها على حماسها الشديد و هي تقول :

– بكرا تتجوزي و يدور على حلاق غيرك

 

عادت ” حبيبة” و بين يدها الأدوات المستخدمة لتشثيب اللحية، حدثتها بإبتسامتها الواسعة:

– رايحة نفسك يا ست ماما أنا قعدة علي قلبكم و سي بابا محدش هيظبط له دقنه غيري طول ما أنا عايشة .

 

وضع المنشفة أسفل ذقنه و هي تقول:

– لما ابقى اموت ابقى روح لحلاق يا سي بـ…

 

ضربها على رأسها بخفة ثم قال:

– موتة لما تاخد ابوكي هو لازم توجعي قلبي يا بنت الكلـ… أنتِ ؟

– بعد الشر عليك يا حبيبي

 

ردت والدتها قائلة بعصبية:

– ياختي بعد الشر عليكم انتوا الاتنين مكنتش حتة دقن دي اللي هتوقعكم في بعض يلا يلا احسن جوز اختك قرب يجي و ميصحش يجي كدا يلاقي بابا بيحلق .

 

رد العم سليمان و قال:

– و فيها إيه يعني؟ و هو حمزة غريب إيه يعني لما يشوفني بحلق هو عيب ولا حرام ؟

 

 

 

 

 

 

 

 

********

بعد مرور عدة أيام

 

كانت ” هدية” في حالة مرضية حرجة، كانت الصغيرة جالسة جوارها محاولة فهم ما يحدث تسالها و لم تجب تريد أن تتبادل الحديث معها كما يفعل ” ياسين” لكن تلك المسكينة راقدة لا حول لها و لا قوة، مد يده ليتحسس جبينها

ارتفعت حرارتها عن ذي قبل، ولجت زوجة خاله و بيدها صحن وبعض قطع القماش الأبيض جلست جوارها و قالت:

– متقلقش يا ابني إن شاء االه خير، شوية سخونية و تروح لحالها .

 

رد ” ياسين” بضيقٍ وقال:

– السخونية مبتنزلش يا مرات خالي خالتها بتسوء عن الأول .

 

تتدخل خاله و قال:

– و إيه مسكتك ما تشيل مراتك توديها للدكتور

– اشيلها !

– اونال مستني مين يشيلها يعني أنا مثلا ؟!

– مش قصدي يا خالي، حاضر هشيلها بس فين أقرب دكتور هنا ؟!

 

ردت زوجة خاله قائلة:

– دكتور إيه بس دي شوية سخونية و هيروحوا لحالهم اصبروا الكمدات تعمل مفعولها .

 

حملها ” ياسين” بين ذراعيه متجهًا بها حيث

باب الشقة وهو يقول:

– مش هبهدلها معايا أكتر من كدا .

 

بعد مرور ساعتين

تم عمل اللازم لها من تعليق بعض المحاليل الطبية و غيرها، كان جالسًا بالقرب من الفراش في انتظار انتهاء المحاليل الطبية استفاقت من نومها، رفعت بصرها له و قالت بخفوت:

– أنا فين ؟

– حمد لله على سلامتك

 

حاولت أن تعدل من جلستها لكنه منعها و هو يقول:

– ارتاحي أنتِ لسه تعبانة .

 

سألته بخفوت قائلة:

– ازاي جازفت و خرجت من البيت كدا خطر عليك .

– مكنش ينفع اسيبك تعبانة أكتر من كدا .

 

*********

بعد مرور يومين

 

كانت جالسة في منزل خال ياسين مع “سجدة” ترد على سؤالها هذا و تتهرب من ذاك إلى أن قاطعتها قائلة:

– عن أذنك اكيد ياسين صحي و أنا كمان معاد الدوا بتاعي جه .

 

صاحت “سجدة” بصوتها و هي تشير تجاه التلفاز :

– بابا هو بابا

 

انتبهت زوجة خال ياسين لحديث الصغيرة بينما ردت هدية بتلعثم و هي تحملها:

– بابا نايم جوا يا چوچا تعالي نشوفه

 

 

 

 

 

 

 

 

ردت الصغيرة قائلة:

– لا دا بابا دا بابا .

 

ولج خال ياسين و الغضب يطل من عيناه و قال:

– بقى أنا على آخر الزمن ادخل بيتي زاني و زانية و يبقى مين الزانب دا ابن اختي !!

 

ردت ” هدية” مدافعة عنه قائلة:

– أنت بتقول إيه ياسين جوزي ومسمحلكش بالغلط لا فيا ولافي .

– الكلام دا كان ممكن اصدقه قبل ما اتصل بأختي و اعرف منها الحقيقة

 

بلعت ” هدية” لعابها و قالت:

– أنا م فاهمة إنت بتتكلم عن إيه بس اللي اقدر اقوله أننا سبق وعرفناك محدش قال لعمي ممدوح انني متجوزين فـ طبيعي يقولك انه مش متجوزني

 

هدر خاله بغضبٍ جم و قال:

– و طبيعي تخطـ ـفوا بنت من أهلها ؟ و طبيعي تعيشي أنت و راجل غريب عنك في أوضة لوحدكم لو تقبليها على نغسك أنا مقبلهاش في بيتي و حالا هبلغ عنكم البوليس .

 

غادرت ” هدية” الشقة متجهة حيث شقتها

حاولت ايقاظه و هي تقول برعب

– قوم يا ياسين

– في إيه يا هدية مالك ؟!

– خالك عرف كل حاجة و عاوز يبلغ البوليس

– عرف منين ؟!

– اتصل بمامتك و عرف بطريقته

 

قفز من الفراش ورهو يقول :

– حمزة كان عنده حب لما قالي إنها مش هتعدي على خير

 

ظل يدور حول نفسه باحثًا عن متعلقاته، لملمت له ما يريده في رحلته الجديدة و هي تقول:

– اهرب أنت يا ياسين اهرب خالك بلغ البوليس خلاص .

 

رد ” ياسين” بتساؤل:

– طب و أنتِ وسجدة ؟

– مش هينفع نهرب و مش صح اصلا أنت بتعقد الدنيا بخطفها خليني اتكلم مع فضل الايوبي يمكن يحلها هو .

– محدش هيسمعلك لأن بنتهم رجعت لهم خلاص بنتهم هي أقوى كارت معايا حاليا .

 

دخلت زوجة خاله و قالت:

– اهربوا بسرعة البوليس على اول الشارع يلا مافيش وقت .

 

وضعت مفتاح صغير في يده ثم قالت:

– دا مفتاح بيت ابويا خالك ميعرفش عنه حاجة و محدش هيجي في باله إنك هناك اهرب و اياك تعرف حد إنك ياسين .

 

بعد مرور ساعة تقريبا

 

وصل ” ياسين ” لمنطقة شعبية، نظرت “هدية” في المكان ثم عادت ببصرها له و قالت:

– احنا رحنا في داهية

– ليه ؟

– المنطقة دي اللي ساكن فيها جاسر ابن عمك يلا من هنا بسرعة .

 

سجدة اهي يا جاسر سجدة اهي .

 

يتبع

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى