قصص وروايات

روايه عقوق العشاق للكاتبه هدي زايد كامله الفصول

الفصل الأول

¤¤¤¤¤¤¤

 

كانت جالسة أمام ماكينة الحياكة تضع لمساتها الأخيرة، فستان جديد و عمل جديد، تحاول أن تتخلص من هذا العمل و لكن على ما يبدو أن العمل لا يريد التخلص منها، غدًا اول أيام الشهر الفضيل تريد أن تبتاع احتياجاتها قبل حلول الغسق نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط ثم

عادت ببصرها إلى الماكينة، انتهت منه اخيرًا

وقفت من خلف منضدة الماكينة، ثم قامت بتبديل ملابسها، نظرت لصورتها المنعكسة في المرآة، لاحت إبتسامة خفيفة على ثغرها، وصل إلى مسامعها صوت والدها الذي نفذ صبره، تنهدت بضيق وهي تحدث نفسهابضجر تعيد كلمات والدها التي حفظتها عن ظهر قلب

– تعالي يا مهدية بلال ابن عمك جه

 

اتجهت إلى خزانة الملابس و بدلت الرادء بآخر من تصميمها يتميز بالبساطة، ثم جذبت الثوب ووضعته في الحقيبة الجلدية، و خرجت أخيرًا من كهفها ابتسمت بسماجة وقالت

– نعم يا بابا

 

لكزها بعكازها في كتفها و قال بغيظٍ

– ما لسه بدري يا اختي الواد معدته نشفت من شرب الشاي

– ايوة يعني اعمل إيه ؟ ما المطبخ اهو يدخل يعمل اللي يعجبه

– عيب يا مهدية ابنك ضيف عندنا

 

نظرت ” مهدية ” له وقالت بإبتسامة مزيفة

– أنت ضيف عندنا ؟

 

اجابها بإبتسامة سمجة ردًا على إبتسامتها

– ضيف إيه دا بيتي

– طب الحمد لله ادخل و اطبخ بقى عشان أنا مش فاضية سلام

 

استوقفها والدها بصوته العالِ قائلًا

– بت يا مهدية خُدي هنا

 

زفرت “مهدية ” بحنق و هي رافعة بصرها لسقف الردهة، نفذ صبرها من تحكمات أبيها التي تحدث شهريًا بسبب ذاك المتطفل، استدارت بجسدها كله قائلة بغيظٍ مكتوم

– نعم يا بابا نعم يا حبيبي خير ؟!

– ادخلي حضري الغدا عشان بلال يتغدا معانا قبل ما تنزلي

– لأ ياعمي أنا مستعجل خليها مرة تانية

 

غادرت ” مهدية ” قبل أن يناديها والدها مرةً أخرى

لحق بها ” بلال” و حاول اقناعها بأن يكون سائقها الخاص لكنها رفضت، أشارت إلى سيارة أجرة وقبل أن تلج قبض على ذراعها وقال من بين أسنانه

– والله لو ما ركبتِ العربية لا بهدلك واقلب الدنيا على دماغ

– اموت واعرف أنت عاوز مني إيه يا بارد يا اخي خلي عندك دم أنا مبكلمش و لا عاوزة اصلا اتكلم معاك

– مش ها كرر كلامي تاني يا مهدية

– قلت لأ

 

رد السائق بنفذ صبر و هو يتابع الموقف من البداية و لم يعقب عليه لكنه قرر أن يُنهي هذا الجدال .

– ما تخلصنا يا استاذ و سبها تركب

 

رد ” بلال” وهو يميل بجذعه العلوي قليلًا قائلًا

– اطلع أنت هي هتركب معايا

– و أنت مالك يا بارد أنا مش عاوزة اركب معاك

 

لم ينتظر ردها جرها خلفه حاولت أن توقفه لكنه لا يبالي، قام بفتح باب السيارة دفعها للداخل ثم سار تجاه مقعد القيادة، جلس و تنفس بعمق محاولًا كتم غضبه الشديد، فرغ فاها لتتحدث قاطعها قائلا بحدة وصرامة

– اقسم بالله لو سمعت صوتك لاعرفك إن الله حق إيه مالك في إيه ؟

– مافيش

– مالك ؟

– مافيش

– مهدية يا حبيبتي للمرة التالتة والأخيرة عشان المرارة بقت على آخرها مالك ؟

– قلت لك مافيش

 

هدر ” بلال” بصوته الجهوري قائلا بنفاذ صبر

– مهـــد يـــة قلت لك مالك ؟!

– مالي حاضر ها قل لك مالي بقالك شهر مختفي كل ما اتصل عليك مشغول يا مهدية ها كلمك مرة تانية يا مهدية سلام دلوقتي يا مهدية، و يوم ما تظهر تظهر لي بعد ماخلصت الفستان و بكل البرود اللي في الدنيا تقولي وحش مكشوف يا مهدية دي بدلة رقص مش فستان خطوبة

 

ختمت حديثها الغاضب وهي تقترب من أذنه قائلة

بغيظٍ شديد

– عرفت بقى مالي

 

رفع ” بلال” ذراعيه ليحمي وجهه من لكماتها التي لم تترك قيد أنملة في جسده إلا و طالته يدها رد بنبرة متعجبة و هو ينظر لها بدهشة وذهول شديدان

– يخربيتك كل دا في قلبك من ناحيتي

 

على الجانب الآخر و تحديدًا في منزل ” مالك” كانت ” ملك ” تتدور حول نفسها، سعادة الدنيا لا تكفي اليوم هو يوم حصادها، ” غفران ” و هدية الله لها كانت تناجي ربها ليلًا نهارًا، نظرت في ساعة يدها شهقت صوتٍ عالِ قائلة

– يا خبر غفران زمانه جاي

 

طرقات خفيفة قبل أن تأذن لـ أبيها الثاني أن يلج

ولج “عابد” و على ثغره إبتسامة خفيفة، هرولت تجاه احتضنته ثم طبعت على خديه قبلاتها الهادئة و قالت بمشاكسة

– دقنك طويلة يا دوك إيه هتقابل العريس كدا ؟

 

تنحنح وحاول أن يستجمع شجاعته و هو يحدثها بهدوء

– ملوكة عاوز اقل لك حاجة

– حاجة إيه بس دا أنا اللي عاوزة اقل لك حاجة مهمة بابا

– ماله ؟

– من امبارح مش في البيت و لا راضي يرد عليا ولا مامي أنا خايفة يتأخر على غفران

 

احتضن ” عابد” كف ” ملك” بين كفيه و قال بخفوت

– منك لله يا مالك سبت لي مهمة صعبة

 

عقدت “ملك ” مابين حاجيبها نظرت لعمها وقالت بتساؤل

– عمو في حاجة ؟ مهمة إيه اللي صعبة اللي بابا سابها لك ؟

 

رفع ” عابد” بصره وقال بسرعة وبدون مقدمات وهو ينظر في عين ابنة اخيه

– ملك غفران مش هايجي عشان هو مش عاوز يخطبك اصلا الموضوع كله كان سوء تفاهم من البداية

 

نزعت ” ملك ” يدها من بين كفيه و قالت بغصة في حلقها

– إيه الكلام الفارغ دا يا عمو أنت بتقول ايه

 

بلع ” عابد ” لعابه بصعوبة بالغة، وقف عن حافة الفراش، وقف مقابلتها وقال بأسف

– غفران النهاردا خطوبته على وصال اخت بلال وغفران كان جاي يطلب لك لـ بلال كان جاي يقلنا على اساس إننا نفكر بس

 

قاطعته بغضبٍ مكتوم قائلة

– بس إيه، إيه التهريج دا غفران بيحبني أنا مش وصال دا تلاقي تخطيط اللي اسمها مهدية عشان كنت عاوزة اخد منها الفستان بالعافية

 

تابعت بمرارة وهي تتجه نحو ردائها الأسود وقالت من بين دموعها

– لو عاوزة الفستان دا كمان تاخده لكن متاخدش مني غفران قل لها كدا ياعمو عرفها إني مش مسامحها ابدًا لو فرقت بيني وبينه

– حق الله يتقال يابنتي ابوكِ هو اللي فهم الموضوع غلط وأنا اللي لفت نظره للموضوع لكن أنتِ مش في دماغ غفران اصلا !!

– اصلا !!!

– طب ازاي وهو قال إنه عاوز بابا يكون سبب إن فرحته تكمل ؟

– كان يقصد بيها إن بلال يخطب في نفس اليوم ابوكِ عارف بقال اسبوعين بس مش قادر يتكلم معاكِ وساب لي أنا المهمة دي أنا آسف يا ملك مكنتش حابب اعرفك حاجة زي كدا بس هو قدرك ولازم ترضي بي

 

هوت ” ملك ” على حافة الفراش و تركت لدموعها العنان، اقترب منها عمها وضع يده على كتفها وقال بحنو وحب

– ملك أنتِ كويسة ؟

 

بلعت مرارة حلقها وهي تنظر له بأعين مليئة بالدموع أومأ برأسها علامة الإيجاب و قالت بصوتٍ بالكاد أن يكون مسموعًا

– كويسة

 

غادر دون أن يضيف لحديثها كلمة واحدة لم يعد يتحمل رؤيتها هكذا، كان السبب في تدمير سعادتها من وجهة نظره، أما هي تكورت حول نفسها وتركت دموعها تنساب على خديها

حتى يرتوي .

 

**********

 

على سلالم الدرج كان يجلس ” بيجاد” ممد ساقيه فوق بعضهما البعض على الجدار، يحدث ” صبا” عن احلامه القادمة معها، كانت الإبتسامة لاتفارق شفتاها، ظلت تحدثه عن يومها، حياتها، وكل ما مر في خلال العام الماضي تنهد بعمقٍ وهو ينظر لسقف البيت ويقول بنفاذ صبر

– نفسي اغمض عين وافتح عين والاقي نفسي اتخرجت واتعينت عشان اتقدم لك رسمي

– على الدبل دي مش رسمي يعني ؟

– رسمي وكل حاجة بس عاوز خطوة جديدة بقى عاوزك تبقي حرم حضرة الظابط بيجاد مالك المحمدي

– أنا كمان يا بيجاد نفسي اشوف اليوم دا اوي

– بقولك إيه

– إيه ؟

– إيه رأيك نخلي الفرحة فرحتين ويوم تخرجي هو يوم فرحنا

 

رفعت ” صبا ” كتفيها وقالت بحزن

– بابا مش هيرضى

– ليه بقى ؟

– أنت عارف بابا هايقعد يقول لأ اشتغل واثبت نفسك الأول انت شايف ابوك اتجوز عنده كام سنة لسه العمر قدامك وبلا بلا بلا

 

ختمت حديثها قائلة بضيق

– وبيني وبينك البيت عندنا مش مستحمل

– ليه ؟

– بابا ورُبى واقعين مع واقعة جامدة ومبيكلموش بعض

– ازاي وهي معاكم هنا

– ماهي دي مشكلة من ضمن المشاكل

– أنا مش فاهم حاجة

– بابا مش عاوز يكمل جوازة رُبى دلوقتي وهي راسها والف سيف تتجوز

 

سألها ” بيجاد” بنبرة ساخرة

– ايوة هاتمشي كلامهاعليه ولا إيه مش فاهم ؟

 

كادت أن ترد عليه لكنها قفزت فجاة ما أن رأت عمتها ” مليكة ” احتضنتها بقوة و نثرت قبلاتها على خديها، ابتسمت عمتها إبتسامة شديدة التكلف، وقف ” بيجاد” وعانق عمته

سألها عن سبب حزنها فقالت بكذب

– مافيش حاجة يا حبيبي قل لي فين ابوك وعمك ؟

 

أجابها وهو يشير بيدها للأعلى

– عمو فوق مع ملك و بابا

 

قاطعه والده وهو يقف خلف شقيقته وقال بهدوء

– أنا جيت

 

رد ” عابد” وهو يهبط سلالم الدرج وقال بهدوء حد الاستفزاز

– وأنا اهو

 

نظرت لهما وقالت من بين دموعها بقهرٍ وحزن

– حسبي الله ونعم الوكيل فيكم إنتوا رجالة إنتوا روحوا منكم لله

 

يتبع

الفصل الثاني

¤¤¤¤¤¤¤

 

اقترب منها ” مالك ” و عانقها بادلته ذات العناق، انتحبت داخل صدره، ربت على ظهرها محاولًا تخفيف حزنها، ترك لعيناه العنان سقطت دموعه لاول مرة منذ مدة ليست بالقصيرة، ظل يخفي سوء التفاهم حتى تضخمت الأزمة، هبط ” عابد”

سلالم الدرج بخطواتٍ ثابتة، تجاوز ابنته التي تقف جوار حبيبها تخفف عنه همه، وقف مقابلة أخته سحبها من حضن ” مالك ” اعتذر لها وهو يطبع قبلة حانية فوق رأسها، تعالت شهقاتها ونحيبها عاتبته علي ما فعله بابنة أخيه، لم يعترض على حديثها لم يكلف نفسه يبرر لها ما حدث فضل الصمت منذ صباح اليوم وهو يشعر بتعبٍ وإجهاد ولكنه يتحامل على نفسه ليمر اليوم، من البداية وهو يعرف أن المواجهة هي أفضل طرق العلاج حذر ” مالك” كثيرًا عن هذه الخطوة لكنه لايبالي

تركه وسط المعركة و فر هاربًا، نظر ” بيجاد” لبيبته نظرة حزنٍ و قهر، مسدت على كتفه والإبتسامة لا تفارق شفتاها، انضم لعناق عمته محدثًا إياها كلماتٍ مرحة عله تبتسم وسط حزنها

– خلاص يا عمتو بكرا تفرحي بيا لو حابة دلوقتي ماعنديش مانع اقنعي عمي وبابا وأنا موافق

 

لكزته في كتفه بخفة هي تكفكفت دموعها وقالت بنبرة متحشرجة ممزوج بشبح إبتسامة

– طول عمرك استغلالي زي ابوك عاوز تخطف البت وتجري

 

ردت ” صبا ” مؤيدة لحديث عمتها قائلة بإبتسامة عريضة

– الحمد لله إن في حد نصرني قولي لي يا عمتو احسن خلاص حاسة اني بكلم نفسي .

– الله الله شوف ازاي يعني بقت أنا دلوقت الوحش الاستغلالي اللي عاوز اخفطك واجري مش عمي اللي بيجي كل سنتين تلاتة مرة ؟

 

فرغ”عابد” فاه ليتحدث لكن قاطعه ” نوح” وهو يقف على اعتاب شقة جدته مناديًا بصوتٍ مرتفع

– يلا يا جماعة ستي كلت دماغي

 

صعد الجميع وبدأ يتبادلون أطراف الحديث حول ما حدث، سرد ” عابد” ما قاله لابنة أخيه ليته لم يحدثهم ليته لم يسرد لهم من البداية، واكتفى بالصمت، اعترض ” مالك ” على حديثه وصفه بالإهانة لكرامتها، ايدته ” مليكة ” لكنها لم تخبر أحدًا بهذا حتى لا تزداد الامور بين اشقائها تعقيدًا

ثار ” مالك” لكرامة ابنته ندم أنه وضعها في موقفًا كهذا، ظل ” عابد” يستمع إليه دون ان يعقب على حديثه بكلمة واحدة

– أنت غلطان يا عابد مكنش لازم تجبها لها بالطريقة دي ابدا

– دلوقتي بقت أنا الغلطان يا مالك ؟ مش قلت لك قلها انت و تريحني من الموضوع دا

حصل بس انا متوقعتش ابدا انك تجرح بنتي بالاسلوب دا أنت دمرتها هي لو بنتك كنت قبلت عليها كلام زي دا

 

وقفت “رُبى ” عن الأريكة متجه نحو عمها لتجلس جواره قائلة بهدوء حد الاستفزاز

-عمو بعد أذن حضرتك أنا بنته اهو ومش معبرني بابا بقى غريب لا عاوز يسمع لحد ولا يبسط حد

عاوزني قعدة جنبه وعاوز صبا جنبه بردو بحجة إن بيجاد لسه طالب في كلية الشرطة متخيل هايعمل ايه مع ملك اللي هي اصلا بنت اخو

 

رُبى عيب كدا

 

قالتها ” مليكة ” مقاطعة تلك المجذوبة التي تجاوزت الحدود و تتطاولت على أبيها و اتهمته بالغيرة والحقد ردت ” رُبى” بنبرة مغتاظة وهي تقف عن المعقد المجاور لمعقد عمها وقالت بصوتها المرتفع

– لأ مش عيب يا عمتو العيب إنكم كلكم مغمضين عينكم عن الحقيقة وبتكبروا في بابا و هو مش شايف مصلحة حد غير نفسه و بس

 

رد ” نوح ” بنبرة لا تقل حدة وغيظ عن نبرتها وقال ساخرًا

– و عمي مصلحته إيه بقى يارُبى هانم غيران مثلا ؟

-نوح أنت بالذات متتدخلش في اللي ملكش في

– لا ليا و لو مش عجبك غوري من هنا خالص

– أنت قليل الأدب

– وأنتِ عاوزة كسـ ر رقبتك

 

رد ” مالك ” مقاطعًا هذه المشدة الكلامية التي نشبت بينهما، لكنه تفاجئ بردك فعل ابنه وهو يقول بحدة

-نوح بس كفاية

-لأ مش كفاية كلكم خلاص بقيتوا جلادين من غير ما تفكروا عمي عمل كدا ليه. ؟ عمي همل كدا وقل اقطـ ع عرق و اسيح دمه يعني انا اوجع بنتي مرة بدل ما تتوجع هي الف مرة

وبردو مكنتش هتتجوز غفران انا بالنسبة لك يا ست رُبى هانم الدلوعة حيلة مامي اللي بيخاف على ضوافره تتكسـ ر دا مش راجل اصلا فهو لو راجل صحيح مايحطش خطيبته ف وش المدفع و يقولها حلي لي مشاكلي يا بيبي

فاهمتي يا بيبي

 

ختم حديثه قائلا بإبتسامة مزيفة قائلا

– بلاش تستغلي الظروف لمصلحتك وخلي الننوس حيلة بابا وماما يبقى راجل ويظهر مرة

 

تتدخل ” بيجاد” بينها وبين أخيه محتضن ” نوح”

هامسًا بجانب أذنه قائلا

– لم الدور عمي مش متحمل

 

كاد أن يكمل حديثه لكنها فجأته بضحكتها الساخرة وهي ترد غيبة خطيبها مخاولة كتم غيظها الشديد منه

– و أنت بقى المحامي اللي بابا أجره لي ولا ليك مصلحة ماهو محدش في البيت بيدافع لبابا كدا غير لما ياخد منه اللي يقدر عليه يعني خيره عليكم ليكم حق تتدافعوا لـ ولي النعم آآه

 

ختمت حديثها متأواهة على إثر صفعة مدوية أتت من والدها لتهشم كبريائها وقضى على ما تبقى من كرامتها، احتقنت الدماء في عروقها، كاد أن يجزم أن وصل إلى مسامعه صوت سحق أسنانها من فرط غيظها، دبت قدماها أرضًا ثم غادرت المكان دون أن ترد على إهانتها تلك .

 

تفرقت العائلة لعدة ساعات قبل تناول وجبة السحور الأولى في الشهر الفضيل، كل هذا علمت به ” وتين ” فور وصولها من بيت والديها برفقة ابنها الأكبر ” تيم” ترك والده و ذهب لجدته ليعرف ما حدث لوالده بعد أن رفضت والدته تحكي له وبررت له أن الوضع طبيعي .

طرق باب الحجرة ثم ولج، طبع على يدها قبلة ناعمة وجلس على حافة الفراش متسائلا بفضول

– هو بابا ماله يا تيتا؟

– ماله يا حبيبي ؟

– زعلان و قافل على نفسه ولما ماما دخلت خرجت وشها متغير ومرضتش تقول

 

استمعت ” ولاء” لحديث حفيدها وعلمت أن ابنها وزوجته لم يخبران ابنهما ما حدث خوفًا من ردة فعله، فقررت أن تشارك معهم هذة الاكذوبة ليمر اليوم الذي لايريد أن يمر

– تلاقي مضايق بس عشان السجاير من الصبح عاوز يشرب واحنا مقفلين عليه وتلاقي امك اخدت اللي في النصيب زي كل مرة

 

لم يرتاح ” تيم ” لهذه العبارة يشعر بالكذب في كل حرف من حروفها، حاول أن يرسم إبتسامة شديدة التكلف على شفتاه، تركها مع ابن عمه يتحدثان حول تفاصيل اليوم، عاد إلى شقتهم يبحث عن أخته كانت ” صبا ” واقفة أمام الموقد تُعد قدحًا من القهوة، ولج بندفاع وقال

– فين رُبى يا صبا ؟

 

اتسعت عيناها ما إن وصل إلى مسامعها صوت اخيها الغاضب، تنحنحت وهي تستدار بجسدها كله قائلة

– أنا رُبى صبا هي اللي خرجت تشتري حاجات من الصيدلية

 

سألها بنبرة غاضبة

– ناوي تبطلي اللي بتعملي دا إمتى يا ست هانم البيه خطيبك ماشي مع كل واحدة شوية وأنتِ منكدة علينا و

 

قاطعته ” صبا” محاولة تقمص دور اختها بالوصف الدقيق، حذرت أخيها وتحدثت كما تفعل ” رُبى”

لم يشك اخيها لحظةً واحدة في أنها ” صبا” وليست ” رُبى” لم تكن مرتها الأولى التي تتقمص دورها لتنجدها من مأزق ولن تكون الأخيرة .

فهي تشوبها حد التطابق، غادر المطبخ بعد مشاجرة طويلة نشبت بينهما كالعادة، ولجت ” “رُبى” وقبل أن تستفسر اخبرتها وهي تنظر لها قائلة

– تعالي يا ست صبا شوفي البيه اخوكِ بيقول ايه

 

ولاها ظهره متسائلا بحدة قائلا

– كنتِ فين يا هانم

 

نظرت ” رُبى” لها فتمتمت قائلة من بين شفتاها بهمس

– في الصيدلية

 

ردت بسرعة ما إن جمعت حروف كلماتها، كادت أن يُكمل تساؤلاته لكنه لبى نداء والده مسرعًا، اقتربت منها وقالت غيظٍ شديد

– كنتِ فين هو أنا كل مرة هاشيل مصايبك

– معلش يا صولا أنتِ أختي وتوأمي و حياتي كلها

– يا سلام ولما نتكشف بقى هاجيب منين

– ياستي متخافيش محدش يقدر يكشفنا طول ما احنا في ضهر بعض

 

ردت ” صبا ” وهي تربت على صدرها قائلة بتوسل

– عشان خاطري يا رُبى وحياتي عندك بلاش نكد بكرا اول يوم رمضان ادخلي قولي لبابا كل سنة وأنت طيب خلينا نستقبل رمضان بخير

 

ردت باسمة قائلة

– حاضر يا صولا ماهو ماينفعش اعمل غير كدا اصلا

 

تناولت منها القهوة وولجت غرفة والديها، وضعتها على سطح المنضدة الزجاجية، سألها ” عابد” وهو ينفث سحابة دخان كثيفة رغم أنف الجميع

– متخليش رُبى تنام من غير سحور ولو مش عاوزة تتسحر معانا دخلي لها الاكل في الأوضة

 

لا تنكر مدى سعادتها بحديثه واهتمامه بها، جلست على ركبتيها و تناول منه لفافة التبغ ثم قالت بسعادة

– دا أنا يزيدني شرف إني اقعد على السفرة جنب الدكتور العظيم عابد المحمدي

 

تبدلت ملامحه ما إن علم أنها تلك المحتالة وليست تلك المسكينة التي تتدفع ثمن اخطائها، مازال لا يعرفهم جيدًا مازال يتخبط في التفرقة بينهم، اختضن خديه بين كفيها ثم طبعت قبلة عميقة طويلة، حاول التخلص منها لكنها لا تبالي لهذه المحالاوت البائسة الفاشلة، تركته أخيرًا وهي تقول بصوتها الحاني

– كل سنة وحبيبي وكبيرنا منور حياتنا ورمضان كريم والسنة الجاية نقولك يا حاج عابد مش يا دكتور

 

ابتسم رغم عنه فطرته واشتياقه لهذا العناق والقليل من القبلات التي حرمته منها، اشتاق لها واشتاق لحديثها اشتاق أن يدللها يصفف لها خصلات شعرها الطويل، يشكلها على هيئة جدائل

اشتاق لكل كان يفعله لها، تحسس خدها الأيمن وقال بحنو وحب

– و أنتِ طيبة يا ابوكِ

 

عادت تفعل معه ما فعلته منذ قليل ولكن هذه المرة ابتعد وهو يقول بجدية مصطنعة

– امك ها تفتكرني متجوز عليها

– والله يا دوك تبقى مفاجأة الموسم وياسلام بقى لما يبقى لي اخ يطلع عين سي تيم دا أنا أول واحدة ها قل لك مبروك مبروك ياحياة قلبي مبروك

 

تعالت الضحكات وتبدل الحزن لفرح في ثوانٍ معدودة، خرجت ” وتين ” على إثر ضحكاتهم ظنت إن الماثلة أمامها هي “صبا” وليست ” رُبى”

جففت يدها في المنشفة وقالت

– صولا خلي رُبى تقعد عشان تتسحر ولو مرضتش تيجي دخلي الأكل و

 

قاطعتها صوت ضحكاتهم، تركت المنشفة من يدها وتسألت بنبرة متعجبة

– بتضحكوا على إيه ضحكوني معاكم احسن قربت انسى الضحك شكله إيه ؟

– عشان دي رُبى مش صبا

– لأ بقى أنا كل ما اخفظكم ارجع اتلغبط فيكم تاني

– معلش يا مامي اصل إحنا بنحب الاختلاف والتجديد

– عارف جدك ريان وعمي عدنان الله يرحمه كانوا كدا كانوا يعملوا مصايب الدنيا كلها وكل واحد يرمي على التاني التهمة

– وجدو ريان كان بيضرب

– جدك كان يعمل كل مصيبة والتانية ويخرج منها زي الشعرة من العجينة تقريبا زي كدا اللي كان بياخد على عينه عمي واللي تقريبا كدا زي صبا

 

داعب رأس ابنته وهو يقف عن المقعد، وقال بجدية محاولا إخفاء تعبه

– أنا هاروح اشوف ستك عشان بعتت لي من شوية

 

تابع بتحذير واضح قائلا

– شوية كدا وهانتجمع كلنا عندها ملكيش دعوة بنوح خالص اعملي نفسك مش شايفاه خلينا نعدي الشهر دا على

– حاضر بس خلي هو كمان ملوش دعوة بيا

– حاضر

 

ترك ” وتين ” تحدثها بعقلانية تخبرها عن تجارب الحياة التي عاشتها قبل وبعد الزواج من والدها، نظرت ” رُبى” لوالدتها وقالت بحزن دفين

– أنا كمان ببقى زعلانة اني بكلم بابا كدا أوا بحبه وهو مابيحبنيش

– هاتي لي واحد كدا مابيحبش ولاده ؟

– بابا

-يا مفترية بقى بابا مش طيب ولا بيحبك

– مين قال كدا بابا حنية الدنيا كلها في وبيحب كل الناس إلا أنا

 

رفعت ذقنها لتتقابل نظراتها الحزينة بأخرى ذاهلة متسائلة بنبرة حائرة

– ليه ياحبيبتي بتقولي كدا، بابا عمره ما فرق بينك وبين اخواتك وكلكم عنده نفس الغلاوة والمعزة، يمكن بيحبك أنتِ اكتر كمان

– اومال لو. بيكرهني كان عمل إيه يا ماما

– مالك يا حبيبتي احكي لي إيه اللي تعبك من بابا ؟

– كل ما اقل له رامي عاوز نقدم معاد الفرح يقولي لأ ودلوقت سايب نوح يبهدل فيا وفي رامي وبيتريقوا عليه ودايما مقللين منه ليه كلكم شايفينه وحش، مع انه بيعمل المستحيل عشان يثبت لكم إنه كويس ويستحقني

 

استمعت ” وتين ” لابنتها حتى انتهت من سرد حكايتها القت كل ما يجيش في صدرها، بدأت تلتقط طرف الخيط بينها وبين زوجها تلك الحلقة المفقودة التي تسببت في تلك الفجوة، ربتت على ظهر يدها وقالت بهدوء شديد

– يمكن معاكِ حق في شوية حاجات بس بردو في حاجات كتير أنتِ مش صح فيها، التسرع في قرار مصيري زي دا لازم التأني في ويا حبيبتي أنتِ لسه صغيرة دا أنتِ عندك عشرين سنة مستعجلة ليه ؟ وبعدين متزعليش مني أنا ماما ومش هضرك بس رامي عاوز يتجوز ازاي وهو مأخدتش خطوة في اللي قال عليه لحد دلوقت فضل يزن على الخطوبة وعملنها وكتب الكتاب وحصل وقال إنه هيستعجل عشان يخلص الفيلا

 

تابعت ببساطة شديدة

– ياستي مش عاوزين فيلا كفاية شقة زي ما كلنا اتجوزنا عندك بابا مثلا أول ما اتجوزنا اخدنا شقة إيجار بعدها رجعنا عملنا شقة هنا

وعندك جدو ريان اول ما اتجوز اتجوز في شقة رغم إن عنده فيلا بتاعت العيلة لكن تيتا نادية الله يرحمها كانت مصممة إن بنتها تتجوز بعيد عن بيت العيلة والمشاكل

 

ردت ” رُبى” بفضول والإبتسامة لا تفارق شفتاها قائلة

– وهو عمل إيه ؟

– وافق طبعا وقال سعادة مراتي حبيبتي بالدنيا كلها و فضل عايش اسعد أيام حياته يمكن اكتر من انه عايش دلوقت في الفيلا

 

ختمت حديثها بحنو وحب

– المقصود من كلامي يا حبيبتي إن اللي بيحب بجد بيدور على راحة حبيبه أنا مش عاوزة اضغط عليكِ وازود عليكِ المشاكل بس رامي مزودها اوي وبابا مش عاوز يتكلم عشانك وكمان احنا غلطنا واستعجلنا وكتبنا الكتاب كان المفروض نصبر شوية

– هو ليه يا ماما أنا حاسة إن في نبرة ندم في صوتك

– اكدب عليكِ واقول لأ ايوة ندمنا وربنا يسترها وتعدي على ورامي يرفع راسك قدمنا

 

ترددت إبتسامة ” رُبى” على شفتاها لم تجد أي كلمة جديدة تتضيفها بعد حديث والدتها

على حق بل كل الحق، لكنها تنكر ذلك .

 

في مكان و تحديدًا في منزل ” بلال” استمع لحديث ” غفران “وهو ينفث سحابة دخان كثيفة، نظر إليه وقال بندمًا شديد

– مش عارف أنا اتسرعت لما رحت ولا كنت صح مش عارف بجد ؟

 

رد ” بلال” على سؤاله بسؤالا آخر وقال

– طب هو أبوها قالك إيه

– الراجل من كسوفه بقى مش عارف لا يصد ولا يرد بقى كل اللي عليه حصل خير حصل خير

 

تابع ” غفران ” بغيظٍ شديد قائلا

– كله منك يا بيه لما أنت متنيل على عينك وعاوز بنت عمك ما عرفتنيش ليه بدل اللي حصل دا واشيل ذنب البنت في رقبتي

 

ارتشف ” بلال” رشفات سريعة ومتتالية من قدح قهوته وقال بإبتسامة واسعة

– واللهِ يا صاحبي أنا نفسي معرفش ازاي وإمتى وفين حصل دا أنا فجأة كدا لقيتها مستحوذة على تفكيري، و الغيرة تشعلل في قلبي لو حد قرب لها، يمكن كلام حدي عنها يمكن دعواته اللي فضل يدعي لها معرفش بس كل اللي اعرفه إني عاوز اتجوزها

 

رد ” غفران ” متسائلا بغيظٍ شديد

– ومستني إيه ما تروح تطلب من أبوها

 

رد ” بلال”بنبرة لا تقل عن نبرة صديقه قائلا

– اروح فين دي لما بتشوفني بيبقى هاين عليها تحطني في اكياس وتوزع على القطط والكلاب

-ليه عملت لها إيه يا متخلف أنت عكيت الدنيا ولا إيه ؟

 

رد ” بلال”بهدوءٍ متجاهلًا سؤال صهره وقال

– سيبك انت أنا عملت لها إيه تفتكر هي هترضى ولالأ ؟

-لو هببتها يبقى اتعب شوية

– طب لو كانت ضلمة

– يبقى روح قدم الكفن ارحم لك

 

تركه وولج للداخل وجد مجموعة من النساء والرجال يتحدثون في آحاديث جانبية، أما هي كانت جالسة على الأريكة جوار العروس، جلس وهو يحاول إبعاد شقيقته قائلا دون أن تبرح عيناه تلك الجميلة الشقية

– قومي كلمي غفران

 

ردت ” مهدية ” متسائلة بنبرة متعجبة قائلة

– أنا عاوزني ليه ؟

 

تبدلت ملامحه وقال بغيظٍ شديد

– ليه شايفة سوسن قدامك أنا بقول للعروسة

– اها بحسب أنا

-مهدية

– نعم إيه الفستان لسه مش عجبك بردو أنا ظبطه لها خمس مرات بسببك وترجع تقولي متأخرين هاا

– لا فستان إيه انا عاوزك في موضوع مهم

– خير

 

غمز بطرف عينه وقال بإبتسامة واسعة

-فاكرة زمان لما قلتِ لي إمتى احط همومي على همومك وغسالتي تغسل همومك

 

ردت ” مهدية ” بجدية مصطنعه مخاولة إخفاء ابتسامتها وقالت بعناد

– لأ مش فاكرة

– بس أنا فاكر .

– عاوز إيه يعني مش فاهمة ؟

– عاوز اعرف أنا اللي هاجيب الغسالة. ولا أنتِ

 

ردت ” مهدية ” بصوتٍ مرتفع

– نعـــم

 

التفت من حولهم على إثر صوتها المرتفع، ذهبت إليهم ” صدفة ” متسائلة عن السبب بينما هو ابتسامة إبتسامة مزيفة وقال ممازحا

-لا مافيش حاجة بنتفق على الغسالة بس

– في إيه يا مهدية ؟

– تعالي شوفي ابن اخوكِ يا عمتي عشان شكله شارب حاجة

– في إيه يا بلال ؟

– بقولها مين فينا ها يجيب الغسالة قام معجبهاش الكلام غلطان أنا ياعمتي ؟

– غسالة إيه يا واد اللي تجبها انا مش فاهمة حاجة قصدك يعني على وصال ماهو غفران اللي هايجيب الاجهزة ؟

– لأ ياعمتي دا حوار كدا بيني وبيها

– ايوة وإيه دخل الغسالة بالموضوع ؟

– ماهي دي اللي ها تغسل الهدوم بعد ما نحط الهموم على بعض

– هموم مين يا واد غلبتني معاك

– عمتي ابن اخوكِ شكل دماغه لسعت على الآخر عن أذنكم

 

وثبت ” مهدية ” من مكانها قبل أن يتوقف نبضات قلبها من فرط سعادتها، ختم حديثه وقال بصوتٍ مرتفع

– طب تعالي نجبها بالقسط

 

نجحت في أن تخفي هذه العلامات وهي تركض تجاه المرحاض لتضع لمسات جديدة من مساحيق التجميل، بينما جلست عمتها “صدفة” محلها وهي تضرب ” بلال”على فخذيه وقالت من بين أسنانها

– غسالة إيه دي اللي تجبها بالقسط فهمني

 

تابعت بتحذير واضح وصريح

-واياك تقولي هافهمك بعدين اديني بقل لك اهو

 

بدون أي مقدمات أو تجمل في الحديث قال بهدوء حد البساطة

– عمتي أنا عاوز مهدية

– عاوزها ازاي يعني ؟

– إيه اللي عاوزها ازاي دي يا عمتي عاوز اتجوزها

 

بسطت ذراعيها وقالت بسعادة تفوق سعادتها بأخته وقالت

– يا اخي حمد لله على السلامة، بركة إنك وصلت بالسلامة دا كنت خلاص فقدت الأمل في إنك تقولها

-طب أنا قلتها هي بقى سايقة الدلال ليه

– يحق لها يا حبيبي بنت زي باقي البنات و من حقها تتدلع

– طب هنتجوزيني إمتى ؟

– اصبر لما ناخد رأيها الأول وناخد رأي أبوها و

– لأ يا عمتي أنا بنام بدري ومليش أنا في الرغي الكتير هي كلمتين ورد غطاهم يا مهدية بلال بيقولك الغسالة عليكِ ولا عليه

– غسالة إيه دي يا واد اللي شغال دماغك بيها أكتر من موافقتها

– ملكيش دعوة أنتِ، أنتِ بس قولي لها الكلمتين دول وهي هاتفهم، ومتنسيش تشكري فيا قدامها كتير

– ليه هي اول مرة تعرفك يعني، دا أنت ابن عمها اللي هايصونها و يحميها، واللي عمره ما يجرحها بكلمة كدا ولا كدا

 

ضحك ” بلال” ضحكة بلهاء ثم عقب على حديث عمته وهو يحرك سبابته قائلا

– ابوس ايدك الطاهرة دي ماتقولي الجملة دي قدامها احسن هي ناقص تقلبني شمعة

وتو….لع

 

يتبع

الفصل الثالث

¤¤¤¤¤¤¤¤

انتهى حفل الخطبة و عاد الجميع إلى بيته، عدا ” مهدية” التي جلست تستمع لرجائه وتوسلاته بأن تحنو عليه وتتفضل بأن توافق على الزواج منه، لن تنكر  تلك النشوة بالإنتصار وهي تراه ذليلًا أسفل قدماها، لن تنسى تلك الإهانات الصادرة منه، لم يترك لحظة واحدة يدعس على كرامتها، ويقلل من شأنها،  كانت عاقدة ذراعيها أمام صدرها، تنظر للسماء، تشاهد القمر و النجوم كادت تجزم أنها عرفت كم هم عددُها، اما هو كان يقف بجوارها يحاورها ينغجها و يلعنها عندما تنظر له و لم ترد عليه، زفر بنحق ثم قال بنبرة مغتاظة

– ما تتلمي بقى يا مهدية أنا شوية وهـابوس ايدك عشان تحني عليا

 

ردت بعدم إكتراث لحالته تلك وقالت

– معلش مش واخدة بالي يا بلال جواز إيه دا اللي عاوزني اوفق عليه مش دي مهدية اللي كنت بتحذرها متقربش من اختك و

 

قاطعها قائلا بندم

– كنت غبي

 

ردت بتهكم قائلة بسخرية

– كنت !!

 

تابعت بحدة قائلة

– ومازالت  يابابا ومازالت يا حبيبي غبي

 

اقترب منها لكنه حافظ على المسافة التي وضعتها بينهما حتى لا يخسر ما بدئه منذ قليل القى نظرة سريعة بالداخل ثم عاد ببصره وقال

– شش بس الله يحرقك عمتي هاتسمعنا

 

ردت بعصبية قائلة

– ما تسمعنا يا بابا هو أنا كنت جبت حاجة من عندي ولا يمكن كنت برمي كلام وخلاص

 

ختمت حديثها متسائلة بسخرية قائلة

– ولما أنت جبان كدا و بتخاف من عمتك كنت بترميني بالكلام الباطل ليه ؟!

 

احتوى كتفيها بعنف وثبتها في مكانها قائلا بغضبٍ جم

– اثبتي بقى تعبتيني

 

تابع بغضبٍ مماثل لغضبها وقال

– وبعدين تعالي هنا هو مين اللي كان قال  عليكِ دا من الأول أنا و الحلو بسلامته مهدي ابن خالك ولا ناسية

 

ختم حديثه بنبرة حزينة تملؤها الندم محاولًا استعطافها عله ينجح هذه المرة

– عارف إن لغبط الدنيا بس أنتِ قلبك كبير و هيسامح و بعدين أنا عملت كدا من حبي و لا أنتِ عميا ومش شايف دا من زمان

 

كاد قلبه يرق له ارتسمت إبتسامة عريضة على شفتاه و قال بغمزة من طرف عينه قائلا

– ضحكت يبقى قلبها حن ورق

 

ردت عليه بإبتسامة مزيفة وقالت بجدية مربتة على كتفه

– شوف لما تبقى تقف على دماغك وتمشي عكس الناس الطبيعية بردو مش هتجوزك يا بلال

 

نفث سحابة دخان كثيفة في الهوا ثم عاد ببصره و قال ببرودٍ مماثل لها

– طب بصي بقى ورحمة جدي اللي جدك بردو لو ما اتجوزتيني لـ

 

قاطعته” مهدية”  بنبرة حادة قائلة

– هاتعمل إيه يعني ؟!

 

رد ” بلال ” بقلة حيلة

– هعمل إيه يعني هفضل اعزب لحد ما تحني عارف إنك نفسك تو لعي فيا بس عارف قلبك طيب و هتوافقي صح

– لأ غلط يا بلال مش هتجوزك وتفضل اعزب ولا تتجوز خلاص شيلتك من حساباتي

– بص بقى  يا بنت عمي انا مباخدش رايك في بقوله بكرا العصر أنا جاي اتقدم بشكل رسمي عجبك عجبك مش عجبك،  عجبني أنا وعمي وعمتي الجيران دي كلها نفسها تسمع بس اننا اتخطبنا عشان ترد لنا الواجب اللي بنعمله فيهم

– ها تتجوزي غصب  يا بلال ؟ !!

 

اقترب ” بلال ” منها  وقال بإبتسامة واسعة

لا تخلو من الدالال و الغنج

– مقدرش اعملها يا قلب بلال دا أنتِ اللي يغصبك على حاجة امحي من على وش الدنيا

حتى لو أنا  دا اموت لك نفسي

 

ردت “مهدية ” بسرعة ممزوجةً بلهفة

– بعد الشر عليك

 

تنحنحت وقالت بجمودٍ مصطنع

–  والله مبقاش فارق معايا تعيش ولا تمـ

 

بُترت جملتها بنفسها وهي تضع أناملها على ثغرها نظرت له وقالت بصوتٍ حزين ونبرة تملؤها العتاب واللوم

– أنا مش قادرة انسى اللي قلته لي

 

عاتب حاله قبلها يعلم أنها تحملته كثيرًا، وبخها  ونعتها بما ليس فيها، لم يدري بنفسه وهو

يقترب منها ضاربًا بتحكماتها واوامرها عرض الحائط، لم يعد يكترث لتحذيراتها بعدم الإقتراب،  نظر حوله نظرة عابرة ثم عاد ببصره لها و قال بصوتٍ هامسًا

– عارف إني أذيتك بكلامي كتير،  وإني غبي ومابفهمش بس صدقيني استاهل فرصة أخيرة منك يا مهدية

 

ردت” مهدية ”  بمرارة في حلقها قائلة

–  فرصك خلصت يا بلال، فضلت تقسى عليا لحد ما بقى مبقاش في قلبي ليك ولازحتة حب قد كدا

 

سألها بحزنٍ قائلا

– مش طالب غير فرصة يا مهدية كتيرة عليا ؟!

 

ردت على سؤاله بسؤالا آخر قائلة بحزنٍ

– واللي عملته فيا وكلامك ليا تفتكر كان قليل عليا ؟!!

 

 

تنفس بعمقٍ وهو يطالع السماء الصافية، عاد ببصره وقال للمرة الأخيرة قبل رحيلها

– طب يا مهدية أنا عاوز منك فرصة واحدة بس،  اثبت لك فيها إني استاهلك بجد، اثبت لك فيها إني كنت غبي يوم ما سلمت عقلي لحد تاني فرصـ

 

أنا آسفة يا بلال فرصك خلصت بالنسبة لي

تصبح على خير .

 

أردفت ” مهدية ” عباراتها  قبل أن تندفع تاركة إياه يناديها مرارًا،  لكن لا حياة لمن تنادي،  قررت أن تتركه قبل أن يتشاجر معها، قلبه ينعتها بالبلهاء وعقلها ينحي لها احترامًا وتقديرًا لهذه الحدة والصرامة، وقعت هي فريسة بين العقل والقلب، أما هو فكانت محاولاته دائما محاولات بائسة فاشلة ولا يعرف متى ستنجح ؟!

 

**********

في منزل الجدة ولاء

كان ” نوح ” واقفًا في شرفة حجرته، يرتشف رشفات متتالية من قهوته الساخنة، يستعيد ذكريات اليوم من بدايته حتى لحظته تلك

لاحت إبتسامة جانبية ما إن تذكر المشاجرة التي نشبت بينها و بين خطيبها، لا يعرف لِمَ لا يفصل رأسه عن جسده، ربما لتوسلها له بأن يتركه مدعية عدم الضرر له، لو تعلم كم هو يتوق شوقًا ليجده جثة هامدة، لو تعلم كم يتوق شوقاً لرؤيتها سعيدة بعيدًا ذاك الغليظ

اطلق تنهيدة قوية تحمل كل ما يجيش بصدره

انتشل صوت صرير باب الشرفة المجاورة وخرجت منها ” رُبى” مُدعية أنها ” صبا” بدأت تسأله عن ما حدث لاختها قائلة بخبثٍ

– بس يا سيدي  وقالت  لي إنك جيت في الوقت المناسب حقيقي يا نوح مش عارف اشكرك ازاي بابا لو عرف كان بهدلها قبله

 

عقد ” نوح ” ما بين حاجيبه متسائلا بمكر

– كل دا حصل ما رُبى !!

 

مالت ” رُبى” برأسها متسائلا بإبتسامتها الساحرة قائلة

– يا نوووح بقى أنت مش عارف اللي حصل ما هي رُبى حكيت لي

 

رفع” نوح” منكبيه وقال بكذب

– صبا مش محتاج اكدب على فكرة و انا نفسي مستغرب إن رُبى حصل معاها كدا وقالت عني كدا

 

تابع بجد وقال

– صحيح لو كان حصل دا كنت عملت زي ما حكيت لك بس ارجع واقول انا لا شفت رامي ولا رُبى ولو حصل كدا يبقى اختك بتحلم

 

فرغ فاها لتتحدث قاطعها قائلا

– بقل لك إيه تشربي قهوة ؟!

 

تناولتها ” رُبى” دون تردد وقالت بامتنان

– ياسلام احلى قهـ

 

صمتت عندما صدحت ضحكته ما إن ارتشفت القهوة كالبلهاء، قلبت شفتاها وقالت بنبرة مغتاظة

– بتضحك على إيه ؟

 

رد ” نوح ” باسمًا

– تاني مرة لما تحبي تعملي  صبا ابقي اتاكدي الأول اني مش اهبل

 

سألته بنبرة مغتاظة

-عرفت منين إني رُبى ؟!

 

اجابها بإبتسامة قائلا مدللٍ إياها

– قدرات يا روبي

 

دفعته في كتفه وقالت بغيظٍ

– بتكلم جد يا رخم

 

نظر ليدها الموضوعة على كتفه، ثم عاد ببصره وقال بصوتٍ هامسًا مراعاة لشعور أخيه الذي يقف في الشرفة العالية بالطابق الثالث

–  كنت مصدق إنك صبا فعلا، لحد ماقلت لك تشربي وقبلتي

 

سألته بعدم فهم قائلة

– ودي فيها إيه يعني !!

 

اجابها بجدية وهو يتكأ بجذعه العلوي على السور الاسمنتي وقال

– صبا عارفة إن بيجاد بيغير من خياله وهي بتحافظ على شعوره، بمعنى اصح بتحاول تعمل حدود معايا ومع اي حد ممكن بيجاد يغيير منه

 

ردت ” رُبى” متسائلة بسخرية

– ايوة بس دي خنقة، وبصراحة بقى اخوك مزودها اوي

 

حرك ” نوح ” كتفيه وقال بجدية

– هو ممكن تشوفيها خنقة ومزودها لو أنتِ مش حاباه لكن لو بتحبي يبقى هتبقي مبسوطة إنه بيغيير عليكِ ومش عاوزك تتكلمي من غير حدود

 

جلست على المقعد الموضوع خلفها وقالت بغمزة من طرف عيناها بمكرٍ

– طب وأنت مش بتغيير ؟

 

عقد ما بين حاجبيه متسائلا باستفهام

– من مين ؟

– بيجاد، يعني هو بيتحكم في صبا وبيقولها تكلمي دا وتخرجي إمتى وترجعي امتى حتى أنت اخوه الكبير عاملة معاك حدود مع انك مش غريب وابن عمها اصلا

 

رد” نوح”  بتفهم وقال

– اها، لا طبعا مش غيران بالعكس مبسوط إن اخويا الصغير كبر وعارف يعني إيه حب وحياة أسرية، وبعدين كل واحد حر في حياته

هو عاوز خطيبته تتطبع بطبعه وهي موافقة ازعل أنا ليه !!

 

ختم حديثه ماكرًا قائلا

– اعتقد إنك المفروض تبقي عارفة الحاجات دي كويس اكتر مني

 

ردت ” رُبى ” رافعة كتفيها متسائلا بغرور

– مين أنا !!

– اه، بما إنك مخطوبة وكدا فأكيد خطيبك بيغيير بقي وكدا

 

صمتت قليلًا ثم قالت بكذب

– رامي طبعا بيغيير بس عارف يغيير من مين و امتى

 

أشارت بسبابتها قائلة بغطرسة

– أنت مثلا تفتكر ممكن يغيير منك ؟ طبعا لأ

 

رد” نوح” بذات النبرة وقال

– طبعا مش ممكن يغيير مني، ليه شايفاني ملزق زيه .

 

يتبع

 

الفصل الرابع

¤¤¤¤¤¤¤¤

 

ضغطت على يدها بقوةً حتى إنقطعت الدماء عن اطرافها،  لاحظ غضبها المكتوم فبادلها بإبتسامة خفيفة، وقف عن المقعد وقال بجدية

– أنا هطلع اشوف ملك اختي

 

اشار بيده وقال بتساؤل

– خلصي القهوة وحطي الفنجان هنا مش مهم تغسلي

 

كادت أن يلج للغرفة لكنه عاد بجسده وقال

– رُبى

 

التفت له دون أن ترد ولكن ملامح الحزن بادية على وجهها، تابعته بأعين مليئة بالدموع ونبرة متحشرجة لا تخرج حتى لا تكشف إنكسارها أمامه استمع لنصائحه دون التعقيب على حديثه بكلمة واحدة

– أنتِ غالية، غالية في نظر ناس كتير اوي بلاش ترخصي نفسك، اوعي تعيشي حياة مش حياتك لمجرد الخوف من الفشل، لأن دا في حد ذاته فشل، افشلي في علاقة على البر أفضل مليون مرة ما تعضي على ايدك من الندم بعدين

 

ختم حديثه قائلا

– متناميش السحور على البنات النهاردا

 

غادرت الشرفة لكن لم يغادر الحجرة،  ظل واقفا خلف الباب، يستمع لبكائها، نحيبها، وانسكارها أمامه،  استدار بجسده كله وضع يده على المقبض الحديدي، قرر أن يعتذر لها

طحن على أسنانه من فرط غيظه، ترك المقبض والغرفة بل الشقة بأكملها، صعد إلى شقيقته، ولج البيت باحثًا عنها، كانت والدته تصنع لوالده قهوته المسائية،  دلف المطبخ طبع قبلة على كتف والدته وقال بحنو

– كل رمضان و أنتِ منورة بيتك ومطبخك  يا ست الحبايب

 

ابتسم دون أن تستدار له وقالت بسعادة

– و أنت بخير يا حبيبي

 

سكبت ” سيلا”  القهوة ثم استدارت له وقالت باسمة

– تحب اعمل لك قهوة يا نوح ولا تتسحر ؟

 

أومأ برأسه قائلا بالنفي

–  لا يا ماما ها نتسحر كلنا تحت إن شاء الله

 

اقتربت منه وقالت بصوتٍ هامس مشيرة برأسها تجاه زوجها ” مالك ” الذي جلس يقرأ الجريدة المسائية

– مش هيرضي ينزل

 

تناول من يدها القهوة وقال بذات النبرة

– روحي حضري نفسك وأنا هاظبط الدنيا

 

سار تجاه والده، جلس وقال بأدبٍ وهو يضع قدح القهوة

– كل سنة وحضرتك طيب يا بوب

 

رد ” مالك ” دون أن يرفع بصره عن الجريدة

– وأنت طيب يا نوح

– اتفضل القهوة

– طب يا سيدي تسلم ايدك

– ماما اللي عملتها

– تسلم ايدها وايدك

 

نظر له وقال بجدية

– هات اللي عندك يا نوح

 

ابتسم لها وقال

– بص انا عارف إن عمي غلط، بس أنت لو فكرت فيها ها تلاقي عمل الصح، هو ماشي بمبدأ اجرح بنتي ولا غيري يجرحها

 

رد ” مالك ” بتهكم قائلا

– وما شغلش دماغه دي مع بنته ليه ؟! فالح بس يجرح بنتي ؟!!

 

نظر ” نوح” لوالده بينما رد ” مالك” وقال بتلعثم

– ما تبصش لي كدا يا واد أنت، ايوة أنا اللي حطيته في وش المدفع بس بردو قلت هو ها يعرف يجبها لها بذكاء مش هيبقي مدب زيي

اهو طلع دبش اكتر مني

 

تنهد ” نوح ”  وقال باسمًا

– بابا يا حبيبي لو جبها بذكاء زي ما بتقول كانت هتاخد وقت وهي تتعلق بي زيادة هو قال كدا افضل، طب اقل لك على حاجة امبارح عمي ما اتسحرش ولا فطر حتى تيتا رفضت تأكل

 

استدار ” مالك ” بسده نصف جلسة  متسائلا بعتابٍ

–  إيه دا ازاي كدا دول بياخدوا دوا وعمك يا زفت أنت ازاي تسيبه يصوم من غير ما يأكل لقمة ؟!!

 

رد بنبرة حزينة و قال

–  اعمل إيه بس يا بابا، ماهو بعد ما اتجمعنا كلنا وفضل منتظرك قال مش هتسحر لما الكل يتجمع، بعتنا لك وأنت قلت مش هتنزل قال أنا مليش نفس وطبعا ولاده ومراته نفس الكلام وتيتا لما شافت كدا قالت شيل الأكل يا نوح مليش نفس و اول يوم رمضان اللي كنا بنتجمع فيه بفرحة وسعادة بقى حزن وكأبة

 

ختم ” نوح “حديثه قائلا

– لو يرضيك بقى عمي يتعب و

 

لكزه والده قائلا بغضبٍ مكتوم

– اخرس قطع لسانك

 

تابع بجدية قائلا

– قوم نادي على امك واخواتك وخليهم ينزلوا أنا كمان نازل

 

وقف ” نوح” وهو يغمر والده بقبلاته قائلا بسعادة

– حبيبي حبيبي، كنت واثق إنك مش ها تكسفني

 

تابع بتذكر قائلا

– صحيح خبط على عم عابد الاول و

 

رد ” مالك” و قال بغضبٍ مكتوم

– امشي يالا من هنا مش ها تعلمني الأصول

 

خرجت ” سيلا” تبعها ” بيجاد” ليشاهدو

مشاجرة الأب وابنه التي لن تنتهي إلا بذهاب

” نوح” غادرا ثلاثتهما، وولج هو لاخته المنعزلة منذ معرفتها بخبر خطبة ” غفران”

كانت شاردة الذهن لم يصل إلى مسامعها ماحدث بالخارج، أو وصل فهي لم تكترث لهما بل لم تكترث لأي شئ من الأساس .

جلس مقابلتها على حافة الفراش، يستمع لها، حسرتها على فرحتها التي لم تكتمل، على ذاك الحبيب الذي لم يشعر بها من الأساس،  نظرت له وقالت بمرارة

– أنا مزعلتش من كلام عمي يا نوح، أنا زعلت على  فرحتي اللي اتكسرت، فستاني اللي ملحقتش افرح بي، على واحد حبيته وهو قلبه مع غيري

– حاسس بيكِ يا ملك

 

ردت ” ملك “ببكاء مرير

– لأ مش حاسس بيا، أنت عمرك ما جربت يبقى إيه بتحب حد ويفضل قصادك ليل نهار وفي الآخر يبقى نصيب حد تاني، قمة القهر اللي في الدنيا يا نوح لما اللي بتحبه مش بيبادلك نفس الشعور

 

ابتسم بإنكسار وقال بمرارة في حدقه حاول التغلب عليها

– جربت يا ملك، جربت كل اللي بتقولي عليه دا  عشان كدا بقل لك حاسس بيكِ

 

نظرت له وقالت بتساؤل

– رُبى مش كدا ؟!

 

تنحنح وقال بجدية مصطنعة

– انا جاي اتكلم معاكِ  ولا تحققي معايا

 

سألته ” ملك” مجددًا

– ليه بتهرب يا نوح ؟

 

أجابها رافعًا كتفيه قائلا بإبتسامة ممزوجة بخيبة أمل

– وهو أنا قدامي غيره يا ملوكة !!

 

ربت على ظهر يدها وقال بمزاح

– يلا السحور عليكم وبابا تحت واحنا امبارح لا فطار ولا سحور، و لا عاوزة تهربي من عمايل الأكل !!

 

ابتسمت رغمًا عنها وقالت بحنو وحب

– رغم إن رُبى بنت عمي بس انا بتمنى لك حد غيرها أنت تستاهل تتحب يا نوح وهي أنانية

 

رفع” نوح ”  منكبيه وقال

– حبيبك على عيبه بقى ياملوكة

 

ختم حديثه قائلا

–  يلا ربنا يسعدها ويوفقها في حياتها اللي اختارتها

 

نهض قبل أن يستمع للمزيد من كلمات أخته المؤلمة لقلبه،  خرج من غرفتها هاربًا للمرحاض وضع رأسه أسفل المياة، عله توقظه من غفلته تلك، رفع رأسه ونظر لصورته المنعكسة في المرآة،  مالذي فعله بحاله وقع في عشقها دون إرادة منه، لا بل كان السبب في ذلك هو عمه حين وعده بها، تردد على مسامعه جملة عمه وهو يقول

( رُبى ليك يا نوح، مش هلاقي لبنتي راجل يشيلها في عينه زيك، خلص جامعتك ونعمل خطوبة وبعدها نفرح بيكم،  أنا بشتري راجل )

 

كانت جميلة هادئة مدللة أبيها، حتى  جاء ذاك   المحتال والتف حولها كالأفعى،  لن ينسى تلك الجملة التي اعتذر بها ” عابد ” وهو يخبره

( معلش يا نوح الظاهر إنها مش نصيبك، كنت فاهم إنها هعرف اختار لبنتي بس هي اختارت ومصممة على رأيها، بس صدقني هي الخسرانة)

 

كان هذا اليوم هو يوم تخرجه كان في الثاني والعشرون من عمره،  أما الآن بلغ الخامس والعشرون ثلاث سنوات كاملة، مرت عليه يحاول تجاوزها، دعس عمه على قلبه دون قصد لن يخبر أحد بتلك الالام،  ظل حبيس هذه الذكريات ولن يخرج منها ما دامت هي أمامه يحاول تجنبها لكنها لم ترحمه حتى يركع أسفل قدماها طالبا العفو والرضا،  يا لها من متعجرفة، قاسية القلب،  وسليطة اللسان

يود أن يصرخ في وجهها لكنه يقابلها بالبرود

فيزداد جنونها، تعمل على الغيرة لديه فيبتسم

هبط الدرج وهو يقفز بين سلالم الدرج بعد أن بدل ملابسه المبللة بأخرى جافة،  خرجت في ذات الوقت ابتسم لها وقال بجدية مصطنعة

– صبا نادي للجماعة

 

ابتسمت وقالت بهدوء

– أنا رُبى مش صبا وكنت طالعة انادي لكم عشان بابا قال إن هنتسحر عندنا

 

عقد ما بين حاجبيه متسائلا بنبرة متعجبة

– هو بابا مادخلش عندكم ؟

– لا دخل بس مش بيتكلم مع بابا

 

وقف أمام الباب مباشرةً  وقال

– طب دخليني

 

أشارت له بالدخول تجاوزها عابرًا باب شقتها، القى التحية وهو ينظر للجميع، كان ” عابد”

يتحدث بمرارة في حلقه، يعاتبهم علي سوء معاملتهم له وكأنه السبب في ذلك،  كانت

” ملك ” تشعر بالذنب لما آل إليه عمها،  جلست جواره محتضنة ذراعه وتوسدته ثم قالت بنبرة حزينة

– معلش يا عبودي متزعلش أنا آسفة  أنا السبب

 

رد “عابد ” بصوتٍ مختنق

– ابوكِ فاكر بعاملك غير ولادي ربنا يعلم أنتِ زيك زي بناتي ويمكن اكتر كمان

 

تابع بحزنٍ دفين وهو يشير بيده قائلا

– عيال البيت كله مولدين على ايدي أنا آخر حد دلعته وشيلته على ايدي هما عيالي دلوقتي بتقولوا عني إني جاحد ومبخافش على كرامة ملك بنتك اللي هي اساسا بنتي أنا

 

وجه سؤاله لأخيه م شيرًا برأسه قائلا

– مين اللي كان بيودي الحضانة ويجبها مين كان بيدلع ويسرح شعرها ويغني لها مين لما كانت تغلط يداري على غلاطها ويقول محصلش كانت بتجري على حضن مين  وتعيط عشان أنت بس زعقت لها

 

ثم نظر لها وقال بتساؤل

– مين اللي كان بجيب لك حقك من عينه مين اللي لو فكر يضربك على ايدك كان يرد له الضربة بالحزام على جسمه لما ينزف

 

يتبع

الفصل الخامس

¤¤¤¤¤¤¤¤¤

 

سقطت دموعها من فرط تأثرها لحديثه وكلماته المعاتبة والحانية أيضا ثم قالت بحنو وهي تكفكف دموعه

– وحياتي ما تزعل نفسك أنا بخير طول ما أنت بخير

 

تابعت بنبرة مرحة قائلة

-ما تخليش مالك يفرح فينا دا ما بيصدق إنك تزعل مني عشان ادلعه

 

ابتسم لها وقال بجدية مصطنعة

– طول عمره استغلالي ابن كلـ ، تقولي إيه ماهو قليل رباية

 

رد ” مالك” وقال بعتاب

– ماخلاص بقى ياسي عابد احنا كبرنا على الكلام دا العيال قاعدة مش كدا

 

رد” عابد” ساخرًا

– مهما كبرت هتفضل مالك العيل الصغير اللي كان يدور يفتش في هدومي ويسرقني ويستلف مني وميرجعش الفلوس معروفة يعني !!

 

قاطعه ” مالك ” قائلا بجدية مصطنعة

-لأ يا حبيبي كنت برجع لك الفلوس بس على مهلي مش مستعجل الإستعجال وحش

 

ابتسم ” نوح” وهو ينظر لأخته التي ضحكت وهي تنظر لأخوايها قائلا بمرح

– دا طلع بيجاد مش طالع لحد غريب يا بابا

 

ابتسم ” مالك” وقال دون قصد

– اه طالع لي

 

ضحك الجميع ثم تذكر ماذا تقصد تلك الحمقاء

وقف عن الأريكة المقابلة لأخيه وحاول نزعها من حضن أخيه قائلا بجدية مصطنعة وهو يضربها بخفة

– قومي يا كلبة من هنا بتوقعيني في الكلام

 

نزعت يده من فبضة أبيها متشبثة في ذراع عمها وقالت بغنج ممزوج بحزن مصطنع

– يا عمووو خلي يسكت

 

دفع ” عابد” أخيه قائلا بجدية

– امشي من هنا يلا مش عاوزين نشوف وشك و

 

قاطع هذه المشاجرة الصبانية دخول ” مليكة”

التي بالكاد تلتقط أنفاسها وكأنها كانت في سابق للركض، بحثت عن أخيها الأكبر وما إن وقعت عيناها عليه نزعت صبا من حضنه وقالت بسرعة دون توقف

– أنت كويس؟ فيك حاجة !! حاسس بإيه ؟! رد عليا ساكت ليه يا عابد؟!

 

سألها بدهشة قائلا

– أنا كويس يا بت مالك في إيه ؟!

 

وقفت عن الأريكة متجهة حيث ابن اخيه العاق الذي يومًا ما سوف يقضي على آخر ما تبقى من عقلها، رفع سبابته وقال بخوفٍ من تصرفاتها

-وربنا يا عمتي ما كان عندي حل غيره، عمتي أنا آآآه

 

لم تتركه ينعم بتلك المقالب اللعينة التي يفعلها دومًا، قامت بضربه في مناطق متفرقة من جسده، استدارت بجسده كله تجاه اخوايه وقالت بغيظٍ

– دا ها يجيب لي جلطة دا، وابقى ارتاح أنت وابنك يا مالك

 

عادت مكانها نازعة هذه المرة “ملك” من حضنه قائلة بعصبية

– خمسة بس كدا يا حبيبتي عشان اطمن على اخويا

– إيه يا عمتو دا مكاني من الأول

– روحي اطمني على اخوكِ وسيبي لي اخويا أنا اطمن عليه

 

بعد مرور نصف ساعة

 

وقف ” نوح” وقال بجدية مصطنعة

– يلا بقى عشان ستي بتسأل علينا ونعاد السحور جه خلاص يلا كلنا نتلم عندها

 

تابع قائلا بتحذير

– السحور النهاردا على البنات مش عاوز دلع هااا

 

رد “عابد” قائلا بإبتسامة

– اعمل أنت الفول يا نوح بتعمله حلو

– بعمله حلو ولا مش عاوز تتعب البنات ياعمي ضحكوا عليك بكام حضن وبوسة

– اخرس يا متخلف قلت لك بحب اكله من ايدك

 

نظر” نوح” للفتيات وقال بنبرة مرحة

– بنات عيلة المحمدي على المطبخ يلا وسيبه لي الفول أنا هاعمله

 

نظرت ” صبا” لتوأمها متوسلة إياها بأن تتولى هذه المهمة بدلًا منها حتى تمرر اليوم مع خطيبها الذي يشعر بالغيرة من تواجدها مع أي شخصًا بالمكان، أومأت لها بالموافقة ونهضت قائلة بمزاح

– أنا هعمل لكم بيض مسلوق محدش يعرف يعمله غيري

 

رد ” نوح ” ساخرًا من مهاراتها الفذة

– لأ مش ممكن بيض مسلوق ودا ياترى بيتعمل ازاي دا ؟!

 

تابع بجدية كاظمًا غيظه الشديد منها

– قومي ياصبا معانا يلا

 

ردت ” رُبى” بسرعة قائلة

– لأ سيب صبا ترتب السفرة وترص الاطباق

 

انتبه لوجود أخيه وأنها هذه تعليماته، لم يعقب على حديثها أو يبدى أي اعتراض، ولج المطبخ وخلفه شقيقته وابنة عمه .

 

كان يستمع لحديث اخته في موضوعات مختلفة يتبادلا أطراف الحديث عن هذا وذاك

لم تتدخل ” رُبى” في هذا الحوار، انتبهت لسؤال ” ملك ” وهي تقول

– وأنتِ إيه رأيك يا رُبى ؟

 

ردت ” رُبى” بنبرة حائرة

– مش عارفة بصراحة بس أنا مع نوح في الكلام دا

– يعني إيه، يعني مش عاوزاه ياخد مني العربية ؟!

 

ردت موضحة رأيها

– مش قصدي طبعًا إنتوا اخوات ومافيش بينكم فرق اكيد بس أنا كنت قصدي إنه فعلا هايضيع معظم مرتبه على بنزين وتصيلح وخلافه

– بس يا على الاقل يا رُبى هايبقي مرتاح من مرمطة الموصلات والقلق اللي بيعمله لنا يوميا بسبب الموتوسيكل بتاعه، وبعدين أنا اخته الكبيرة مش حد غريب

– أنتِ زعلتي مني أنا مش قصدي يا ملك والله بصي انا آسفة مش

 

رد ” نوح” مغيرًا دفة الحوار وقال بمرح

– انتوا عاملين أزمة انا لا هاروح بال ولا الموتوسيكل أنا اترفدت من الشغل وبقيت عاطل عن العمل واتحولت للتحقيق والحمد لله

 

استدارت ” ملك ” بجسدها وقالت

– ليه يا نوح كنت مرتاح في الشغل مع خالو عاكف وازاي يحولك للتحقيق !!

 

كاد أن يتحدث لكن قاطعته صوت عمته قائلة بحنو

– خد يا نوح تولين عاوزة تكلمك

 

طلب منها فتح السماعة الخارجية، ووضع الهاتف على المائدة الرخامية، قام بتقطيع الخضراوت وهو يحدثها قائلا

– اهلًا بالرسامة العظيمة

 

صدحها صوتها في المكان قائلة بمرحة

– اهلا بإبن خالي العيظم، سيبك من المقدمات

وقل لي بتلف وتدور ليه مش عادتك

– عاوزك تعملي الشقة أنتِ عارفة تيتا وطلباتها

– بالأسعار اللي قلت عليها مستحيل

– توتي متهزريش الأسعار دي اخسن اسعار عندي

– نونووو

 

رد مقاطعا غنجها اللاذع وقال

– تولين بلاش الاسم دا بيعصبني

– خلاص متزعلش المهم أنا بكلمك عشان اقل لك إني مستحيل افضى لحد قبل العيد بأسبوع

– لأ يا تولين مش هاينفع عاوزين نخلص قبل عيد ميلاد تيتا و

– اسمعني بس الشقة مش هتاخد مني وقت خالص انا بس مشغولة ما بين تحضيرات المعرض بتاعي ومشروع التخرج عشان كدا حرفيا مافيش وقت عشان خاطري سبني لسه شهر رمضان في أوله

 

كانت ” رُبى” تستمع لصوتها المدلل وهي تغنجه طالبة منه الرحمة بها، ظلت تضغطت على مقبض السكين بقوةً لا تعرف سببها، استدارت بجسدها كله وضعت أمامه صحن الجبن وقالت بإبتسامة عريضة

– حلوة الجبنة كدا يا نوح ؟

 

رد دون أن ينظر إليه قائلا

– حلوة تسلم ايدك حطيها عندك يا رُبى

 

تابع باهتمام قائلا

– خلاص يا توتي هاسيبك لاخر الشهر بس عارفة لو خلعتي هاعمل فيكِ إيه ؟!

-لالا متقلقش هي دي اول مرة يعني، يلا هاسيبك تكمل السحور عشان انا كمان احضر السحور لبابا واخواتي

– ماشي ومتنسيش تيجي تفطري معانا بكرا، عمتو فيروز جاية بكرا و

 

نظر ” نوح” لـ تلك الماثلة أمامه، ونيران الغيظ والغضب يكاد ينفجران من عيناها، سألها بنبرة حادة

– أنتِ متخلفة بتقفلي السكة في وشها ليه

 

ردت على سؤاله بتحذير واضح قائلة

– لما اكون بكلمك تبص لي واهتمامك يكون ليا وبس حتى لو اللي بيكلمك دا

 

تابعت حديثها بإستهزاء

– ست تولين هانم

 

ختمت حديثها وهي تدفع في صدره الخبز ثم خرجت من المطبخ، تمتمت بكلماتٍ لاذعة

– غبي و متخلف

 

لم يكترث لإنفعالها الزائد وتصرفاتها الحادة معه، يعرفها جيدًا متقلبة المزاج، تابع تحضير الطعام وسط ذهول ودهشة شقيقته الكبرى

بررت بداخلها أن هذه تصرفات تحمل بين طياتها الغيرة لكنها رفضت تصديق الأمر، ضحكت بصوتٍ مسموع سألها ” نوح” قائلا

– طب ضحكيني معاكِ ؟!

– اصل لولا رُبى مخطوبة لواحد بتحبه كنت قلت إن اللي حصل من شوية دا، غيرة مجنونة

– هتغير من مين من تولين لأ وعلى مين عليا أنا دي لو تطول تو لع فيا مش هتقصر

 

صدحت ضحكاتهما المكان، تابع آخر لمسات الطعام وخرجا سويًا من المطبخ، التفوا جميعًا حول المائدة و شرعوا في تناول وجبة السحور

بين الضحك و الجدية، كانت ” ملك ” تحاول جاهدة مواكبة ما يحدث حاولها من أجل عمها

بداخلها حزنٍ دفين .

 

 

في مساء اليوم التالي

داخل منزل ” بلال”

كان ينظر لأخته وهو يتناول صحن الحلوى، جلست جواره تستمع لحديث عمتها، ربتت بخفة على كتف أخيها و قالت بتعاطف

– معلش يا بلال استحملها

– يا ابني انا عمتك ودي اختك يعني مش حد غريب قل لي البت راسها ناشفة ليه، و ليه مش راضية تتكلم وبتقولي اسألي !!

 

تنهد” بلال” بعمقٍ وقال

– خلاص يا عمتي بقى سيبها أنا هعرف ازاي اخليها توافق بس سيبها يومين كدا

 

ردت متسائلة بحدة وهي تنظر له قائلة بغضبٍ

– ايوة يعني إيه ؟ أنا عاوزة افهم

– خلاص بقى يا عمتي قلت لك سبيني في حالي دلوقت

– لا مش هاسيبك

– يبقى أنا اللي هاسيبك و اسيبك البيت كله سلام

– خد يا بلال كلمني هنا يا واد

 

أشارت بيده لـ شقيقته قائلة بغيظٍ شديد

– شايفة الواد وعمايله يا وصال !!

– سبيه يا عمتي هو هيرجع وهيبقى كويس

 

مهدية اخرجي بصي من البلكونة، وربنا يا مهدية لو ما طلعتي دلوقت لاطلع أنا لمي الد‘ر الناس هتتفرج علينا

 

أردف ” بلال” عبارته وهو ينظر حوله ثم نظر للأعلى أشار بيده و مازال هاتفه على أذنه

– اعملي لي فنجان قهوة وانزلي نتكلم

 

ردت ” مهدية” بعنادٍ قائلة

– مش نازلة واللي عندك اعمله وقهوة مافيش

 

هز رأسه علامة الإيجاب وقال

– ماشي يا مهدية

 

صعد سلاالم الدرج بخفة وسرعة، قرع ناقوس باب شقتها، وقفت خلفه وقالت بحدة وصرامة

– امشي يا بلال بابا مش في البيت

 

استند بكتفه على باب البيت وقال

– مش هامشي يا مهدية وهفضل قاعد هنا لحد ما عمي يرجع

 

فتحت النافذة الحديدية ثم قالت بغيظٍ مكتوم

– عاوزك يا بارد إيه هو الجواز بالعافية ؟

 

رد ” بلال” باستعطاف

– يا مهدية كل اللي طلبته فرصة تانية، وصدقيني آخر فرصة

 

كادت أن توافق لكنها تذكرت حديث ” شوقية”

صديقتها وهي تذكرها بإهانته المتكررة لها و حديثه اللاذع فقررت أن تعمل بنصيحتها وقالت

– ياريته كان ينفع ياحبيبي بس تقول إيه بقى

اللي سبق

 

كور قبضته وقال بنبرة مغتاظة

– قصدك إيه يعني ؟!!

 

ردت بهدوء حد الإستفزاز

– يعني مهدي اتقدم لي وأنا وافقت و

 

قاطعها بغيظٍ شذيد وهو يقول

– بقى مهدي اتقدم لك ؟!

– اه

– طب مبروك ياختي ماهو صحيح كل واحد بيدور على اللي شبه

 

غادر ” بلال” المكان بينما اوصدت ” شوقية”

النافذة وهي تقول بحزنٍ مصطنع

– بقى هو دا اللي قلبك اتنطنط من الفرحة بسببه من امبارح مش قلت لك إن بلال مش من توبك وإنه خلاص ركب الموجه وعدا

 

ارتمت بين احضان صديقتها بينما هي مسدت على ظهرها بحنانٍ بالغ قائلة

– معلش يا حبيبتي ولا يهمك بكرا مهدي يتجوزك ويعيشك في السعد والهنا

 

يتبع

 

الفصل السادس

¤¤¤¤¤¤¤¤¤

 

السلام عليكم كل سنة وإنتوا طيبين ورمضان كريم علينا وعليكم يارب، وحشتوني ياعيااال

 

أردفت ” فيروز” عباراتها وهي تقف على اعتاب باب شقة والدتها، خلفها ابنها وابناء اشقائها، هرولت نحوها ” صبا” محضتنة إياها

بقوةً وكأنها وجدت ضالتها، بئر أسرارها صديقتها المقربة، وأمها الثانية أتت أخيرًا، خرجت من حضنها متسائلة في دهشة

– فين عمو سلطان دا واحشني قوي يا عمتو

 

ردت ” فيروز” بإبتسامة هادئة قائلة بكذب

– جاي بس كمان يومين تلاتة كدا أصل عنده شغل كتير وقال كفاية عليكم تأخير لحد كدا

 

ولجت ” صبا” محضتنة عمتها هامسة بجانب أذنها وقالت

– عندي كلام كتيير قوي وعازة اتكلم معاكِ

– وأنا عاوزة اسمعك قووي

 

ولج ” صهيب” بوجه مبتسم صافح الجميع، ثم مال بجذعه العلوي على يد جدته، طبع قبلته وقال بحنو وحب

– كل سنة وأنتِ طيبة ياتيتا

 

مسدت على مؤخرة رأسه وقالت بسعادة غامرة لرؤيته أخيرًا

– وأنت طيب ياقلب تيتا. والسنة الجاية كدا تبقى مع مراتك في بيتك

 

ضحك ” صهيب ” وقال ممازحا جدته

– ياتيتا كل سنة تتدعي لي نفس الدعوة مش هتغيريها ؟

 

ضمته لحضنه بحنانٍ مربتة على كتفه وقالت بجدية مصطعنة

– هفضل ادعي لك بيها لحد كا اموت ولحد ما ربنا يهديك يا ابن بنتي وتتجوز

 

رفع بصره وقال باسما

– وأنا موافق بس هاتي لي نسخة فيروز وأنا هتجوزها حالا

– فيروز !! طب نقي حد عدل

 

ضحك الجميع على مزاح الجدة وسخريتها من ابنتها الذي يحدث سنويًا، نظر ” صهيب” لوالدته ثم عاد ببصره لجدته وقال بعتابٍ ولوم

– ليه بس ياتيتا دي مامي قمر كدا ازعل منك

 

تشارك الجميع هذا المزاح ثم تبدل الحديث لجدية وانتهى بهم، وهم يلتفوا حول مائدة الطعام، كانت الجدة تجلس على رأس المائدة، تضع الطعام لهذا وذاك، تنظر نظرة عابرة لتطمئن أن الجميع يتناولون وجبة السحور، رغم ضعف نظرها إلا أنها علمت أن تلك المسكينة التي لا تعرف مالذي فعلته ليفعل مافعله ” بيجاد” بها،مضطربة عن الطعامجالسة بجسدها وعقلها بمكانًا آخر، هتفت بصوتها قائلة بحنو

– مالك يا صبا مش بتأكلي ليه ؟

 

ردت ” صبا ” بإبتسامة باهتة

– لأ يا تيتا بأكل بس أنا مش بحب أكب كتير عشان متعبش في الصيام

 

وقفت الجدة عن مقعدها، سارت تجاهها ثم وضعت الطعام وقالت بحنو وحب

– كُلي يا بت قربتي تختفي

 

رد ” صهيب ” بعفوية شديدة

– تيتا الأكل بليل مش صحي بلاش تديها عيش كفاية زبادي خفيفة ومش هتتعبها

 

قاطعه ” بيجاد” قائلا بغيظٍ مكتوم

– وأنت بقى دكتور حضرتك عشان تعرف إيه بيتعبها وإيه اللي بيريحها ؟!

 

رفع ” صهيب ” منكبيه قائلا بتلقائية

– عادي يا بيجاد مش محتاجة دكتوراه، وبعدين هي اصلا بتشتكي من معدتها بقالها فترة عشان كدا بقولها تأكل حاجة خفيفة

 

توترت الاجواء قليلًا بسبب حدة ” بيجاد” وتلقائية ” صهيب” لم يشعر الآباء بما حدث لإنعزالهم في شقة ” عابد” بعد أن رفضوا تناول وجبة السحور مع الأحفاد تاركين الجدة تنعم بهذه الجلسة بمفردها، عادت الجدة لمكانها دون أن تعلق على هذا الموقف ظنًا منها أن الأمر سوف ينتهي خلال دقائق، لكنها صُدمت ما إن وجدت ” صهيب” يصف بتلقائيته كيفية التعرف على كلامن ” صبا ورُبى” بعد أن طلبت ” تولين” منه كنوع من تخفيف الاجواء،لم تكن تعلم أنها بهذه الحركة ازدادت الأمر سوءً، بدء يصف ” صبا” عيناها وطريقة التي حتى الآن لايعرف لونهما الحقيقي فهي تتبدل على حسب حالتها المزجية، لم يستطع ” بيجاد” كل هذا وقف عن المقعد وقال بغضبٍ مكتوم

– ما تحترم نفسك بقى أنا ساكت لك من الصبح

 

هرعت ” رُبى” تجاه باب الشقة، كان ” نوح” يظن أنها سوف تستدعي والدها لكنهزتفاجئ بها توصد الباب حتى لا يصل إليهم صوت شاجراهم، عاد ببصره لأخيه محاولًا تهدأت الوضع لكن ” بيجاد” كان نفذ صبره تمامًا، وقف ” تيم ” مدافعًا عن اخته وقال

– ما تتلم يا بيجاد في إيه ؟ صهيب مغلطش ما كلنا عارفين موضوع عينها دا

 

رد ” بيجاد” وقال بعصبية

– لا راجل ياض تصدق عجبتني

 

كاد أن يصل إليه ” تيم ” لكن منعه من ذلك احتضان ” مراد” له وقال بهدوء

– يا جماعة عيب كدا تيتا قعدة وطلبت من ماما وخالتي واخوالي يسبونا عشان نقعد قعدة حلوة بعيد عنهم وعن كلامهم نقوم نزعلها كدا !!

 

أشار ” بيجاد” برأسه قائلا بغضب

– مش شايف قلة أدب ابن خالتك، قاعد يتغزل فيها قدامي ولا عامل لي اعتبار

 

رد” نوح” بجدية قائلا

– مش قصده حاجة يا بيجاد هو بس خانه التعبير وبعدين أنت عارف صهيب عايش طول عمره في المانيا والحاجات دي هناك عادي فاكيد قـ

 

قاطعه ” بيجاد” قائلا بحدة وصوتٍ مرتفع

– الحاجات دي عنده في المانيا مش هنا يا حبيبي إنما هنا يتربى ويتعلم الأدب بدل اظبطه و اعلمه الادب

 

وثب ” صهيب” عن المقعد متجهًا نحو

” بيجاد” قام بضربه فـ لن يتحمل غلاظة ذاك المجذوب أكثر من ذلك، سدد له الآخر اللكمات بأخرى مماثلة لها في السرعة والقوة،

انقسمت الأحفاد لفريقين، وتحول الوضع لمعركة كبيرة، أتى على إثرها ابناء ولاء، وقف ” عابد” يتسائل عن السبب فـ لم يجيب أحدًا، ليتفاجئ الجميع برد ” صبا ” وهي توجه حديثها لخطيبها امام الجميع

– بعد أذنك يا بابا وحضرتك طبعًا يا عمي الحياة بيني وبين بيجاد اتقطعت لحد كدا خلاص

 

قامت بنزع خاتم الخطبة من بنصرها ووضعته نصب عيناه، ثم قالت بنبرة لا تقبل النقاش

– اللي مايعملش لي احترام وسط الناس ويقلل مني يبقى مش باقي عليا فبالتالي مش هابقى عليه

 

رد” نوح” محاولا لملمت الوضع قائلا بمرح

– في ايه يابت أنتِ غاوية نكد البسي دبلتك ماعندش بنات تقلعها، سوء تفاهم وراح لحاله خلاص

 

سألها والدها قائلا

– في إيه يا صبا وإيه اللي وصل بيجاد للحالة دي ؟

 

أجابه هو بدلًا عنها ليدكر آخر ما تبقى بينهما دون قصد

– الهانم زعلانة اني بقول لصهيب الزم حدودك وأنت بتتكلم معها، بنتك عجبها المرقعة اللي عملها معلش أصل متربتش في المانيا يا صبا هانم عشان اعجبك

 

بيجاااااد احفظ ادبك وأنت بتكلم عمك

 

أردف” مالك” جملته بصوتٍ مرتفع، بينما أشار ” عابد” بيده تجاه أبنائه الثلاصة وقال

– على جوا وماشفش كلب منكم برا الشقة

 

دون مناقشة منهما أو اعتراض على امر ابيهم كانوا ثلاثتهما خارج شقة الجدة، نظر ” عابد”

وقال بإبتسامة واسعة كان شيئا لم يكن

– بنتي وسابت خطيبها عادي وبتحصل في أحسن العائلات احنا هنفضل زي ما احنا اخوات وحبايب

 

تابع بصوتٍ مرتفع قليلًا

– ملوكة اعملي القهوة بسرعة الفجر قرب يا بابا

 

ردت” ملك” باسمة

– حاضر يا حبيبي

 

جلس ” عابد” جوار والدته مربتًا على كفها بحنو وحب ثم قال بهدوء:

– اخبارك إيه ياست الكل

– الحمد لله يا حبيبي

 

داخل غرفة فيروز بمنزل والدتها

 

هوى ” صهيب” على حافة الفراش إثر دفعة والدته القوية له، اتكأء بمرفقه عليه وعيناه تتطاير منها الغضب الشديد، بينما هي هدرت بصوتها وقالت:

– عمال تتغزل في البت قدام خطيبها وأنت عارف إن بيتنيل على دماغه يغيير عليها تقوم تزودها بكلامك وتخليها ترمي الدبلة في وشه !!

 

رد بصوته العال قائلا

– هو اللي متخلف انا بتكلم عادي هو اللي مش طايق نفسه أصلًا !

 

كزت” فيروز” على اسنانها وقالت بنبرة مغتاظة:

– اخرس خالص كفاية لحد كدا، لم نفسك شوية احنا في مصر م المانيا ومش اي حد هيتقبل كلامك دا وقلت لك مليون مرة اعمل حدود مع بنات العيلة مثر غير المانيا يا صهيب المجاملات اللي بتعملها هناك م هتمشي هنا

 

نهض ” صهيب ” من على الفراش بعنف قابصًا على معطفه بقوةً متجهًا نحو باب الغرفة وهو يقول بغضبٍ

– أنا اللي هامشي من البيت المتخلف دا، وم هرجع هنا تاني سلام

 

صهيب أنت يا واد ياصهيب خد هنا

 

أردفت ” فيروز” عبارتها بصوتٍ جاهدت في ألا يرتفع حتى لا يصل إلى مسامع الجميع، خرجت خلفه بخطواتها الواسعة والسريعة، لم تلحق به كادت أن تسقط ولكن لحق بها “نوح”

ربتت على كفه وقالت بخفوت

– الحق صهيب يانوح انا مش عارفة ممكن يروح فين دلوقتي

 

في إيه يا فيروز ؟

 

سألها ” عابد” وعيناه معلقتان على باب الشقة

التفتت له وقالت بإبتسامة متكلفة

– مافيش يا حبيبي !ا أنا كنت بسأل نوح على حاجه كدا

 

تركها قبل أن يسأله عمه ويبتعد ” صهيب ” اكثر من ذلك، سار اكثر من خمس دقائق حتى عثر عليه استوقفه قبل أن يستقل سيارته وقال

– اهدأ يا ابني مش كدا، عمتي مش قصدها حاجة

– سبني من فضلك يا نوح أنا مش طايق نفسي

– طب بس اهدأ وتعال معايا نتمشى شوية مش هنروح

– نوح أنا مخنوق ارجوك سبني

– طب هتروح فين ؟

– هروح لـ تيتا مريم هقعد هناك

– طب سيب عربيتك وتعال انا هوصلك

 

رد ” صهيب ” بنفاذ صبر قائلا:

– وهتفرق في إيه يعني !!

 

ابتسم”نوح” له وقال

– عشان اضمن إنك هترجع لما تهدأ يلا بقى خليني اروح اشوف عيالي

 

سأله ” صهيب ” بدهشة قائلا:

– أنت متجوز ومخلف يا نوح !!

 

ابتسم له” نوح” مربتًا على كتفه وراح يقول

– تعال وأنت تشوف

 

سار جنبا إلى جنب بهدوء تبادلوا أطراف الحديث حتى وصلا إلى أرض فضاء، اكتشف ” صهيب” من معاملة ” نوح” له أن صفاته تختلف تماما عن صفات أخيه ” بيجاد” كما لمس فيه الإنسانية والرحمة بالحيوانات، جلس على صخرة صغيرة ثم بدأ في فرد الأكياس البلاستيكة على الارض بطريقة مهندمة، اطلق صافيرًا عاليًا لتركض مجموعة من الجرو، جلسوا أسفل قدميه يملسون على جسده بحنو يعبرون عن اشتياقهم له، ردد بهدوء وإبتسامة واسعة

– إنتوا كمان وحشتوني قوي، يلا يلا كلوا على ما اروح اجيب لكم مياه، آسف اتأخرت عليكم النهاردا.

 

ظل ” صهيب ” يتابع تحركات ” نوح” حتى فجأه بذهابه إلى أحد الأركان وعاد حاملا جرو صغير بين يده محدثًا إياه قائلا

– عامل إيه دلوقت يا صغنن، الصبح مرضت تأكل ودلوقتي مش هتأكل بردو ؟! يلا يلا أنت بتاخد علاج ماينفعش الدلع بتاعك دا

 

جلس ” نوح” متربعًا على الأرض، بدا يطعم الجرو وهو يخبر ابن عمته قائلا بإبتسامته العريضة

– الحمد لله بدا يأكل اهو، كنت قلقان عليه قوي، الدكتور قالي إن المضادات الحيوية اللي بياخدها هتخلي يفقد شهيته يومين وبعدها هيرجع زي الاول واحسن

 

رفع بصره له وقال

– مستغرب ليه ياصهيب ؟

– بصراحة أول مرة اشوف حيوانات بالعدد دا وكمان بيحبوك كدا لأ وأمها سايبك تمسكه عادي في العادي الكلاب والحيوانات عمومًا بتخاف على عيالها

– أمه دي أنا اللي مربيها زيه كدا يعني مطمنة على ابنها معايا، وبعدين الحيوانات وخصوصًا الكلاب من اوفى خلق الله

 

رد بإبتسامة ساخرة

– يمكن أحسن من الإنسان نفسه، لو جبت كلب واديته أكل لمدة 3 ايام اليوم الرابع هيجي هو ويسأل عنك مش عشان اكل لأ عشان حبك وامان ليك

 

ختم حديثه قائلا

– امه اول ماشوفتها في الشارع كانت مضروبة والناس أذيتها جامد اوي، كانت بتخاف تأكل ولا تشرب بقيت اسيب الاكل والمياه وامشي بعيد اطمن إنه بتاكل برجع تاني الصبح قبل ما اروح شغلي اجيب لها الفطار والمياه وفي يوم من الايام كنت راجع متأخر من شغلي جبت لها الاكل وقعدت جنبها فجاة نمت مش عارف ازاي قمت بعدها بساعتين لاقيتها قعدة جنبي وتحت رجلي تعبان ميت

 

اتسعت أعين ” صهيب” عن آخرها قائلا بدهشه

– كان في تعبان عاوز يأذيك ؟

– اه بس الحمد لله ربنا سترها وهي قتـ لته من الآخر ياصهيب الخير عمره مابيروح، والزرعة اللي بتزرعها بتحصدها زرعت خير، هتحصده زرعت شر هتحصده وانا الحمد لله بحاول اعمل كدا مع الإنسان والحيوان وكل اللي الخير اللي عملته مع الحيوان بيرجع لي

 

ختم حديثه قائلا بحزنٍ

– أما الإنسان فـ مابشوفش منه غير الحقـ د والكره وبس !!

 

سأله “صهيب” بعدم فهم قائلا

– قصدك إيه ؟

 

أجابه بجدية مصطنعه

– مش قصدي حاجة سيبك مني ويلا نرجع بقى عشان اتأخرنا والنهار قرب يطلع

 

في عصر اليوم التالي

 

جلس ” مالك” على حافة الفراش محاولا أن يوقظ ابنه وقال بخفوت

– نوح، نوح قوم أنا عاوزك

 

فتح ” نوح” عيناه بأعجوبة وقال بنعاس

– خير يابابا في إيه ؟! هي المغرب أذنت ؟!

-لا قوم كدا واتعدل لي وقل لي ازاي خالك عاكف يطردك وأنا معرفش ؟ لأ وكمان متحول للتحقيق !

 

سأله بضيق قائلا

– هو مين اللي قالك يا بابا ؟ ملك ولا رُبى!

 

رد ” مالك بسؤالاآخر على سؤاله قائلا

– يعني أختك وبنت عمك عارفين وأنا آخر من يعلم، اللي قالي خالك بنفسه يابيه وزعلان جدًا من اهمالك الشديد وقالي كسفني وسط الناس .

– بابا من فضلك مش عاوز افتح في الموضوع دا عشان لا هيقدم ولا هيأخر في حاجة أنا مطرود واللي كان كان خلاص

– لأ مش خلاص كلمني وقل لي إيه اللي حصل عاوز افهم مامتك قالبة الدنيا ومش عارف اديها بإيه ومش عاوزها تقع مع خالك في مشاكل .

 

نظر ” نوح” لوالده ولم ينبث ببنت شفه، ربت على ظهر يد ابنه وقال بحنو وحب

– قول يا نوح متقلقش انا ابوك مش حد غريب

يعني سترك وغطاك لو في حاجة مش عاوز تقولها لحد قولها لي أنا وأنا اوعدك اتعامل مع الموضوع بهدوء

 

مازال ” نوح” على وضعه محتفظًا بما حدث له بداخله، تنهد والده بعمق وقال

– طب أنت معاك فلوس ؟

 

رد ” نوح” بكذب وقال:

-اه يا بابا معايا الحمد لله

 

وقف والده عن حافة الفراش وقال بجدية

– طب أنا مش عاوز اضغط عليك أكتر من كدا حسابك في البنك زي ما هو بقاله 4 سنين لو محتاج منه حاجة اسحب وخد انا مش عارف ليه مش عاوز تقرب له هي فلوس يعني ماهي فلوسك !!

– يا بابا أنا بحب اعتمد على نفسي ومش محتاج حاجة للفلوس الحمد لله على العموم لو احتاجت ابقى اسحب منه حاضر

– كل مرة بتقول كدا وفي الآخر بتعمل اللي في دماغك عموما براحتك .

 

خرج ” مالك” تاركًا ابنه يحاول أن يحصل على النوم من جديد لكنه لم يستطع فعلها بعد أن تذكر ذاك اليوم اللعين، رمى الدثار عن جسده وغادر الغرفة متجهًا نحو المطبخ بدا يمازح عماته بحديثه الساخر، حتى جاءت ابنة عمته وقالت بإبتسامتها الواسعة التي يعرفها جيدًا

– نوح ابن خالي الغالي اللي مافيش منه في الدنيا دي

– ادخلي في الموضوع على طول يا تولين

– بيعجبني فيك ذكائك الخارق، عموما في حاجة كدا عاوزة اعرضها عليك ولورضيت بيها هنفذها معاك وحالًا

– قولي

– إيه رأيك نعمل إعادة تدوير للعفش القديم يعني نخلي قديم اه بس بلمسة عصرية بما إن تيتا مش راضية تغير اوضتها

– موافق جدًا قولي لي ازاي وفين ؟!

 

ردت”تولين” ضاحكة وراحت تقول

– براحة يا نوح تعال نطلع السطح اوريك عملت إيه من الصبح واخليك تكمل اللي معرفتش اعمله

 

خرجا سويًا من شقة الجدة، القت التحبة على ” رُبى” ظنًا منها أنها ” صبا” لتردد مصححة بتأفف

-أنا رُبى مش صبا

– عموما صباح الخير

– قصدك مساء الخير فاضل علـ ….

 

كادت تكمل حديثها لكنها لم تعيرها أي اهتمام

تابعت صعودها حتى سطح المنزل، وقف

” نوح” يشاهد التغير المفاجئ بأعين ذاهلة

ظل يتفقد كل قطعة موجودة على سطح المنزل وقال بسعادة

– أنتِ كنز بجد يا تولين تسلم افكارك الأوضة احلى من الأول مليون مرة دي تيتا هتفرح اوي

– اي خدمة ياعم ولسه لما تكمل وكملن لما الشقة تتدهن بالدهانات اللي في دماغي هتخلي الشقة في ختة تانية خاااالص

 

تابعت بجدية قائلة

– المهم دلوقتي لسه فاضل ساعتين على الآذان تعال نستغلهم ونلخص اللي فاضل من الاوضة ولا أنت مشغول

– لا أنا فاضي ماعنديش حاجة تعالي نخلصهم

 

 

داخل شقة الجدة وتحديدًا الردهة كانت

” فيروز” جالسة تسرد بعض الخلافات البسيطة بينها وبين زوجها.وعن طريقة الصُلح الذي كا يبتكر فيها في كل مرة، كانت تُعد السلطة الخضراء وقالت:

 

في يوم بقى سلطان قالي بلاش يافيروز تنزلي مصر لوحدك عشان انا قلبي مش بيطمن غير لما اكون معاكِ اتخنقت معاه وقلت له ليه هو أنا عيلة صغيرة قالي لا بس انتِ كل ما تنزلي لوحدك بتعملي مشاكل بسبب الوزن الزيادة اللي بتاخدي معاكِ وبفضل اقل لك نشحن اي حاجة عاوزة تنزيلها مصر وانتِ تقولي لا

المهم كلمة مني على كلمة منه عملنا خناقة وانا زعلت منه وجيت على هنا وهو راح عنده أمه

طبعا أمي عرفت ووقفت في صفه وامه وقفت في صفي وكل واحدة منهم قالت لو عند كرامة روح قول حقك عليا طبعا كنت بسمع كلامه امه وبتسقوى عليه الصراحة صراحة ربنا أنا مرمطته كتير المهم بعد يومين مين فين يروح للتاني جت أمه تتخانق مع امي عشان جاية في صفه

 

وبعدين يا عمتو ايه اللي حصل ؟

غمز لي بعينه عشان اروح له في البلكونة

ورحتي ؟

لأ طبعا هو انا معدومة الكرامة ولا ايه

جدعة يا عمتو

نزلت وركبت العربية

وبعدين ايه اللي حصل

قالي تعالي نغير جو في الغردقة ولا شرم ونبعد عن المشاكل دي ايه رأيك ؟

قلت له اطلع على العين السخنة وربنا يبعد عننا يا ابني المشاكل

 

وتيتا ولاء عملت ايه لما عرفت

في الريحة والجاية تلقح عليه بالكلام وتقول المهزأ راح المهزأ جه

 

طب تيتا مريم عملت لك ايه ؟

قالت لي يا معدومة الكرامة ضحك عليكِ بفسحة في العين السخنة

قلت لها الواد قدم فروض الولاء والطاعة وابنك الصراحة يتحب يا مريم وانا وهو ملناش إلا بعض صراحة ربنا ابنك غلبان ومايستهلش مني كدا ابدا

ردت وقالت لي قولي لي يا فيروز هياخدك على الغردقة المرة الجاية ولا ايه

قلت لها قالي هنروح اسوان عشان كدا بتقي شر المشاكل وبقول الطيب احسن لحد مانروح ونرجع هو انا هستحمله بشعره الطويل دا لله وللوطن قالت امشي يا مهزأة أنتِ واللي اتجوزك وعلمك البرود ولحد دلوقتي بتقولي يا مهزأة وبتقول لصهيب اوعي تطلع لامك

قالها لا متقلقيش انا طالع لبابا قالت له معدوم الكرامة زيه والواد لحد دلوقتي مايعرفش الحوار علي ايه وهايموت ويعرف بس انا مبحبش اطلع الاسرار العسكرية دي لحد

 

انغمز ثلاثتهن في ضحكاتهن، ما إن ختمت

” فيروز” عباراته الطويلة، كانت الجدة تقرأ وردها اليومي، ختمته ما إن انتهت ابنتها من سرد تفاصيل خلافات مع زوجها، اغلقت الكتاب وقالت مدافعة عن زوج ابنتها

– أنا اللي غلطانة إني جوزتك واحد زيه، والله دا واد زي حتة السكرة، خسارة فيكِ

 

ردت” فيروز” بدهشة وذهول قائلة

– بقى سلطان خسارة فيا يا ماما

– اه خسارة فيكِ والله لاجوزه ست ستك

 

الله أكبر تيتا حنت عليا وهتجوزني، يلا تيتا انا جاهزة اهو وديني بقى على بيت حبيبي

 

أردفت ” صبا” عبارتها وهي تصفق بيدها ثم جلست على المقعد جوار جدتها تقبلها لترضى عنها وتزوجها ” سلطان البغدادي”

 

ردت فيروز بعتابٍ قائلة

– مكنش العشم يا امي بدل ما تقفي مع بنتك عاوزة تجوزي جوزي عليا

– اه اجوزه وارقص في فرحه كمان دا غلبان يجي في جبروتك وقوتك إيه هو يا مفترية عليكِ ربنا

– جوزيه يا تيتا جوزيه وأنا هعوضه عن أيام الشقى دي

– شايفة بنتك يا وتين عاوزة تبقى ضُرتي !!

– دي بتهزر يا فيروز بقى معقول تعملها يعني

– يا ماما دا سلطان البغدادي فاهمين يا ناس يا إيه سلطان البغدادي

 

ردت ” فيروز” وهي تلوح بيدها المقبضةعلى السكيـ ن وقالت بجدية مصطنعة

– يعني جوزي وكمان مرة جوزي ومرة تالتة نأكد عليها جوزي وابو ابني واللي يفكر يدخل بنا هخلي أيامه شبه البيچامة السودا اللي لبساها دي يا بنت اخويا فهمتي ولا ….

 

السلام عليكم وكل سنة وإنتوا طيبين

 

قاطع حديثه وتهديداتها الصارمة من وجهة نظرها صوت زوجها، وهو يلج بهيبته وكامل أناقته انقبض قلبها لرؤيته بسلام اخيرًا، مازال يسيطر على قلبها على الرغم من خصامهم، تتدافعتا الفتيات لاحتضانه واستقباله بحفوة وحب، صافحهن ثم ولج متجهًا حيث تجلس ” “ولاء” مال بجذعه قليلا ليطبع قبلته على ظهر يدها وقال بإشتياق

– وحشتيني يا أحلى حاجة في مصر

 

ربتت على ظهره بحنانٍ بالغ ثم قالت بسعادة

– اهو كدا بجد رمضان جانا فعلا .

 

وقف ” سلطان” عن الأريكة مصافحًا باقِ أفراد العائلة حتي توقف عند زوجته، نظر لها طويلًا وقبل أن يحدثها تبادل العناق في آنٍ واحد، ضمها بقوةً تكاد تجزم أنه كاد أن يضعه بين أضلعه، همس بجانب أذنها وقال بإشتياقٍ جارف

– وحشتيني

 

ترد له بذات النبرة قائلة

– أنت أكتر

 

في الطابق الأعلى وتحديدًا سطح المنزل كانت هناك مشاجرة بين ” رُبى وتولين ”

توسطهما “نوح ” ليبعد كلاهما عن بعضهما نزعت ” رُبى” يد نوح الممتدة عن آخرها لتحجبها عن تلك البغيضة بالنسبة لها، اغتاظت من هدوئها لفت حول نفسها ثم اتجهت نحو الأثاث الذي كاد أن يتنهي لتتدمره بيدها وقالت

– اهوووو

 

نظر ” نوح” للاثاث وقال بعتذار

 

خلاص يا تولين متزعليش حقك عليا رُبى ماتقصدش

 

لا اقصد وحسك عينك أبقى بتكلم مع نوح وتتكلمي معاه

 

أنتِ مجنونة يا بنتي هو جوزك وأنا معرفش !!

 

تولين انزلي دلوقتي معلش عشان خاطري

 

حاضر يا نوح عشان خاطرك

 

اقسم بالله يا نوح لو كلمتها وانا واقفة مرة تانية لا قتـ لك

 

بطلي جنانك بقى في ايه مالك ؟

متكلمهاش وانا واقفة فااااهم

لا مش فاهم و بطلي تحكماتك دي روحي اتحكمي في خطيبك هو اولي بالغيرة المجنونة بتاعتك دي

 

هددته قائلة بغضبٍ جم

– متتكلمش معاها قدامي لما ابقى بتكلم معاك تسيب الدنيا كلها وتكلمني فااااهم

 

رد غاضبًا بذات النبرة وقال

– لا مش فاهم ولا عاوز افهم، في إيه ؟ مالك بيا بيركبك عفريت ليه لما بتكلم مع اي بنت بتدمري لي شغلي وحطيت جزمة في بؤقي وسكت عشان عمي ميقلبش خناقة معاكِ. وبتضربي البنت وهي معملتش اي حاجة تضايقك ولا تتضايق اي حد حد في البيت بتدوسي على عليا وعلى كرامتي وبقول عدي ياواد صغيرة وبكرا تعقل، لا بتكبري ولا بتعقلي ولا بكرا بتاعك بيجي سبيني في حالي يا رٌبى

سبيني بدل ما اقسم بالله ما افضـ حك وماتعرفي ترفعي وشك في وش الناس بالجبروت اللي أنتِ في دا دلوقتي، أنا نوح يا رُبى نوح مش رامي أنا راجل مبقلش على نفسه يكون عبد لوحدة زيك لو كنت بسكت وبعدي مش زي ما أنتِ فاهمة إني واقع في هواكِ ومش عارف ارفض طلب انا بعمل كل اللي بعمله دا كرامة ليعون عمي أما أنتِ فـ ملكيش أي حق عندي أنتِ لا مراتي ولا خطيبتي ولا حتى حبيبتي عشان تغيري عليا

 

هدرت بصوت عالِ قائلة

– كداااب ايوة كداب يانوح كداب وعيناك فضحاك كداب ولازم تقول الحقيقة

 

سألها بغضبٍ

– حقيقة إيه ؟

– انك بتحبني اعررف يا نوح إنك بتحبني

– بردو يا رُبى مش هتكسريني وانا مبحبكيش واعترفي لنفسك بقى إنك دخلتي معركة خسرانة وقتها بس هترتاحي من حاجات كتيرة اولها أنا

 

تركها تحدثه بصراخ قائلة

– هترجع لي يا نوح هترجع وهتندم وتبكِ بدل الدموع د م وساعتها أنا اللي مش هرضى بيك

خليك فاكر دا كويس يا نـــوووح مش رُبى اللي تخسر ابدًا وبكرا هفكرك كويس مين هي رُبى عابد المحمدي

 

يتبع

الفصل السابع

¤¤¤¤¤¤¤

جلست ” شوقية” تقطع الخضروات لاعداد وجبة الغداء بينما كانت ” مهدية” جالسة خلف

ماكينة الحياكة، الوضع أصبح غاية في الصعوبة صديقتها اصبحت زوجة أبيها، هي من فعلت ذلك بنفسها، جعلت الأفعى بجوار ثعلب ماكر، لم تكن تعلم أنها خبيثة هكذا، تحاول الضغط عليها تارة والكلام المعسول تارة أخرى، لم تستطع ” شوقية ” تغيير وجهة نظر صديقتها والزواج من” مهدي” بن خالها، تحاول تجنبها بشتى الطرق، تحاول منع أي مشاجرة بينها وبين والدها من تحت رأسها، ليتها وافقت على عرض ” بلال” وتزوجت به

ولكن مالفائدة بعد أن تركها وحيدة، كانت شاردة في أيامها القادمة، انتشلتها من بئر ذكرياتها وقالت:

– اعملي حسابك يا مهدية إني في الشهر التاسع وأنا على وش ولادة

 

ردت ” مهدية ” دون أن ترفع ناظريها وقالت:

– ربنا يقومك بالسلامة يا شوقية

– يارب يا حبيبتي، بس مبقولش كدا عشان اسمع منك الدعوة دي أنا بقولك كدا ياعنيا عشان تشوفي لك مكان غير هنا تباتي في لما اولد

 

تركت ” مهدية” ما بين يدها وقالت

– ايوة اروح فين يعني ؟!

– مطرح مايعجبك يا حبيبتي المهم خلقتك الكريمة ماتبقاش في البيت انا مش ناقصة نحس يا عينا

– نحس !!

– اها يا حبيبتي نحس ليه وهو أنا مش شايفة عينك وهي طالعة عليا وبتحسدني عشان اتجوزت قبلك والله اكبر عليا هخلف وأنتِ قعدة جنبك ابوكِ لما فاتك قطر الجواز

– أنا مافتنيش حاجة شوقية ربنا محوش لي الحلو كله وكل واحد ورزقه

– الكلام دا يا حبيبتي كان زمان إنما أنتِ خلاص بايرة عندك 35 سنة لا حد راضي يبص في خلقتك ولو حصل مش هتخلفي يا عينا

 

ابتلعت ” مهدية ” لعابها بغصة ثم قالت بمرارة وهي تلملم حاجاتها بهدوء

– الخلفة دي رزق بتاع ربنا، اختي ماتت وهو حامل وكانت عندها 25 سنة يعني مش بالسـ …

 

كادت تكمل حديثها لتتفاجئ بيد من حديد قبض على خصلات شعرها والأخرى توزع ضرباتها بالحذاء على انحاء جسدها، هرول والدها على إثر صوت صرخات ابنته التي حاولت الدفاع عن نفسها، توقف بينهما وقال

– في إيه يا مهدية ؟ في إيه يا شوقية هو كل يوم والتاني خناق كدا !!

– في يا حبيبي إن الهانم اللي لا شافت الجواز ولا عمرها هتشوفه إن شاء الله بتخسدني انا وابنك لأ وبتفول عليا وتقول إن بنتك ماتت بعد الشر عليا في نفس سني

– ليه كدا يا مهدية يا بنتي مش شوقية صاحبتك ومرات ابوكِ بردو ؟!

– في أيه يا مهدية هو دا اللي قدرك عليه ربنا يابابا طب اسألها انا قلت ليه كدا ؟!

 

كادت تكمل ” مهدية” عتابها لكنها لم تترك لها هذه الفرصة لتضع حدًا لهذه المهزلة قائلة:

– بص بقى يا حبيبي كل اللي حصل كوم واللي عملته بنتك دلوقتي كوم تاني، ومن الآخر كدا البت دي متقعدش هنا .

 

فرغ فاها لتتحدث تلك المسكينة مدافعة عن حقها بهذا البيت لكن والدها أمرها بنبرة لا تقبل النقاش وقال:

– اطلعي برا يا مهدية ولما تبقى تحترمي مرات ابوكِ ابقي ادخلي البيت

– متدخلوش يا حبيبي طول ما أنا عايشة تدور لها على مكان تاني غير هنا

 

قبض والدها على ذراعها بقوةً دافعًا إياها للخارج، والدها الذي فقد أحد ساقيه وحملته هي على ظهرها، وقفت جواره حتى وفرت له ساق اصطناعية جعلته يقف من جديد، القها خارج الشقة دون رحمةً ولا شفقة، اوصد الباب

في وجهها تاركًا إياها تحاول جمع شتات نفسها

مالذي فعله والدها لو كان حلم فهو حلم مزعج

وإن كانت حقيقة فهي حقيقة مُرة .

 

بعد مرور ساعتين من هذه المشاجرة

كانت ” مهدية” جالسة في منزل جدها، تسرد ما حدث لها للمرة المئة بعد الالف، رفعت بصرها لعمتها وقالت من بين دموعها

-قولي لي يا عمتي أوا عملت إيه وحش لأبويا !!

– معلش يا بنتي تقولي إيه بس، دا طبع وهو مش قادر يغير جلده كتير أكتر من كدا، معلش احتسبي تعبك عند ربنا

– ربنا طب وهو ربنا يرضى بالظلم !!

– لأ طبعًا ربنا اسمه العدل، معلش بكرا يرجع يقولك سامحيني، بس والله ما هاسيبه وهعرفه إن الله حق.

 

ردت ” مهدية” باسمة بسخرية قائلة

– ملوش لازمة ياعمتي، ابويا خلاص عاش حياته ونسيني

 

لم تعود ” صدفة” لبيتها اعتذرت لزوجها وطلبت منه أن يسمح لها بالمبيت في بيت

“بلال” بالطبع لم يعترض رغم ضيق صدره من تركها له باستمرار إلا إنه لا يُظهر هذا بشكلٍ واضح جلست مع ابنة اخيها تستمع لشكوها للمرة المئة بعد الالف، ربتت بكلماتها على قلبها

 

في عصر اليوم التالي

 

كانت ” صدفة” جالسة في ردهة بيت اخيه تعاتبه تارة و تتشاجر معه تارة أخرى، إلى أن أمرته بأن تبقى ” مهدية “في البيت ولم يعترض على حكمها بعد أن رسمت “شوقية ” دور المسكينة التي تُعاني من اضطرابات بهرمونات الحمل.

 

كادت أن تجن تلك المسكينة من معاملة صديقتها تلك، غادرت عمتها بعد أن اطمئنت عليها وما هي إلا عدة ساعات وقامت مشاجرة جديدة بدايتها ” شوقية” ونهايتها الطرد من البيت، وقف الأب في ابنته وقال

– لمي هدومك وامشي من هنا يامهدية

– أنت بتقول إيه يابا أنت عاوزني امشي واسيب البيت ؟!!

– معلش يامهدية شوقية راسها والف سيف إنك تمشي لو موافقتش على مهدي

ايوة وأنت إيه رأيك اتجوز مهدي اللي أنت خربت الدنيا عشان توقف الجوازة، ولا اسيب البيت طب لو سبت البيت اروح فين ؟

روحي لعمتك هي أولي بيكِ إنما الواد اللي بطن شوقية دا مين هيربي أنا ماصدقت إن ربنا عوض عليا عن اللي راح مني

 

اروح لعمتي ازاي وهي مسافرة مع جوزها ولما أنت ناوي تطردني تاني قلت لها تسافر وتطمن اروح فين واجاي منين رد عليا !!

معرفش بقى يامهدية روحي مطرح ماتروحي المهم مايطلعش عليكِ صبح في البيت

كمان عاوز تنزلني الساعة اربعة الفجر !!

 

لم تُجدي محاولات ” مهدية” أي نفعًا، غادرت البيت بعد أن ثامت بطردها زوجة أبيها، وسيلة جديدة للضغط عليها، انتظرت مجيئ عمتها التي كادت أن تسافر ولكن لحُسن حظها تأخرت في بعض التحضيرات، هرعت إليها وعادت إلى بيت اخيها تتشاجر معه ليفاجئها برده قائلا

اللي عندي قلته يا صدفة مهدية متقعدش في البيت يعني متقعدش

اخس عليك راجل نا قص هي كلمة شكرًا اللي المفروض تقولها لبنتك يا راجل دا شالتك ع ضهرها لحد ماجالها الغضروف البت عنست وقعدت جنبك ورفضت عرسان اشكال والوان عشانك أنت أب أنت روح منك لله البت دي هتروح فين ؟

تروح مطرح ماتروح المهم متقعدش هنا

أنت إيه اللي جرا لك يا مسعود ايه جرالك ؟!

 

بقلك إيه أنتِ كمان امشي اطلعي برا أنا مش عاوز اشوف وش حد منكم هنا

روخي يامهدية لمي هدومك أنا هاخدك معايا

 

لأ ملهاش هدوم هنا تنزل بالترنج اللي عليها

يا راجل اعمل حاجة لاخرتك هتنزل بنتك بالترنج

 

اه ولو سمعت منكم كلمة كمان هخلي شوقية تقلعها الترنج امشوا من هنا بالذوق بدل ما ارميكم برا البيت

 

ردت ” صدفة” بنبرة مغتاظة قائلة

– لا وعليه يا اخويا يا ابن امي وابويا، انا اولي بلحمك قومي يابت اللي معاه ربنا مابيغلبش أبدًا

 

عادت ” صدفة” مع عمتها إلى بيت ” بلال” كل الظروف المحيطة بها ضدها، مالذي عليه فعله لا تعرف حقا لا تعرف، ظلت تستمع لكلمة هذا وعتاب تلك وقلب فاض به الكيل، كفى كل ما حدث الآن، نظرت بأعين دامعة متسائلة بنبرة مختنقة

– أنا ليه ابويا عمل فيا كدا ليه رماني أنا عمري ما كليت ولا مليت منه ومستعدة اخدمه برموش عنيا

 

سيبك منه يامهدية أنا هنا كل حاجة جدك الله يرحمه كان عارف ابوكِ واسلوبه وعارف إن عمره ماهيتغير عشان كدا كتب الشقة باسمك بتاعتنا باسمك اوعي يامهدية تتنازلي عنها لحد الشقة دي هي اللي هتحميكِ من بهدلة الشوارع أوعي تخلي ابوكِ يضحك عليكِ بكلمتين ويخليكِ تكتبيها باسمه او تبيعيها

 

طب وبلال هيروح فين ؟

 

متقلقيش يامهدية أنا خلاص هتجوز يعني مش محتاج للشقة أنا بس محتاج منك أسبوع واحد افضي في الشقة من كراكيبي وبعدها الشقة تبقى تحت أمرك

 

أنت خلاص هتتجوز ؟

 

اه خلاص أسبوع بالظبط وابقى عريس ادعي ربنا يوفقني مع عروستي

 

ربنا يسعدكم ويرزقك الذرية الصالحة منها

 

عقبالك يامهدية أنتِ كمان اهي هتبقى فرحتي كملت خلصت من بلال ووصال ناقص أنتِ اطمن عليكِ في بيت العدل مع ابن الحلال اللي يصونك ويطمن قلبك

 

لأ ياعمتي مش هتجوز

ليه بس كدا يا مهدية

مين مجنون هيتجوز واحدة عانس زيي

 

مهدية أنتِ زعلتي والله ماقصدي أنا بس

 

من غير ماتقولي ياعمتي أنا فاهمة قصدك بعدين هزعل ليه ماهي دي الحقيقة وبعدين قال إن الجواز اهم انجاز في حياة البني ادم في انجازات تاني مهمة لازم الواحد يسعى لتحقيقها الاول

 

زي إيه يابنت عمي ؟

زي ازاي متبنيش احلامك كلها ع شخص واحد عشان ميجيش في يوم يهد كل احلامك وتحس ان الدنيا ملهاش طعم من غيره أو تفتكر انك غالي وأنت مجرد محطة في حياته

 

لم تتحمل “صدفة” مشاكسة ابن أخيها أكثر من ذلك ضربته على ظهر يده وقالت بجدية مصطنعة

– بس يا واد أنت بطل كدبك دا

 

التفت لابنة أخيها وقالت بجدية

– بصي بقى ما مهدية بصراحة ومن غير لف ودوران الواد بلال دا بيرتب الشقة للجواز أنتِ وهو وكان يعمل لها مفاجاة

 

ردت ” مهدية” بنبرة ساخرة وقالت

– ويا ترى كان هايقول إمتى قبل الفرح بساعة مثلا ولـ …

 

قاطعها بنبرة مغتاظة قائلا:

– لأ يا خفيفة كنت ناوي اقل لك من يومين بس مشاكلك مع عمي شغلتني

 

لاحت إبتسامة ساخرة وراحت تقول

– ويا ترى بقى يا بلال هتتجوزني ليه عشان ترحمني من رمية الشوارع ولا ترحمني من تحكمات شوقية

 

رد ” بلال” ردًا غير متوقعًا وقال

– أنتِ يابت جايبة النكد والكآبة دي كلها منين يابت أنا لو مُت مش هتزعلي عليا بالشكل

 

ردت عمته قائلة بفزع وهي تربت على كتفه وقالت

– بعد الشر عنك يا حبيبي

 

أشار بسبابته وقال بغيظ

– هاتجيب لي جلطة يا عمتي

– معلش مش قصدها خدها واحدة واحدة

– واحدة واحدة إيه يا عمتي هي هتتعلم المشي !!

– ماخلاص يا بلال قلنا البت مش قصدها، هتعملها شغلانة ولا إيه ؟!!

– عمتي هو أنا مش ابن اخوكِ ؟

– اه يا حبيبي وابني وربنا يعلم

– طب ما تحنني قلبها عليا

 

نظرت ” صدفة” لـ مهدية وقالت بعقلانية

– بصي يا حبيبتي أنا عارفة بلال قال لك إيه وإيه سبب زعلكم

 

ردت مقاطعة بنبرة مختنقة

– وعشان كدا موافقة إني اتجوزه يا عمتي

 

تنهدت بنفاذ صبر وهي تقول

– يا بت وجعتي قلبي اسمعيني بقى، هو غلطان وأنا بهدلته ويشهد ربنا عليا عملت في إيه بس متزعليش مني يا مهدية، هو معذور أنا نفسي بعد ماشفت الرسايل والكلام من اللي الله لايسامحها عملته فيكِ، قلت ازاي مهدية بنتي اللي ربتها تعمل كدا.

 

ردت ” مهدية” بعتاب

– اومال ازاي هو ظابط يا عمتي ازاي صدق وشغله بيبقى اساسه التحريات والدقة

 

وافقتها عمتها قائلة

– صراحة معاكِ حق أنا لو مكانك معبروش

 

تابعت بصوتٍ مرتفع

– بس نرجع ونقول ياخد فرصة أخيرة نختبر فيها اخلاقه والله عجبنا كان بها معجبناش يبقى مع السلامة والقلب داعي له

 

بالسلامة أنتِ يا عمتي كفاية عليكِ كدا ولادك عاوزينك

 

أردف “بلال” عبارته وهو يحث عمته على الوقوف ثم دفعها برفق تجاه غرفة شقيقته

سارت بهدوء وهي تسبه مرة وتلعنه الف مرة

جلس مرة أخرى وقال

– احنا ناخد نص الكلام اللي عمتي قالت له

 

فرغ فاها لتتحدث لكنه قاطعها قائلا

– اسمعيني بس يا مهدية، أنا كل اللي طلبته منك فرصة تانية بس اثبت لك فيها إني فعلا كنت مظلوم ووعد مني ارد لك حقك قدام الناس كلها واعتبري مهرك يا بنت عمي

 

سألته بنبرة حزينة قائلة

– أنت بتستغل إن عمك طردني من البيت ومش لاقية مكان اروحه ؟!

 

رد على سؤالها بسؤالا آخر وقال

– تعرفي عني إني كدا ؟! طب بلاش السؤال دا أنتِ تعرفي عني إني ممكن استغلك لأي سبب على العموم لو في حد مستغل حد فهو أنا فعلا عشان قاعد عندك الشقة دي باسمك

 

وقف عن مقعده وقال بجدية

– على العموم يا بنت عمي أنا هاسيبك براحتك عشان ما تقوليش إني بضغط عليكِ خُدي وقتك خالص وردي عليا وخليكِ فاكرة

أنا مش عاوز حاجة من الدنيا دي غيرك ولو وافقتي هبقى اسعد إنسان في الدنيا .

 

هتروح فين هو أنت عندك مكان تاني تبات في غير هنا ؟

 

لاحت إبتسامة عريضة على ثعره كشفت عن نواجزه جلس مرة أخرى ما إن استشعر نبرتها الحانية تظهر في صوتها من جديد، بدأ يحدثها و يتعهد لها بأنه سوف يتغير وأن ما حدث في الماضِ لن يتكرر ما دامت هي معه.

وبعد محاولات عديدة في إقناعها نجح في إحداها لتضع شرطًا واحدًا قبل الموافقة على الخطبة ألا وهو عامًا كامل يرتب نفسه فيه ويبني معها ذكريات جديدة سعيدة وبعدها يتمم الزواج، تعالت الزغاريد وعمت الفرحة في المكان وتم تحديدًا موعد رسميًا لارتداء خاتم الخطبة .

 

بعد مرور أسبوعا كاملًا

 

في منزل الجدة ولاء

ولج “نوح” الشقة متجهًا إلى المطبخ وجدها تقف أمام حوض المطبخ تجلي الصحون، حك مؤخرة رأسه وراح يقول بتساؤل

– هو عمي راح فين يا صبا بدورعليه مش لاقي ؟

 

التفت له وقالت بإبتسامة واسعة

– أنا رُبى يا نوح مش عارفة هتفرقوا بنا إمتى ؟!

 

تحجرت رشفات المياه في حلقه، بصقها وظل يسعُل حتى كاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، هرعت نحوه وقالت بلهفة وهي تناوله كأسًا جديدًا

– مالك يا نوح بسم الله الرحمن الرحيم اشرب

 

طالعها بنظراتٍ حائرة كيف هذا، تتبدل في ثوانٍ هل هي مزاجية أم هذه لعبة جديدة، تلعبها لم يظل على حاله هذا طويلًا، قادته حيث مقعد صغير وضع في أحد الأركان، اجلسته وقالت بهدوء

– هعملك عصير حلو بعمله لبابا دايمًا

 

استدارت بجسدها وقدمته له والإبتسامة لا تفارق شفتاها

– اتفضل

 

تسمر مكانه من تصرفاتها تلك، حثته على أن يتناول العصير الطازج وقالت

– اتفضل هيعجبك واللهِ

 

تناوله ومازال على دهشته من تحولها العجيب

عادت تتابع ما تفعله من جلي الصحون وقالت بامتنان

– هي تولين زعلانة مني ليه يا نوح ؟

– أنتِ مش عارفة يعني ؟

– لأ أنا كل اللي فاكراه إننا قعدنا نتكلم ونهزر وفجأة اتقلب حالها ومش بتكلمني ؟!

 

نظر لها بتفحص وقال بتساؤل

– رُبى أنتِ كويسة ؟!

 

ردت بسعادة قائلة

– جدًا أنت مش متخيل أنا مبسوطة قد إيه، رامي جاي يتفق مع بابا على معاد الفرح

 

فرح !! فرح مين ؟!

 

قاطعها ” نوح” قائلا بدهشة وذهول شديدان

استدارت وراخت تقول بسعادة

– فرحي أنا ورامي يا نوح ركز معايا مالك !!

– رُبى أنتِ كويسة !!

– مالك يا نوح كل شوية تسألني كويسة ولالأ في إيه !!

– مافيش بطمن عليكِ بس ؟!

– نوح اوعى تكون زعلان من رامي عشان المشكلة اللي حصلت آخر مرة بينكم يعني وكدا

– مشكلة إيه ؟!

 

سحبت نفسًا عميقًا وهي تنظر لسقف المطبخ ثم عادت تقول

– متقولش إنك مش فاكر ولا قاصد إنك تنسى

عموما احسن بردو هي مشكلة مش لطيفة بس أنت عارف هو بيغير عليا جامد وأنت عارف بقى

 

قفزت للأعلى قليلا وراحت تقول بسعادة قبل أن تغادر المطبخ وسط دهشة وذهول شديدان

– رامي جه عن أذنك بقى

 

استوقفها لكنها لن تستمع لأي شئ اليوم، حتى ذاكرته الضعيفة تلك لن تكترث لها، هرولت تجاه باب البيت وجدت والدها يتشاجر معه قبل أن يجلس على أقرب مقعد حتى، قام والدها بطرده احتقنت الدماء بعروقها، وقفت أمام أبيها مع زوجها المستقبلي، تعالت الأصوات ليبتر صراخها بصفعة مدوية،على إثر لجمت الصدمة لسان الجميع.

 

عابد عشان خاطري امسك نفسك الولد في بيتنا وضربته وطردته خلاص اهدأ بقى

 

أردف” مالك” عبارته محاولًا تهدأت أخيه

كي لا يرتفع ضغط الدم، بينما نظر” عابد”

إلى أخيه وقال بغضبٍ جم

 

يعني إيه في بيتنا يعني يدوس هلى بنتي وعلى كرامتها عشان في بيتي يا عم مالك ماترد ياسلطان ساكت ليه غلطان أنا

 

رد ” سلطان” بهدوءٍ وقال:

– مش غلطان طبعا بس القرارات مبتتاخدش كدا دي حياتهم وهما لسه صغيرين وبيحصل بين الخطاب مشاكل كتير

 

رد” عابد” قائلا بحدة

– مشاكل دي عدت مرحلتها خلاص يا عم سلطان البيه طلقها والحمد لله انه عمل كدا هي بقى ماعندهاش كرامة دا شئ يرجع لها بس رجوع للواد دا تاني على جثتي وصلت ولا لسه !!

 

تنهد ” مالك ” وقال بعقلانية

 

طب اهدأ مش كدا رُبى اكيد قالت كدا يعني من زعلها بصراحة هو كسفها قدمنا كلنا وهي كانت بتحاول تجمل في قدمنا يعني بنتك رهنت على حصان خسران

– الله ينور عليك يا عم مالك حصان خسران نعيط ونضيع عمرنا عليه بقى ولا نفوق كدا ونبقى جامدين ونعيش حياتنا عادي كأنه مدخلش حياتنا ؟!

 

طرقات خفيفة ولجت بعدها “رُبى” وعيناها ممتلئة بالدموع، جلس حذاء عمها حاوطها بذراعه وقال بحنو وحب

 

تعالي يا رُبى تعالي يا قلب عمك

 

قولي لي يا رُبى عاوزة إيه وأنا هنفذه لك حالًا

 

عاوزة اتجوز نوح ابنك ياعمي

 

انتبه والدها لحديثيها الغير متوقع، لف لها وجهه وقال بغيظٍ مكتوم قائلا:

– أنتِ بتقولي يا بنت أنتِ عارفة أنتِ بتقولي إيه

 

كاد أن يصل إلى رقبتها لكن منعه “سلطان ”

محتضن إياه من ذلك، ولجت الجدة وبدأت تستمع إلى حديث حفيدتها دون أن تعقب على حديثها بكلمة واحدة، انسابت دموع “رُبى”

بغزارة وراحت تقول

نوح يا عمي هو مش سايبني في حالي

هو السبب إن رامي طلقني وهو بردو السبب إني طلبت منك دلوقتي ايده قدمكم

نوح ياعمي قالي لو ماعملتيش كدا هفضـ حك قدمهم أنا مش عارفة هو ماسك عليا إيه أصلا بس هو مش سايبني في حالي، أنا مش عاوزة اقل لك إيه عمله معايا فوق السطح لما قلت له لو سمحت يا نوح ابعد عني

 

قال لك إيه يارُبى

 

كلام سوقي جدًا يا تيتا كلام أنا نفسي أول مرة اسمعه حاولت ابعد عنه قام مسكني بالعافية وكسر كل الاوضة بتاعت حضرتك وقالي أنتِ ليا أنا وبس ومحدش هياخدك مني حتى لو كان رامي قلت له عيب يا نوح أنا بنت عمكمن لحمك ودمك عمك لو عرف دا هيزعل منك

قام شتمني وشتم بابا وقالي أنا مافيش حاجة في حياتي غيركم وعمي هافضـ حه وروني بقى هتتجوزي غيري ازاي قمت عملت خناقة مع رامي عشان كدا طلقني نوح مش شخص كويس زي ما إنتوا فاهمين اوقات المظاهر خداعة يا تيتا

 

عندك حق يا رُبى المظاهر فعلا خداعة

نــــوووووح

 

خير يا بابا في إيه ؟!

 

سأله بغضبٍ مكتوم قائلا

– الكلام اللي بنت عمك قالته دا صح ؟

 

رد على سؤاله بسؤالا آخر قائلا بإستفهام

– كلام إيه ؟!

 

اجابه بتصريحاتها الصادمة كل ما قاله هو عكسته صرخ به مدفعًا عن حاله، لم تهدأ إلا عندما ضغطت على زر التشغيل ليصدح صوت التسجيل الذي قامت به بأنه يهدد بفضـ حها بالفعل ثم ضغطت على زر القفل، جن جنون والده قام بضربه أمام الجميع، اشتعل البيت من جديد والقى اللوم والعتاب عليه، خرجت من الغرفة وعلى ثغرها إبتسامة واسعة

كاد أن يطرده والده إلا أن وقفت الجدة في وجه ابنها مدافعة عن حفيدها، منعها ” نوح”

من الافصاح عن ما تعرفه لكنها لا توافقه الرأي

سردت ماحدث وأمرت “عابد” بإبعاد ابنته عن حفيدها بدلًا من إشعال الفتنة أكثر من ذلك فهي السبب في حذف جميع الملفات الخاصة بعمله وهي السبب في طرده من العمل، أسرار لأول مرة يعرفها الجميع، عاد ” عابد” إلى شقته يجر خيبات الأمل خلفه لا يعرف لماذا ابنته تتعامل بهذه الطريقة، جلس في غرفته

يسرد لزوجته ما آلت إليه ابنتهما، كاد أن يفقد عقله، حاولت تهدأته لكن دون جدوى، وثب عن المقعد وأمر ” رُبى” بتحضير حاجاتها في غضون ساعة على الأكثر .

 

امتثلت لأمر أبيها وهي تسأل حالها عن السبب

الوضع بات مريب بالنسبة لها، دائما الخلافات

تحدث قبل سفرهم تحديدًا، تفاجئت به يخبرها بجدية قائلا

– من النهاردا ملكيش علاقة بالعيلة دي، أنتِ هتروحي تقعد عند جدك ولما نسافر ابقى اخدك

 

سألته بهدوء بعدم فهم

– بابا أنا عملت إيـ

 

كانت إجابته صفعة مدوية على وجهها، جحظت أعينها من هول الصدمة، نظرت له بأعين دامعة، سألته بصراخ قائلة

– أنا عاوزة اعرف أنا عملت إيــه ؟!!

 

لم ينتبه لها ولا لسؤالها قبض على رسغها ومجبرًا إياها للخروج من الشقة، خرجت من البيت أمام الجميع بطريقة غير لائقة، كانت الأحفاد تقف على سلالم الدرج، اشقائه أمام باب الشقة في محاولة منهم لتهدأت الوضع بين ” عابدو رُبى” لكن دون جدوى، استقلت السيارة رغمًا عنها جلس هو جوارها وقاد سيارته متجهًا إلى بيت الأنصاري

 

بعد مرور ساعتين

 

كان ” ريان وجميلة” على علم بكافة التفاصيل

التي حدثت خلال الفترة الماضية، استمع له حتى قال بغيظٍ مكتوم

– البنت دي فرع خبيث يا عمي وللأسف هدمر عيلتي

 

رد ” ريان” بعقلانية وقال

– يا ابني براحة مش كدا يمكن اللي حصل دا

من زعلها على فركشة الخطوبة

– وإيه يعني لما خطوبة واتفركشت في داهية لكن تخلي نوح يطرد من شغله وتضرب وتبهدل بنت اختي وتدمر وتكسر في البيت كل دا عشان البيه خطيبها اهو اللي مش هاسمح بي أبدًا

 

ردت “جميلة” وقالت بهدوء وحكمة

– يا عابد يا حبيبي هي لسه صغيرة ومندفعة شوية و

 

قاطعها ” عابد” بإنفعال قائلا

– صغيرة مين يا بس يا أمي دي عندها واحد وعشرين سنة يعني اللي زيها فاتح بيت ومعاه عيال أنتِ نفسك اتجوزتي عندك عشرين سنة وكنتِ شايلة مسؤولية بيت وعيلة وبتدرسي

 

رد ” ريان” بعقلانية وقال

– يا ابني مش كل البنات زي بعضها ما وتين امها فضلت مدلعة ومش عارفة تشيل مسؤولية حتى بعد ما اتجوزت

– امها هي تروح فين لأمها ياريتها طلعت مدلعة زيها مكنتش اتكسرت وسط أهلي ما ما أنا مكسور دلوقت

 

تابع بمرارة وقال

– والله يا عمي ما عارف ارفع عيني في عين اخويا بسببها ضرب ابنه الراجل قدمنا عشان يراضي بنتي وطلع في الآخر بنتي الغلطانة

 

دام الصمت لثوانٍ معدودة، تنحنح ” ريان” وقال بهدوء

– خلاص يا عابد سبها يومين ترتاح فيهم وأنـ

 

رد ” عابد” مقاطعًا بنبرة لا تقبل النقاش بطريقة استفزت مشاعر ” ريان” تجاه حفيدته حين قال

– البت دي مش هتدخل بيتنا تاني، اللي زي دي مستحيل تتجمع تاني معانا، حد الله بينهم وبينها لا تقابلهم ولا تكلمهم واللي يتعامل معاها يقاطعني ليوم الدين، البت دي مستحيل تتدخل البيت تاني

 

رد ” ريان” بغضب جم فشل في السيطرة عليه

– ما خلاص يا عابد هي يعني كانت هتتدخل بيت الأمة مالك مش طايق للبت كلمة ليه، عمال اطيب وادلع وأنت نازل سلخ في البت وبتطردها من البيت كأنك طاردها من الجنة يا أخي أنت مش عاوزاها حضني مفتوح لها واللي بيرزقها ربنا يا عم

 

وقف ” عابد” وقال بنبرة ساخرة

– يبقى اشرب بقى يا عمي ومترجعش تشتكي

عن أذنكم

 

عابد استنى يا عابد

 

ناداته ” جميلة” مرارًا محاولة أن تستوقفه لكنه لم يُلبى ندائها، لكزها ” ريان” وقال بغيطٍ شديد

– سيبك منه طول عمره غبي و متسرع

– زودتها معاه يا ريان بردو بعد اللي حكاه دا كله ولسه بتدافع عنها، بنته غلطانة

– أنا بنتي مبتغلطش وهما اللي مستفزين

– خلاص بقى نقفل على الموضوع وياريتك تبطل عصبية شوية وخلينا نشوف هنعمل إيه مع البنت

– هي راحت فين ؟

– طلعت تنام

 

نظرت ” جميلة” لزوجها وقالت بنبرة متعجبة

– أنا مستغربة من رد فعلها

 

بادلها ذات النظرة وراح يقول بعدم فهم

– يعني إيه ؟

– البت طلعت فوق كأنها جاية مشوار سفر تعبانة وهلكانة

– يمكن عشان اللي حصل عندهم ؟

– جايز !

 

بعد عيد الفطر بأسبوع

 

كانت تسير في حديقة المنزل حافية القدمين

تنظر حولها بمللٍ ثم تعود ببصرها إلى المغطس

جلست على الارض الخضراء، التقطت هاتفها تراقصت أناملها على لوحة المفاتيح، رفعت هاتفها على أذنها في انتظار الرد من الجهة الأخرى .

 

قام ” ريان” بفتح سماعة الأذن ليصدح صوتها في المكان وقال بلهفة

– أنتِ يا رُبى ؟!

– أنا في الشالية في الساحل يا جدو أنت فين اتأخرت اوي

 

أشار ” سلطان” بأن يتابع حديثه كأن شيئًا لم يكن تنحنح وقال

– معلش يا روحي اصل طلع لي مشوار مهم

– اهم مني ؟!

– لأ ياقلبي مافيش أهم منك قولي لي أنتِ هناك من امتى ؟

– لسه واصلة من ساعة

– خلاص يا رُبى خليكِ هناك انا جاية حالًا اوعي تتحركِ

– حاضر يلا باي بقى

 

نظر ” ريان” لـ ” سلطان” وراح يقول بنبرة حائرة ممزوجة قهرٍ لما آلت إليه

– ها تجنن يا سلطان، بقالها يومين معرفش عنها حاجة ودلوقتي فتحت تليفونها وبتقول إنها لسه واصلة الساحل

 

حرك رأسه وقال بضيقٍ

– قلت من زمان إن رُبى فيها حاجة مش طبيعة، احنا لازم نتحرك بسرعة رُبى ممكن تأذي نفسها

 

مال ” ريان” بجذعه قليلًا للأمام وحدث حفيده قائلا برجاء

– بسرعة يا ساجد بسرعة الله يرضي عليك

 

نظر ” ساجد ” لصورة جده المنعكسة في المرآة وراح يقول بهدوء

– اهدأ يا جدو اهدأ و إن شاء الله نلحقها احنا خلاص قربنا نوصل الشاليه

 

بعد مرور عشر دقائق

 

وصلا إلى منزله بالساحل، ولج وخلفه ” سلطان” الذي طلب منه التحلي بالهدوء والصبر والتعامل بشكلٍ طبيعي، هرولت نحوه ما أن رأته احتضنته بقوةً ثم قالت

– جدو وحشتني قوي

 

ضمها لصدره بقوةً كاد أن يع بين أضلعه، خرجت من حضنه وصافحة “سلطان ” عاتبته ثم تسائلت عن عائلتها رد بهدوء قائلا

– كلهم بخير ياروحي تعالي ندخل جوا بقى احسن الطريق كان طويل قوي

 

استوقفته قائلة بتذكر

– استنى بس قل لي هو نوح ومراد وتيم والشباب كلهم حتى البنات قافلين حساباتهم ليه ؟

– مين قال لك إنهم قافلين حساباتهم ؟!

– كل ما بحاول اكلم صبا مش راضي يجمع معايا ونفس الموضوع في ولاد عمي وعماتي ؟!

 

احتوى خدها قائلا بحزنٍ دفين

– رُبى أنتِ جيتي هنا ازاي ؟

 

رفعت كتفيها وقالت بنبرة صادقة

– مش عارفة ولا فاكرة أنا فجأة لقيت نفسي هنا بعد ما اتفقت مع جدو إننا هنقضي العيد

قال لي هنروح قبل العيد بأسبوع يكون خلص هو كل شغله

 

نظر ” سلطان” لـ جدها الذي أومأ برأسه علامة النفي لينفي ما قالته حفيدته، عاد ببصره وقال

– صحيح بتكلمي عابد اصله مش بيرد عليا

– تصدق كنت لسه هسألك عنه أنا كمان هو وماما والعيلة كلها مش عارفة اوصلها نهائي

 

تابعت بتذكر قائلة

– تعالوا بقى نذخل نحضر الفطار احسن المغرب قربت تأذن وبعدها نخرج

 

بلع ” ساجد” لعابه وقال بحزنٍ لما آلت إليه

تلك المسكينة

– رُبى الظهر لسه مأذن من ساعة تقريبا

 

وقف ” ريان” مقابلتها احتضن كفيها بين راحتيه وراح يقول بصوتٍ مختنق

– رُبى حبيبة قلب جدو بتثق في صح ؟

 

نظرت له لتعرف ما سبب تلك ال موع المتكومة في عيناه، أومأت برأسها علامة الإيجاب دون أدنى تفكير، نظر لها وقال

– تعالي معايا يا رُبى

– هنروح فين ؟

– مكان هادي وجميل ترتاحي في

– بس أنا مش تعبان

– بس أنا تعبان يا رُبى عشان خاطري اسمعي كلامي وصدقيني هاروزك ومش هاسيبك

 

نظر ” ساجد” إلى” سلطان” وقال بنبرة حزينة

– هي حالتها متأخرة ؟

– للاسف يا ساجد مش انا اللي اقدر احدد دا

بس الاهم دلوقتي إنها تكون تحت رعاية لأن حالتها ممكن تتدهور وتقتـ ل روحها أو تأذي نفسها

– طبعًا مش محتاج يا عمي اعرفك إن اللي حصل دا يكون سر و

– عيب يا ساجد لو مكنتش قد الثقة مكنش جدك كلمني أول واحد.

 

تم وضعها داخل مصحة نفسية وعصبية، بدأت الإجراءت بشكلٍ سري، كان ” سلطان” معهم خطوةً بخطوة ظل يتابع مراحل علاجها حتى

أتى موعد سفره، كانت الحياة في بادئ الأمر

غاية الصعوبة على عائلة الانصاري أما عائلة المحمدي فهي لا تعرف عن ابنتهم شيئا منذ ذاك اليوم الذي خرجت فيه من المنزل.

 

عودة إلى الوقت الحاضر

 

كان ” ريان” جالسًا في غرفة مكتب مدير المصحة يستمع جيدًا لتعليماته، حتى أتى الطبيب المعالج وقال بهدوء

– رُبى كانت مريضة بحالة انفصام في الشخصية، ستر ربنا إنكم ثدرتوا تكتشفوا دا بدري صحيح مكنش بدري قوي بس خلينا نقول إن لو كنا اتاخرنا عن كدا كان ممكن

تقتـ ل حد فعلًا، رُبى قدرت تنسج احداث في عقلها الباطن من خلال الجلسات لاقيتها شخصية متناقضة كانت مرة تكلمني بطريقة هادية وناعمة ومرة تانية شرسة متمردة قوية

رُبى للأسف الشديد كانت بتعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، ودا تقريبا حصل لها بسبب صدمة عاطفية مرت بيها في حياتها، بدا معاها بإكتئاب بعدها الموضوع تدهور بدون ما تشعر وبدأت تعيش حياتها بشخصية متناقضة تمام مع الشخصية الحقيقة.

 

نظر له ” ريان ” وقال بهدوء

– طب هي دلوقت إيه اخبارها يعني هي بقالها سنة في المصحة مش شايف حضرتك إن دا كتير قوي عليها

 

رد الطبيب المعالج وقال

– في الحقيقة أنا شايف إن دا بيرجع لحسب الحالة وسرعة استجابتها للعلاج، رُبى دلوقتي

هتظهر للناس بشكل تاني خالص اللي اتعامل معاها مش هيصدق اساسًا إن دي هي كانت نفس البنت من سنة تقريبا

 

تنهد الطبيب وقال

– رُبى تقريبا خلصت علاجها بس هتفضل مستمرة على الجلسات لفترة بردو لحد ما نتأكد إن كل حاجة تمام

 

رفع سبابته وقال

– نصيحة مني بلاش نفتح اي ملفات قديمة لأنها مش فاكرة نهائي إنها عملت دا

 

أضاف بتذكر

– طول فترة علاجها حاجة وبس اللي فاكرها

وهي أهلها وعيلتها هي مش عارفة إيه السبب اللي خلاهم بعدوا عنها، ولا قادرة تفتكر ياريت يا ريان باشا تحاول تمنع أي حد يفتح أي حاجة قديمة ممكن يخليها تنتكس تاني

 

وقف ” ريان” عن مقعده وقال بهدوء

– متقلقش يا دكتور عيلتها مسافرة ومش ناوين يرجعوا تاني تقريبًا كدا هاجروا

 

ختم ” ريان ” وقال بإمتنان

– أنا متشكر جدًا لحضرتك، أنا تعبتك معايا

– دا واجبي يا ريان باشا، ربنا يحفظها لك انا اتشرفت بمعرفتك .

 

داخل سيارة ” ريان الأنصاري ”

كانت شاردة الذهن، تستند بظهر يدها أسفل ذقنها تشاهد البنايات، وأخيرًا غادرت منزلها الكئيب الذي مكثت به أشهر طويلة، كانت وحيدة لا يأتي إليها أحدًا سوى جدها، جدتها، وساجد بن خالها ادهم، على الرغم أنهم لم يتحدثوا أمامها بأنها كانت مصابة بمرض نفسي لا دخل لها فيه، لكنها علمت بكل شئ

كانت حزينة على حالها الذي آلت إليه، مالذي فعلته بحالها لماذا تتقمص دورًا غير دورها وحياً غير حياتها، تشتاق لوالدها والدتها عائلتها، ولكن يجب عليها غلق بابهم للأبد فهي تتحمل أن يعرفون عنها أنها قاسية لكن لا تتحمل نظرة عطفٍ وشفقة من أحدهم .

 

وصلت إلى بيت جدها أخيرًا وسط احتفالًا صغير مقتصرًا على جدتها فقط، ضمتها لحضنها اخرجتها احتوت خديها بين كفيها وقالت بحنو وحب

– نورتي بيتك ياعمري نورتي الدنيا كلها يا روبي

 

رد ” ريان” وقال بجدية مصطنعة

– خلاص بقى إنتوا بتحبوا النكد كدا ليه، ولا أنتِ عاوزة تهربي من الغدا يا جيجي.

 

ردت ” جميلة” ضاحكة وقالت

– احلى غدا لعيون روبي قلب تيتا

– طب وجدها ينفع يتغدا ولا مهمته خلصت على كدا ؟!

 

انحاذت محتضنة جسد حفيدتها وقالت بإبتسامة خفيفة

– إيه رأيك يا روبي نخلي يتغدا ويغسل المواعين

 

تركتها ” رُبى” وسارت تجاه سلالم الدرج، صعدته بهدوءٍ وحذر وكأنها عجوز لا تستطيع الحراك، ولجت غرفتها مدد جسدها على حافة الفراش وتركت لعيناها العنان، تعال صوت نحيبها هرعت إليها جدتها جذبتها لحضنها مسدت على جسدها بحنو وحب ثم قالت

– والله ما حد هيعرف حتى أمك، أنا امك وابوكِ وعيلتك سيبك منهم كلهم

 

رفعت ذقنها لتتقابل عيناها بخاصتها الممتلئ بالدموع وقالت

– أنتِ قوية وهتعديها احنا ياما جت علينا مواقف صعبة والحمد لله عدينها، امسحي دموعك وعيشي حياتك كأن اللي دا محصلش

 

لاحت إبتسامة ساخرة وهي ترد عليها بمرارة قائلة

– حاضر هدوس على زرار النسيان وانسى اللي حصل لي حاضر ….

 

يتبع

 

الفصل الثامن

¤¤¤¤¤¤¤¤

ولج من باب شقته حاملًا كل ما لذ وطاب، اطعمة شهية، عصائر طازجة، والفاكهة المفضل لديها، وضع الاكياس على سطح المائدة داخل المطبخ، نظر حوله وجد المكان غير منظم، حرك رأسه يمينًا ويسارًا من تلك المستهترة التي لا تفعل شئ في حياتها أبدًا.

 

خرج من المطبخ مناديًا عليها بصوتٍ عالِ نسبيًا

– ساندي أنتِ فين ؟

 

خرجت ” ساندي” من الغرفة مرتدية منامة حريرية قصيرة من اللون الأحمر القاتم، ذات حمالات رفيعة، اتجهت نحو وقالت بسعادة

– حمد الله على سلامتك يا روحي

– احنا مش قلنا نحاول ننظم المكان شوية ؟

 

لوت ثغرها يمينًا ويسارًا وهي تتجه نحو المطبخ وقالت:

– نوح وحياة ابوك مش ناقصة صداع على الصبح هابقى اروق البيت، قل لي جبت إيه معاك؟

-كل اللي طلبتي

 

تناولت ثمرة من التفاح الأحمر، قضمت منها قطعة صغيرة ثم قالت

– بقالك يومين غايب مش بعادتك يعني ؟

– مافيش رُبى بنت عمي عملت شوية مشاكل كدا في البيت وانشغلت فيها

 

تركت “ساندي” التفاح بغضبٍ جم، ثم وضعت المشتريات في البراد حسب ترتيبها وهي تقول

– وهو دا اللي خلاك تغيب عن مراتك يومين يا سي نوح ؟!

 

استند “نوح” بظهره على حافة المائدة الرخامية وراح يقول

– معلش يا ساندي بس أنتِ عارفة الدنيا لما بتتكهرب كدا عمي بيتعب فجأة و أنا بحب اكون جنبه

 

نظرت له وقالت بعصبية شديدة

– جنب عمك ولا بنت عمك يا نوح ؟!

 

ابتسم لها وقال بغمزة من عينه

– الله احنا بنغير اهو ؟

– اغيير من مين يا حبيبي من دي ملقتش إلا دي واغير منها طب حتى نقي حد عدل اغير منه

– رُبى طيبة وغلبانة يا ساندي واحنا متعودين على الخناقات دي من زمان بس المرة دي زادت شويتين

– احسن تستاهل عشان تبقى تعمل فيها بنت الحسب والنسب

– بقلك إيه قفلي ع الموضوع دا ويلا عشان نأكل أنا جبت أكل جاهز النهاردا

 

تناول بعض الأ كياس الصغيرة، جلس على المقعد وجلست هي مقابلته، بدأ في تناول الطعام بشراهة، نظرت له وقالت

– أنا هموت من الجوع وأنت جيت في وقتك

 

ترك الطعام وقال باسما

– الف هنا على قلبك يا حبيبتي

 

تابعت بغنج وهي تملس على لحيته النامية قليلا

– بحبك يا نوح متتصورش أنا بحبك ازاي، أنا عارفة إن قلبك لسه معاها، بس هي غبية متستاهلكش أنا وبس يانوح اللي استاهل واحد زيك رُبى كا فرة بنعمة ربنا، سيبك منها وخليك معايا أنا، أنا هدلعك وها خليك تعيش اسعد أيام حياتك أنت بس سيب لي نفسك خالص وشوفي ساندي ها تعمل لك

 

اكتفى بالإبتسامة الواسعة، وتابع تناول طعامه

بينما هي نظرت له وقالت بهدوء

– أنا عارفة إنك ممكن تزعل بس أنا ناوية اخلف منك، خلاص مش حبوب منع الحمل

– ساندي أنا قلت لك قبل كدا الموضوع دا أنا مش معارض في وإن أنا سايب الخلفة دي تيجي وقت ما ربنا كاتبها

– لو جه ولد هاسمي طلال ولو هتسميها إيه يا نوح ؟

– أنتِ يا حبيبتي اللي تختاري مش أنا

 

ردت ” ساندي” بعصبية وقالت وهي تقف عن المقعد

– ليه بقى إن شاء الله مش بنتك ولا مش بنتك ولا تكون ناوي تسميها على اسم حبيبة القلب !!

– تاني يا ساندي تاني مش هانخلص من الحوار بقى ؟! وبعدين مالك حاطة رُبى في دماغك ليه هي خلاص هتتجوز وبتحب جوزها

 

ردت بنبرة مغتاظة وقالت

– وأنا ازعل ليه يا حبيبي، وبعدين هي دي حد يحبها دي حتة بت هبلة لا ليها كلمة ولا شخصية خطيبها عامل من كرامتها سجادة كل شوية يدوس عليها انما أنا متجوزة راجل وسيدي الرجالة وإن كان على اهلها الدكاترة

وايه يعني ابوها مدلعها ومخليها ملهاش لازمة في الحياة انما أنا ابويا علمني وكبرني وخلاني ليا حياتي الخاصة اعمل اللي يعجبني وقت ما يعجبني يعني من الاخر متقارنهاش بيا أنا وبس اللي تتكلم عني انا اللي فزت بيك وهي زي الخايبة راحت للي مبتعرفش تقول له لأ

 

سار تجاهها ووقف مقابلتها وراح يقول

– طب معلش حقك عليا متزعليش، يلا نكمل أكلنا

– بعد إيه بعد ما سديت نفسي بكلامك عن الست البرنسيسة بنت الحسب والنسب

– قلت لك خلاص حقك عليا

– بردو لأ

 

دس يده في جيب حلته السوداء وقال بإبتسامة واسعة

– اعتقد بعد الهدية دي مستحيل تزعلي مني

 

التقطتها منه والسعادة تكاد تقفز من عيناها

نظرت له وقالت

– الله يا نوح حلوة اوي السلسلة، دهب دي يا نوح

 

تناولها منها ليساعدها في ارتدائها وقال

– طبعا يا قلب نوح يلا بقى عاوزين نأكل الاكل هيبرد وكمان عاوز انزل الحق شغلي

 

تعلقت برقبته وقالت برجاء

– خليك معايا يا نوح وحياتي يا نوح خليك معايا

– حبيبتي معلش بلاش النهاردا، تيتا لوحدها واكيد هتكون زعلانة بسبب اللي حصل وأنا خايف تتعب وهي لوحدها

 

تركت رقبته وقالت بغضب

– أنا عاوزة اعرف بالظبط أنت هاتعلن جوزانا امتى ؟!

 

أومأ برأسه علامة الإيجاب وراح يقول

– حاضر قريب بس، الدنيا ترجع تهدى تاني وأنا هعلن جوزانا

– أنا مش فاهمة يا نوح أنت خايف من مين ؟

– مش من حد بس جوازنا جه فجأة وكل حاجة جت بسرعة وطبيعي ابقى محتاج امهد لهم إني اتجوزت

 

ابتسمت ” ساندي” بانتصار وراحت تقول بشماتة واضحة

– قول للدنيا كلها إنك بتحبني و اعترف لهم أني أنا اللي انتصرت على رُبى واخدتك منها لأنها مستاهلكش، أنا يا نوح وبس اللي استاهلك رُبى واحدة غبية وعمرها ما كانت هتعرف تبسطك وتسعدك زيي، اوعى تفكر فيها تاني أنا هانسيك رُبى بنت الحسب والنسب اللي معرفتش تختار صح في حياتها، خليها هي تتعذب مع واحد زي رامي وخليك أنت معايا في الجنة .

 

في مساء اليوم التالي

جلست ” رُبى” على ركبتيها أمام جدها تسأله ويجيب عليها بكلمات غاية في البساطة مازال يتمتع بخفة الظل، تظهر لمن يريد أن يظهرها له حاول تعويضها عن أبيها، سئمت من السؤال عنه و فشل في وجود اكذوبة جديدة، قررت أن تتعايش مع الأمر، يشفق عليها ولن ينكر اظهار تعاطفه مع ” عابد” الذي سقط أرضًا بعد مجيئها هنا انتقل للمشفى وعلم أنه يُعاني من ازمة قلبية، وكاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، قرر ان يُخفي عنه مرض ابنته، لحين إشعار آخر

الوضع بينه وبين ابنته تأزم بشكلٍ كبير، بعد أن علم بسفرها ورفضها للعودة إليه من جديد

لم توافق ” جميلة” على هذا الإقتراح و تنبأت بالنتائج الوخيمة له، لم يكترث ريان لهذا ليحصد ما زرعه طيلة العام الماضي ندمًا وحزنًا لاما نفسه كثيرًا ولكن الندم واللوم لا يُجدي نفعًا، خرجت ” رُبى” من المشفى شخصية أخرى غير التي يعرفها الجميع، قررت ” جميلة” التصرف على طريقتها الخاصة، اخبرت ابنتها بكل شئ حدث خلال العام الماضي بعد أن امتنع ” ريان” الإخلال بعهده لحفيدته، كانت” وتين” على علاقة قوية بوالدتها علمت منها كل شئ وتصرفت كما أرشدتها، واخفت هذا السر عن زوجها حتى لا يحدث له مضاعفات قبل دخوله إلى عملية القلب المفتوح التي سوف يخضع لها خلال أيام قليلة، كتمت آلمها في قلبها، تكاد تموت كمدًا من فرط حزنها على ابنتها وزوحها وحالهم الذي آل إليه الجميع خلال العام الماضي، تجنبت رؤية ابنتها لفترة ليست بالطويلة بعد تعليمات الطبيب النفسي، انهارت والبكاء اصبح حاليفها الوحيد، ظلت تحت رحمة الاطباء وتعليماتهم لرؤية ابنتها، ينعقد لسانها عندما ترَ زوجها يحدث نفسه يرميًا معاتبًا ابنته وكأنه يرأها، تريد أن ترفع الظلم عنها ولكن إن رفعت الظلم عنها سقط زوجها من إثر الصدمة، ماذا تفعل طلبت من أبنائها المكوث مع والدهم بعد أن تحججت بمرض أبيها حاولت أن تقترب من ابنتها كسابق عهدها لكن هذا الإقتراب كان سببه ردة فعل الغير متوقعة من ابنتها، قرر ” ريان” ابعاد ابنته عن حفيدته فترة طويلة حتى لا يحدث لها انتكاسة جديدة لا يعرف كيف تعيد تلك المسكينة، ربت على خدها الأيسر تذكره بوالدتها كانت عاشقة لآحاديث والدها عن جميلته الذي لا يخلو من المشاكسات، تنحنح وراح يقول بجدية مصطنعة

-جدو أنت اتعرفت على تيتا ازاي ؟

-بصي يا ستي جدتك كانت صاحبة اختي وشافتني ووقعت في غرامي من النظرة الأولى

انا طبعا مكنتش معبرها لحد ما جت في يوم وقالت لي ازيك يا ريان عاملة إيه ممكن نتجوز

لسه هاتكلم واقول أنتِ مين اصلا لقيتها بتقولي

 

هو انت لسه فيك عادة الكدب دي ياريان مش هتبطلها ابدًا

 

أردفت ” جميلة” عباراتها وهي تلج حاملة بين يدها الحلوى وبجوار صحن ” رُبى” عقاقير طبية تواظب عليها تحت إشرافها شخصيًا بعد أن أكد الطبيب الاهتمام بالدواء هذه الفترة الحرجة بالنسبة لها، كتمت ” رُبى” ضحكاتها بكفيها ما رأته يعتدل بجسده وعلامات القلق بادية على وجهه حين قال

-ها جميلة !!

– بصي يابنتي أنا كنت طالبة وهو المعيد بتاعي وهو اصلا شريكِ في الورشة بتاعت ابويا الله يرحمه قالي تعالي نوسع الشركاه وتبقي شريكتي في البيت والورشة

المهم جه وطلبني من ماما وماما حطت كام شرط كدا

وطبعا وافق

لا يا اختي رفض وقال لأ

وبعدين حصل إيه ؟

ابدًا ماما قالت له براحتك فهو بقى كان يطمن عليا لما كنت تعبانة بس امي طلعت عينه ومرضتش تريحه

ياحرام ليه بس يا تيتا دا جدو طيب

قولي لها يارُبى احسن مش مصدقاني اني طيب وفي حالي

وبعدين ياتيتا رجعتوا لبعض ازاي واتجوزتوا

فضل يلاحقني في كل مكان ويقولي ارجعي لي يا جميلة ويقولي انا بحبك بس انا كنت قوية وقلت ابدا مش ممكن ارجع

 

بس الكلام دا محصلش

ليه بكدب مثلا

لا بس مخصلش انا انجوزتك عشان صعبتي عليا

اسكت أنت أنت عندك الزهايمر ومش فاكر حاجة

يعني أنا اتحايلت عليكِ

يعني هكدب عليك ؟

استنى بقى ياجدو كملي ياتيتا اتجوزك ازاي

 

قالي تتجوزيني يا جميلة قلت له أنت بتقول ايه طب والشروط والكلام اللي رفضته قالي كنت غبي انا بحبك

 

اهي بقى الكلمة الوحيد ة اللي فاكرها كويس

هي إيه كلمة بحبك ؟

لا كنت غبي

 

صدحت ضحكاتها الرنانة في المكان، مشاكسة جديدة استمتعت بها من هذا الثنائي العظيم الذي لن يتكرار من وجهة نظرها، عفوا هو يتكرر بالفعل والديها ذات الأمر، كانت تستمع لمشاكستهم وتستمتع بها كثيرًا، اشتاقت لوالدها أين هو ومالذي حدث ليبتعد عنها هكذا هي ابنتها مهما فعلت، قاسِ نعم قاسِ لكنه حنون تتوق شوقًا لضمة حانية منه، أن يربت على كتفها ويخبرها بأنه هنا، لاحت ابتسامة ساخرة على جانب ثارها سرعان ما تبدلت لدهشة ما أن ولج ” ساجد ” ونيران الغضب والغيظ تتطاير من عيناه

– يا برودك يا شيخة

 

وثبت من مكانها محتضنة كتف جدها قائلة

– الحقني يا جدو

 

نظر ” ريان ” لحفيده وقال

– مالك ومالها ياواد أنت

 

جلس “ساجد” بينما وقفت جدته لتأتي بصحن من الحلوى التي صنعتها، أشار بسبابته وقال

– ياجدو بعد أذن حضرتك رُبى مكانها المطبخ

يا جميلة هاتي المكرونة بالبشاميل لـ ساجد عشان يدوقها

 

لكزته ” رُبى” في كتفه بعفوية ليصحح هو سريعًا

 

-قصدي البسبوسة اللي عملتها رُبى

ياجدو بسبوسة ومكرونة إيه أنا بكلمك في ملايين والبيوت اللي اتفقلتها رُبى وأنت بتكلمني عن الأكل ؟!!

مش أنت بتقولي ان مكانها المطبخ وأنا بقولمك حتى المطبخ مش نافعة في

جدو ركز معايا انا يا حبيبي وسيبك منه دا عاوز يوقع بنا

حاضر اتفضلي قولي

بص أنا عملت زي ما قلت لي وبدأت امشي على الخطوات بتاعتك قام هو زعل

جدو ركز معايا الله يبارك لك سيبك منها

 

حاضر اتفضل معاك اهو

 

الهانم قالت أنا هنزل اخد لفة في المصنع واشوف الشغل قمت قلت ايه واد الحماس دا ماشي روحي قامت بقى الهانم سيدة الأعمال

زعقت ووقفت الشغل ودا تسيب ودا استهتار

ولما سألتها عن السبب قالت لي ازاي يلبسوا

لبس الشغل لونه ازرق مش روز

 

وأمرت المواظفين كلهم يمشوا ويجيوا يوم السبت أنت عارف حركة زي دي تكلفنا خساير قد إيه ؟!

 

يا ابني براحة على نفسك هتتجلط كدا

هو أنا لسه هتجلط يا تيتا انا واخد خمسة مهدأ ولسه مش عارف اسيطر على اعصابي

 

مالك يا ماما أنتِ وهو بالبت جاين عليها خلاص يا استاذ ساجد براحة نقدر نعمل الشغل في المصنع التاني عادي يعني

أنت ليه محسسني إنها ملاك وان اللي حصل دا كأنه محصلش

 

ايوة يا حبيبي محصلش وبنتي مبتغلطش وحساب بقى ايدك كدا خلي بنتي تحط جناحها

براحتها حطي ربى جناحك ياروحي

 

لا يا جدو أنا هقوم اجيب لك بسبوسة يا حبيبي

 

خلاص ارتاحت أنت دلوقت أنت وستك اهي هتقوم تجيب لي مكرونة بالعسل

 

تابع بتذكر قائلا

– سليم فين ؟

 

رد ” ساجد” رافعًا كتفيه وقال

– جدو متسألنيش عن سليم عشان تكة واحدة وهو لع في منه البيت دا

 

ربتت ” جميلة ” كتفه وقالت بحنو وحب

– بعد الشر عليك ياحبيبي

 

اغتاظ ” ريان ” تدليله وراح يقول

– دلعي في يا اختي دلعي

 

تابع بجدية وقال

– هو ابوك يا ابني مجاش ليه لحد دلوقت قال هسافر يومين وراجع بقاله شهرين

– معرفش يا جدو بس أنت عارف بابا محدش بيعرف عنه حاجة ودايما غامض

– لا وأنت اسم الله عليك يا واد مش طالع له

– الغموض حلو بردو يا دوك

– طب يا اخويا كلم لي عمك عدنان واعرف لي إن كان سليم معاه ولا لأ

 

ختم حديثه قائلا

– عمك عدنان وابنه ناوين يجلطوني مافيش حد غيرك اللي عاقل

 

ربتت ” جميلة” على كتفه قائلة بغرور

– طب دا تربيتي دا قلب سته دا

 

أنا جبت لكم بسبوسة واكيد ها تعجبكم

 

قالتها ” رُبى” عباراتها وهي تخرج من المطبخ

تبدلت ملامح وجه جدها وقال

– أنا عن نفسي عندي السكر والدكتور قالي مافيش سكريات نهائي وحافظ على اليومين اللي فاضلين لك في الدنيا .

 

انقلبت شفتاها حزنًا من ردة فعل جدها الذي جعل ” ساجد” يضحك من نابع قلبه رغم حزنه الذي كساه كثيرًا، جلست ” رُبى” وقالت بغضبٍ شديد

– عجبك كدا يا جدو اهو بيضحك عليا

 

رد ” ريان” وهو يجذبها لحضنه وقال

– لا ياقلب جدو مايقدرش يعملها ولو عملها اطلع لك روحه وإيه رأيك بقى هيأكل منها

– إيه يا جدو هو عشان أنت مش قادر تأكلها هتأكلهاني !!

– كُل يا واد وبطل وجع قلب واشكر فيها كمان

– لا أنا هقوم قبل ما يتعمل لي غسيل معدة سلام

 

قبض ” ريان” على ساعده وقال هامسا

– يتعمل لك غسيل معدة ولا جدك يموت قبل اوانه كلها وأنا واخليها تقعد في البيت، كلها وحياة أبوك يا ساجد

 

ردت ” رُبى” بحزنٍ مصطنع وقالت

– أنت بتكدب عليا وبتقول إنها وطلعت وحشة !!

– لأ يا روحي دي تحفة دا من كتر ما هي جميلة أنا مش قادر أكل منها اكتر من كدا

 

بعد مرور يومين

لم يترك فيهم ” نوح” بابًا إلا وطرقه لينقع جدها بالعودة من جديد، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل الذريع، والدها سوف يخضع لعملية خطيرة لسانه يردد اسمها ليلًا نهارًا لم يترك لحظة إلا وذكرها الاف المرات، دموعه سقطت وبغزارة اعتزال العالم اجمع وجلس في غرفته لم يترك ” ريان” دائمًا يسأل عنه

لم يُعطيه الفرصة ليرأها إن رأها بحالتها تلك سيموت في أرضه، اليوم زيارته الأسبوعية

له ولج وهو يتحامل على نفسه بعد التقط أنفاسه من صعوده لسلالم الدرج، طلب من ابنته أن تتركه قليلًا، دام الصمت قليلًا نظر له وقال بمرارة

– بنتي يا عمي بنتي ترميني سنة ومتسألش عني !! دا أنا لو ربيت كلب كان عني ؟

 

رد ” ريان ” كاذبًا وقال

– يا ابني البنت حاولت كتير إنها ترجع بس بصراحة أنا اللي منعتها خفت تكسفها وتطردها تاني

 

رد” عابد” بصراخ قائلا

– توجع غصب عني وعن أي حد ، دا بيتها وأنا حضنها ازاي تسافر وتقفل تليفوناتها وتقفل حساباتها خلاص باعتني بالرخيص كدا !! أنا جبتها عندك قلت يومين وارجع اخدها بس اعلمها الأدب، اقوم الاقيها سافرت وطلعتنا كلنا من حياتها طب بلاش أنا، أنا زعلانة مني عشان اللي حصل إنما اخواتها ذنبهم ايه ؟!

حتى توأمها اللي حته منها مدتهاش الفرصة تسمعها

– خلاص يا عابد متزعلش هي بس كانت واخدة على خاطرها منكم شوية وبكرا كل حاجة ترجع عادي

 

سكت مليًا ثم حرك رأسه بالنفي وقال بجنون

– لأ مستحيل اللي رباتها وكبرت في حضني تكون هي دي القاسية ام قلب حجر انا بنتي فيها حاجة مش طبيعية

 

وقف عن حافة الفراش كالمجذوب متجهًا نحو الخزانة ليبدل ملابسه، لم يعد يسيطر عليه

” ريان” كسابق عهده، الوضع يزداد سوءً، لم يكن أمامه سوى الإعتراف بالحقيقة عله يغفر لها، تناول منه قميصه الأبيض وقال بهدوء

– تعال يا عابد واقعد وأنا هافهمك كل حاجة بس عاوزك تتمالك اعصابك عشان الموضوع مش سهل زي ما أنت فاهم

 

جلس على المقعد مقابلته استمع له بهدوء عكس العاصفة التي تجتاح قلبه، تنحنح

” ريان” و قال

– رُبى طول السن اللي في فاتت كانت مصحة نفسية

 

جحظت عيناه وانسابت دموعه من كل حرف يتفوه به ” ريان” كيف حدث كل هذا دون علمه، انتهى من سرد حكايتها الحزينة، وقف عن المقعد وقال بغضبٍ جم

– لالالا بنتي مستحيل تبقى كدا لا الحكاية فيها إن

– للأسف يا عادب كلنا مصدومين زيك بالظبط بس هي دي الحقيقة

– لا مش الحقيقة بنتي مستحيل تبقي كدا من حالها أكيد حد ساعدها على كدا مستحيل تبقي كدا انا دكتور وعارف بقولك إيه ، اضطراب ايه اللي مابعد الصدمة أنت بتصدق في التشخيصات دي

– يا ابني والدكتور مصلحته إيه في إنه يكدب ؟!

– مش كدب يا عمي مش كدب أنت مش فاهمني بنتي مكنتش كدا ورُبى اقوى من حتة واد زي دا يدمرها نفسيًا الموضوع في حاجة لسه مش مفهومة

– والله يا عابد أنا مبقتش فاهمك في إيه بالظبط متلغبطيش دماغي وخدني على قد عقلي وفهمني واحدة واحدة

 

انتهى من تبديل ثيابه داخل المرحاض، خرج على عجل غير مكتراث تعبه والراحة التي طلبها منه الطبيب، جلس على حافة الفراش ليرتدي نعليه وقال

-عمي ما تجبش سرة لوتين مش هتتحمل صدمة زي دي و…

 

رد” ريان” مقاطعًا حديثه وقال

– وتين عملت نفس اللي أنت عملته ومرضتش تجيب لك سيرة وشالت هم بنتها في قلبها وسكتت

 

تابع بتساؤل قائلا

– فهمني بقى رايح فين كدا ؟

 

بلع لعابه وقال

– رايح لبنتي عشان اتأكد من اللي في دماغي

– وإيه هو اللي في دماغك ؟!

– بعدين يا عمي هاتعرف

 

بعد مرور ساعتين من اختفاء ” عابد” كما قالت زوجته، وصل إلى بيت الأنصاري، صعد سلالم الدرج متجهًا حيث غرفة ابنته، طرقها وولج جدها تتزين بمساحيق التجميل، بينما هي إبتسمت له، وقفت عن المقعد واتجه نحوه وقفت على مسافة قريبة منه وقالت

– اهلًا يا دكتور عابد، بقالي زمن نفسي اشوفك

 

كان يطالعها من رأسها لأخمص قدميها، تغيرت تمامًا لم تكن هي تلك الفتاة التي تربت في كنفه، اغتاظت من نظرته تلك، سألته بحدة

– جاي هنا تعمل إيه ؟

 

رد بهدوء حد البساطة

– جاي اشوف بنتي اللي رمتني بقالها سنة، جاي اشوفك يا رُبى

 

صدحت ضحكاتها الرنانة في المكان ثم عادت ببصرها له وقالت بغرورٍ

– وأخيرًا عابد المحمدي ركع، كنت واثقة إنك هاتيجي لي

– عندك شك في كدا يا بنتي ؟!

– أنا مش بنتك و أنا بتتكلم معايا اتكلم بحدود

أنا مش رُبى ولاعمري هكون رُبى اللي تعرفها

انسى إنها ترجع لك اساسا لأنها ماتت

 

وأنتِ بقى فاهمة إني هصدق كلامك دا يا رُبى ؟

 

لازم تصدقه عشان دي الحقيقة يا دكتور عابد

ولما هي الحقيقة مجتيش ليه من سنة وقلتِ الكلام دا ليه جاية تقولي دلوقت مش شايفة انها متاخرة شوية ؟

 

أنا وبس اللي اشوف امتى وفين اقول كلامي مش أنت اللي هاتمشيني يا دكتور عابد

 

ماشي يا رُبى هحاول اصدقك رغم إني اشك في كدا اصلا

مبقاش مهم عندي تصدق دا أو لا

 

أنت فاهم إن رُبى البنت المسكينة هتفضل زي ماهي اوعى تصدق نفسك كتير يا دكتور أنا اتغيرت اتغيرت كتير جدا أنا مش رُبى اللي أنت تعرفها أنا ممكن ادوس عليك بكل برود زي ما أنت عملت يا عابد بس مش هعمل كدا عارف ليه عشان الموت راحة ليك وأنا عاوزك تتعذب زيهم كلهم امشي اطلع برا وحسك عينك تفكر تقرب مني لأني ها قتـ لك يا عابد والله هعمل ماهغمض لي جفن

 

ابتسم ملء شدقيه على تهديداتها، اقترب منها قليلًا وراح يقول

– هترجعي يا رُبى وصدقيني محدش هيقدر ياخدك مني

 

سقطت دموعها بغزارة ارتمت في حضنه وقال بحزنٍ

– وحشتني قوي يا بابا ليه سبتني

 

بادلها العناق وقال بنبرةً متحشرجة

– حقك عليـ

 

قاطعته وهي تغرس نصل سكـ ين مخصص لتقطيع الفاكهة، وضعته في منتصف باطنه

تناثرت الدماء على قمصيه بينما هي ابتسمت وقالت

– أنا لما بوعد بنفذ وعدي يا دكتور عابد

 

نظرت له هو راكعًا أسفل قدماها وقالت بتشفي

– هو دا اللي كنت عاوزاه من الأول يا عابد زي مبقاش وجود لربى الضعيفة الجبانة أنت كمان لازم ميبقاش ليك وجود

 

يتبع

الفصل التاسع

¤¤¤¤¤¤¤¤

انتقل ” عابد ” إلى المشفى بعد اكتشاف مافعلته ابنته بهِ، كان الجرح الذي سببته

” رُبى” غائر لكنه لم يمس أي عضو حيوي لحُسن حظه، التف العائلة بأكملها أمام غرفة العمليات علمت عائلة المحمدي بما حدث لها

انتابهم الصدمة والدهشة الشديدة، ولكن حتى الآن لم يتحدثهم أحد عن هذا الأمر، أتت مسرعة تبحث عن والدها بعد أن حاول ” ساجد و تاليا” تهدأتها منعها من الدخول لغرفة العمليات

جسد أخيها الذي حاوطها بقوةً ودموعه تنساب على وجهه، لم تكن تشعر بشئ لا تعي أنها هي التي فعلت به هكذا، على الرغم من ابتعاد ” تاليا” عن ” تيم ” طيلة هذه المدة إلا إنها ظنت أن قلبها يدق له لتجد العكس تمامًا أخذتها منه وعادت للوراء قليلًا بجوار ” ساجد” بينما تمتمت ” رُبى” بخفوت وهي تضم اناملها المرتعشة، تناجي ربها بأن يمرر الوقت على خير وينجو أبيها من الموت، وصل إلى مسامع ” تاليا” صوتها وهي تقول

– يارب احفظه لي يارب أنا مليش غيره، يارب خد من عمري وطول في عمره يارب أنا مليش لازمة من غير بابا احفظه لي يارب

 

احتوت ” تاليا” كتفها بحنو وحب تطمئنها بنظراتها، خرج الطبيب وعلى وجهه ابتسامة مطمئنة وقال

– اطمنوا الحمد لله عدت على خير،بس لازم نعمل محضر بالواقعة و…

 

رد ” ريان” وقال بهدوء شديد وهو يسير بجوار الطبيب

– لوسمحت يا دكتور كلمتين على جنب

– اه طبعًا اتفضل

 

نظر ” ريان” لـ ساجد وقال بجدية

– ساجد خد رُبى وتاليا وارجعوا على البيت

 

أومأ برأسه علامة الإيجاب ثم قال

– حاضر يا جدو

 

ترك ” ريان” مهمة إقناع ” ربى” للعودة لمنزل جدها من جديد، كانت محاولة بائسة لكنها نجحت بالنهاية، غادر المشفى وترك مهمة تهدأتها لجدته، نامت على حافة الفراش بعد مرور عدة دقائق، أما هو كان يسير بهدوء في حديقة المنزل، يتابع خطوات جده أولًا بأول

أتى ” سليم” وجلس جواره وقال

– جدي مش هيجي دلوقتي، اطلع نام أنت

– طب عمك عابد عامل إيه دلوقت

– فاق وبقى كويس الحمد لله بس لسه تعبان

– طب والمحضر اتعمل ؟

– لا جدك قدر يسيطر على الموقف بطريقته ما أنت عارف

– طب كويس، انا هاطلع انام بقى عشان هلكان وعندي بكرا شغل كتير تصبح على خير

– وأنت من اهله

 

جلس ” سليم ” لمدة خمس دقائق، ثم وقف عن المقعد وغادر الحديقة، أما جدته كانت تمسد على جسد حفيدتها بحنو وحب، حتي راحت في سبات عميق، وقفت من على حافة الفراش تلملم متعلقاتها الملقاه على أرضية الحمام، مالت بجذعها العلوي لتلتقط الملابس

ليسقط من بنطالها القطني نقود وبطاقة إئتمان

لم تعير الأمر أي اهتمام، خرجت من المرحاض متجهة نحو الخزانة تضع متعلقاتها الشخصية، لتجد ما يصعقها حقا، حقيبة سفر بها مبلغ مادي تجاوز المئة الف جنيهًا، وبجواره هاتف محمول القت نظرة سريعة عليها وجدتها نائمة، عادت تلملم كل ما وجدته

ثم خرجت من الغرفة متجهة حيث غرفتها

جلست على حافة الفراش وبدأت في النبش بين الاوراق والمتعلقات لتجدها تحمل هاتف تراسال منه زوجها وحبيبها ” نوح” وأن اسمها

” ساندي” ظلت تتنقل بين الرسائل لتجده يحدثها كأنها بالفعل ” ساندي ” وليست

” رُبى” ابنة عمه، لطمت بيدها على صدرها ثم وجهها، بحثت بعيناها عن هاتفها، التقطته بيد مرتعشة. رفعته على أذنها انتظرت الرد الذي أتى على الفور ردت بصوتٍ باكي وقالت:

– تعال يا ريان وهات معاك نوح بسرعة اوعى تتأخر ونوح لازم يجي يعرفنا المصيبة دي حصلت إمتى وازاي، تعال وأنت تعرف

 

بعد مرور ساعة تقريبًا

 

كان ” نوح وريان” في منزله يستمع لخديث زوجته كاد أن يفقد عقله بسبب الإثباتات اللتي وقعت في يد “جميلة” انتظر رأي ” نوح” وقال بغضبٍ جم

– ما تنطق اتجوزتها إمتى وازاي ومين ساندي دي ؟!!

 

نظر ” نوح” وقال بمرارة في حلقه

– أنا متجوزتش رُبى أنا اتجوزت ساندي

 

رد ” ريان” بنبرة مغتاظة وقال

– مين ساندي دي وإيه علاقتها بربى ؟!

– ساندي دي واحدة بتكره حد اسم رُبى، تتمنى تتقتـ لها ومش عاوزة منها حاجة غير إنها تاخد كل حاجة رُبى بتاخدها

 

ردت” جميلة” وقالت بعدم فهم

– يعني إيه وأنت عرفت الموضوع دا ازاي ؟!

– فاكرين طبعًا اليومين اللي غابت فيهم رُبى عن البيت قبل ما تتدخل المصحة ؟

– اه طبعًا فاكرين

– استني بس يا جميلة عرقت منين إذا كان محدش يعرف الموضوع دا غير…

 

رد ” نوح” مقاطعًا بهدوء المعتاد

– أنا مكنتش اعرف حاجة عن تعبها غير لما جت لي الشغل لبسة اللبس العجيب اللي هي بتلبسه دا قلت لها في البداية انها رُبى، فضلت تزعق وتضربني وتقول كلام غريب

 

سألته ” جميلة ” باستفهام

– كلام زي إيه ؟!

 

اجابها بهدوء

– أنت بتاعي أنا رُبى دي غبية أنا بحبك وكلام كله بيدل على النرجسية وأنها فرصة متتعوضش وسابتني ومشيت، هنا حسيت إنها ممكن تمشي في مكان أنا معرفوش، قررت إني اعتدز لها عشان اعرف منها ازاي اتحولت كدا لحد مافهمت إنها مقتنعة مليون في المية

إنها ساندي مش رُبى مبقتش عارف اروح فين واجاي منين، حاولت اخليها تيجي على هنا عشن عمي لو شافها كدا كان ممكن يروح فيها

بس هي رفضت تمشي معايا وقالت مين الناس دول وأنا معرفهمش وأنا غلطانة عشان جيت لك وكلام من النوع دا

فضلنا ماشين مع بعض على الكورنيش ظول الليل لحد ما النهار طلع قالت لي الجو دا جو سفر ويلا نطلع الساحل

 

رد ” ريان” مقاطعًا بدهشة

– أنت ودتها الفيلا بتاعتنا اللي هناك ؟

 

أومأ ” نوح” رأسه علامة الإيجاب وهو يضغط على قصبة أنفه مغمض العينين، نظر لـ جميلة ليستمع إلى سؤالها

– طب دا يوم اليوم التاني كان فين ؟ وازاي اتجوزتها قبل المصحة ولا بعدها؟

– احنا قضينا اليومين في الشوارع مرة كنت بحاول اقنعها إنها رُبى ومرات اكدب عليها واقول يا ساندي عشان اطاوعها ومتتهورش

لقيت نفسي بروح للشاليه بتاعكم، ولحسن الحظ إن البواب قدر يعرفني وقبل يدخلها الفيلا بعدها طلبت منه يكلمك ويمنعها من الخروج

 

نظر ” ريان” له وقال بعدم فهم

– بردو مش فاهم ليه مجتش أنت وتقولي اللي حصل ؟ وليه فضلت ساكت طول المدة دي كلها !!

 

نظر له” نوح” طويلا ثم قال بهدوء

انا ماسبتش المكان غير لما أنت وصلت الساحل فعلا كنت بعيد عنكم بس موجود، مجبتش سيرة لأني كنت بسأل دكتور صاحبي

وقالي إن الحالة ممكن تكون خطيرة وعنادك معها اكبر غلط هاتها وتعال نشوف الدنيا فيها

 

رجعت عشان الحقكم قبل ماتمشوا، بس للأسف كان الوقت فات

 

دام الصمت لعدة دقائق بعد أن جاءت الخادمة

تضع القهوة على سطح المنضدة الزجاجي،غادرت وتركته يرتشف رشفات متتالية دس يده في جيب سرواله ليخرج ورقة صغيرة من حافظة نقوده، أعطها لجدها وقال بهدوء

– دي ورقة جواز عرفي كتبتها بعد ما اتعصبت عليا وحكمت إني اتجوزها عان اثبت لها مدى حبي واخلاصي لها وإن رُبى ملهاش أي وجود في حياتي وإنها انتصرت عليها

 

ختم حديثه قائلا

– والباقي إنتوا عارفينه

 

تفاجئ من رد فعل جدها حين طرق بعصبية على سطح المنضدة وراح يقول:

– عارفينه دي تقولها لما ابقى متفق معاك تاخدها رحلة وترجعها لي ولا لما اقل لك تعال نعمل لها مفاجاة تفرحها، كاتب على البت عرفي وبتاخدها وبتغيب باليومين واحنا منعرفش إيه اللي حصل !!

 

ردت ” جميلة” محاولة تهدأته لتعرف مالذي يخبئه ” نوح” ولا بريد الافصاح عنه، عادت ببصرها لهزوقالت بهدوء

– قل لي يانوح ليه مجتش تقولنا لما حصل كل دا

 

اجابها بنبرة مغتاظة قائلا بغضبٍ جم

– وهو لما جيت لك وهي في المستشفى وسألتك عنها قلتِ إيه، قلتِ إنها مسافرة بتتفسح برا وابعد عننا يا نوح وكفاية كذا يا نوح هنروح بعيد ليه بعد خروجها جيت هنا عملتي معايا إيه فاكرة عملتي معايا ايه ؟!

 

لم تنكر ” جميلة” ماقاله ” نوح” رغم الحدة والتجاوزات التي صدرت منه أثناء حديثه إلا إنه صادق في كلمة قالها، دام الصمت لدقائق

ليجمع جميعهما احبال أفكارهم، كان ” ريان”

هادئ هدوء مريب بالنسبة للجيمع لايعرف أحدهم كيف يفكر حتى قال بهدوء متناقض مع غضبه الشديد من البداية

– بص يا نوح انا لا هاقلك طلق ولا اتجوز والكلام الفارغ دا، ودا عشان محصلش جواز أصلا عشان نطلب طلاق، نيجي بقى للمهم

هاصدق إنك فعلا خاولت تعرفنا اللي حصل

إيه حكاية ال150الف اللي معاها ولا عقد الشقة دا ؟!

 

لاحت ابتسامة باهتة على ثغره وقال بمرارة في حلقه

– أنا كنت متابع حالتها من بعيد لبعيد وهي في المستشفى، ولما عرفت إنها خرجت فرحت وقلت الحمد لله خفت، لحد ماجت لي رسالة

من ساندي بقيت هتجنن ازاي ساندي رجعت تكلمني تاني كدا في حاجة غلط، في حاجة مش مفهومة ازاي الدكتور يقول إنها خفت وازاي ساندي رجعت تكلمني، فضلت اتكلم معاها وقالت لي إنها كانت مسافرة .

 

رد ” ريان” مقاطعًا بغضب من ثرثرة ذاك المعتوه ازاح بيده قدح القهوة من أمامه لتنفض على إثره زوجته وذاك المغلوب على أمره في كل شئ، نظر له وقال بتحذير واضح

– بص بقى لما اقل لك شغل حزر فزر دا تعمله مع حد تاني إنما أنا تيجي معايا دُغري، كتبت على البت عرفي والبت قعدت يومين برا البيت معاك وكمان بينكم رسايل بتقول إنها حامل ودلوقتي بتقول إنك ملاك بجناحات ومعملتش حاجة معاها ساحر أنا عشان احلها مثلا!!

 

ظل ” نوح ” يستمع له حتى انتهى من حديثه

الغاضب والذي تخلله بعض السباب اللاذع والذي يصدر منه لأول مرة، حاولت ” جميلة”

تهدأت الامور بينهما، رد ” نوح” بهدوء غير مكترث لهذا الغضب الشديد

– يا جدي دي بنت عمي اللي من لحمي ودمي

لحم كتافي دا من خير أبوها، مابيقولش غير يا ابني بيعاملني كبيره وابنه البكري، بعد كل دا اطعنه في ضهر !!

 

ختم حديثه قائلًا بنبرة صادقة استشعرها جديها حين قال بنبرة مختنقة

– ويشهد الله على إني حافظت عليها وكنت زي المجنون ماشي بدور عليها في الشوارع قبل ما تضيع نفسها ولا أبوها يشوفها بالمنظر دا ويروح فيها، وإني سبت حالي ومالي واتفرغت ليها طول السنة اللي فاتت وإن نفذت لها كل رغباتها عشان مترحش لغيري وهي مش واعية بتعمل إيه ولا فين ؟!

 

شدد ” ريان” على قبضة ” نوح” وراح يقول بجدية معتذرًا

– متزعلش مني يا نوح بس اللي سمعته منك واللي شفته فوق قدر استيعابي واظن أنت نفسك مش مستوعب اللي بيحصل لحد دلوقتي

 

زفر “نوح” زفرة قوية تعبر عن مايجيش في صدره، لم يعقب على حديثه إلا عند ذكر سؤاله المتكرر

– وحكاية ال150 الف دول إيه ؟

– كانت دايما تطلب مني فلوس وإن قصرت معاها تزعل وتتهمني بالبخل، مبقاش ولا مليم

فـ اضطريت اسحب المبلغ من حسابي، وتفضل معايا، كنت دايما تحت ضغط مش عارف اقول إيه ولا مين يساعدني، إنتوا نفسكم رفضتوا تسمعوني فاكرين إني بحاول ارجعها للبيت تاني لحد ما جيت في يوم طردتني وكملتِ على دا حضرتك ياتيتا

 

تنهدت ” جميلة” وراحت تقول بندم

– معلش يا نوح كنت بمشي على حسب تعليمات جدك، كنا خايفين يحصل لها انتكاسة تاني

 

فرغ فاه ليتحدث لكن قاطعه ” ريان” قائلا بهدوء

– خلينا نقفل على الموضوع دا دلوقت، كدا رُبى لازم ترجع تاني المصحة بس لسه في سؤال محيرني

– سؤال إيه يا ريان ؟

– ازاي طول المدة اللي فاتت دي كانت بتتعالج وازاي لسه زي ماهي بل بالعكس اسوء من قبل ؟

– في حد ياجدي كان عاوز رُبى حالتها تسوء أنا الدكتور قالي إن حالات الإكتئاب بتوصل احيانًا للانتحـ ار

 

ردت ” جميلة” بفزع وهي تتحامل على نفسها

لتقف بعد حديث ” نوح” اندفعت بخطواتها السريعة من وجهة نظرها ذاهبة لتتطمئن على حفيدتها، استوقفها زوجها لكنها لم تعيره أي اهتمام، صعدت على الدرج بصعوبة بالغة، تلعن ذاك العمر الذي جعلها تفقد خفتها ورشاقتها كسابق عهدها، ولجت غرفتها تبحث عنها في كل مكان، لم تجدها ولجت المرحاض

وجدتها غارقة في دمائها بعد أن قطعت رسغها

بآلة حادة، صرخت ودوت صرخاتها المكان، هرع إليها احفادها لمعرفة مالذي حدث، حملها “ساجد” بعد أن وجد نبضها ضعيف، وضعها في سيارته متجهًا إلى المشفى وخلفه الصحافة والاعلام فهي حفيدة اكبر رجال الأعمال وابنة أشهر طبيب للنساء والتوليد، ولكن مهلا من أخبرهم بما يحدث، قاد سيارته

وهو يراقب الطريق جيدًا، هدر جده بصوتٍ جهوري وقال:

– أنا هاتصرف معاهم كمل طريقك أنت ملكش دعو بيهم البت بموت مننا يا ابني ابوس ايدك

 

وفي أقل من ساعة وصلا إلى المشفى، ولجها وهدر بصوتٍ جهوري وهو حاملًا إياها بين ذراعيه، تم أخذها منه وعمل كل الإجراءت اللازمة لها داخل غرفة العمليات، أما خارجها وقفت عائلتها بأكملها بعد أن علموا ما حدث، تعجبت ” سيلا” من وجود ابنها في الوقت المتأخر في بيت الأنصاري لكنها لم تتحدث لحين إشعار آخر.

 

بعد مرور عدة ساعات وبعد الإطمئنان عليها، ذهب ” ريان” لزوج ابنته، لم يخبره ما حدث لها لكنه علم من الممرضات حين اخبرته احداهن بأنها تجاوزت مرحلة الخطر، طلب ” عابد” خروج كل من في الغرفة عدا حماهُ

بلع لعابه وقال بصوتٍ كاد أن يكون مسموع

– بنتي اتغدر بيها يا عمي

 

ضاق ” ريان” حدقتيه وراح يقول بتساؤل

– قصدك إيه ؟!

 

مرر” عابد” لسانه على شفتاه ثم قال بهدوء

– في حد عاوز يدمرها في حد عاوزها تعمل جريمة عشان يخلص منها

– مين الحد دا ؟!

– لسه مش عارف بس دا مش هتبقى بعيدة عن رامي

– كنت شاكك في كدا بردو، والله ما هاسيبه و

– اسمعني ارجوك

– قول

 

على الجانب الآخر من نفس المكان كان ” ساجد” يأمر مدير المشفى بالحفاظ على القواعد التي وضعها جده للحفاظ على حفيدته، نفذ أمن المشفى أومراه بهدوء وتم اخراج جميع وسائل الصحافة والاعلام، هناك حلقة مفقودة لا يعرفها أحد من المتسبب في كل هذا من يحركهم بهذه الطريقة، و الإفادة التي تعود عليه من فعل ذلك.

 

هدأت الأمور بشكل تدريجي إلى أن عم الهدوء

المكان من جديد، خرج ” ريان” من غرفة

” عابد” يتحامل على نفسه كان يجر قدماه

ما سمعه جعله لايقو على الحركة حتى، نظر

لحفيده وقال بهدوء

– امشي في إجراءت سفر رُبى وعمك عابد واتواصل مع أفضل مصحة نفسية في فرنسا

 

نفذ “ساجد” أوامر الجد دون أدنى مناقشة

غادر المشفى ليبدأ رحلته، بينما جلس الجد على أقرب مقعد ليلتقط أنفاسه، ربتت على فخذه زوجته وهي تقول

– شد حيلك يا ريان مشوارك لسه طويل والعيال مهما كانت صغيرة مش هيعرفوا يروحوا ولا يجيوا

 

بعد مرور عدة ساعات عاد الجميع لبيته عدا

” وتين” التي كانت تتابع حالة زوجها ابنتها

تظاهرت بالقوة لتقف على قدماها، الوضع غاية في الخطورة، لكنها مجبرة على المواجهة، عادت لزوجها بعد أن اطمئنت على ابنتها، جلست مقابلته تستمع له وهو يقول بهدوء

– أنا هاسيبك لك مهمة ولادنا يا تيا، لازم تبقي قوية عشانهم

 

لم تستطع الصمود أكثر من ذلك، تركت لدموعها العنان، انسابت بغزارة على وجنتها، عاتبها بصوته المتعب وقال

– ليه الدموع دي أنتِ اقوى من كدا

– كل اللي حصل دا وعاوزني ابقى قوية طب ازاي !!

 

نظر لها نظرة طويلة تكن لها كل الحُب والحنان

لاح شبح إبتسامة على جانب ثغره وقال

– لازم تبقي قوية مش دايما بتقولي إنك عاوزة فرصة تثبتي لي فيها عن مهاراتك في التعامل مع الحياة اهي جت لك الفرصة اهي

– دي هتبقى مهمة صعبة قوي يا عابد، خليني اسافر معاك عشان خاطري خليني جنب بنتي هي محتاجة لي

– وبعدين معاكِ بقى يا تيا مش هاتعقلي ابدا، تيم وصبا محتاجين لك أكتر

– هما مش صغيرين يا عابد و

 

رد ” عابد” مقاطعًا وقال

– ماهي دي المشكلة يا تيا إن ولادنا كبروا وخوفنا عليهم كبر أكتر، خصوصًا بعد اللي حصل لـ رُبى ارجوكِ خليكِ معاهم، كوني الأب والأم خليكِ حنينة وقاسية متخليش حد منهم يبعد عن عينك خلي بالك منهم دول اللي طلعنا بيهم من الدنيا، هما كنزنا الحقيقي وعوض ربنا لينا متاخلنيش اسافر وأنا قلقان عليكم

 

كفكفت ” وتين” دموعها وهي تنحنحت ثم نطرت له وقالت بهدوء

– سافر يا عابد وطمن قلبك وإن شاء الله ترجعوا لي بالسلامة خلي بالك منها يا عابد

– اللي حصل لبنتنا دا قلم جامد قوي نزل على وشنا فوقنا عشان نعيد حساباتنا، كنا غافلين عنهم رغم إننا مقصرناش في تربيتهم لكن مكناش نعرف إننا نختار لهم صحابهم لأن كل تربية بتفرق عن التانية .

 

بعد مرور أسبوع

 

تحسنت حالة ” عابد” بشكلٍ كبير قرر أن يسافر بمفرده مع ابنته رغم إصرار افراد عائلته كانت أيام عصيبة ثقال، تمر بصعوبة

سافر إلى فرنسا أخيرًا وتم حجز ابنته داخل مصحة نفسية، كان يتابع حالتها ويطمئن عائلتها بمصر، عانت كثيرًا تدهورت حالتها وبدأت في التحسن شيئًا فشيئًا، كان ” نوح” يراسله يوميًا ليطمئنه عليها، كانت إجابة ” عابد” مقتبضة ولـ نوح مفصلة، اعتبرها فضفضة من القلب، هون عليه كثيرًا بكلماته طلب منه أن يسمح له أن يأتي ليقف معه في محنته لكنه رفض وطلب عابد بدوره أن يقف جوار زوجته وابنائه فهم بحاجة له أكثر .

 

وهو لما عمك يبعت لي الساعة اتنين بليل يقل لي خلي رُبى تحضر نفسها بكرا عشان هتيجي تفطر معانا بكرا وترجع تاني وأنا اوفق وفي الآخر الاقي اخوها جاي قبل المغرب بساعة ياخدها والبت تتصل بيا والآذان بيأذن تقل لي يا جدي بابا بعت لي صنية الأكل وقالي افطري لوحدك وامشي مع اخوكِ بعد الفطار كان في رحمة لبنت عمك يا نوح ؟!

 

ياجدي أنا قصدي

 

اسمع يا نوح بلا قصدك بلا مش قصدك رُبى غلطانة وأنا معترف بدا عقابها من ابوها لحد دلوقتي متدخلتش في بس عاوز يكسرها قدمكم عشان نار كم تبرد اقسم بالله امحيكم من على وش الدنيا وفوقيهم عابد ذات نفسه

 

البت قعدة عندي فوق الخمس شهور مبتعملش حاجة لحد وإنتوا بتتجنبوها ودا حقكم إنما اللي حصل النهاردا دا أنا مش هاقبله عليها واللي يجي عليها كأنه جه عليا وأنا اللي يجي عليا امحي من على وش الدنيا

 

عمي أنا

بلا عمك بلا زفت مش عاوز بنتك أنا عاوزها وخلاصة القول يا عابد اقسم بربي بنتك دي ما هتشوفها تاني حتى لو اتقلبت قرد وبنتي عندك وبنتك عندي خلصنا ياعابد عاوز تسافر في ستين سلامة طلع رُبى من حساباتك اقل لك حاجة كمان يمكن دي اول مرة في حياتي اطلع كلمة زي دي بس أنت اللي اضطرتني لكدا

عمكم عابد الدكتور اللي بيعطف على الكبير والصغير قالي بالحرف الواحد أنا هقطع الفرع الخبيث من عيلتي قبل ما يدمرها كلها وطبعا كلكم عارفين مين هو الفرع الخبيث وعشان كدا

انسوا إن ليكم بنت اسمها رُبى اللي مش مرحب بيها في عيلتكم الكريمة بس قلبي وبيتي وحياتي كلها مرحبين ببنتي رُبى الانصاري اللي عاوز المح حد منكم بيقرب لها حتى لو كنت أنت ياعابد

 

مين يا حبيبتي اللي قال لك إن أنا ممكن أكون قاسي قوي كدا !!

 

سأله ” عابد” سؤاله وهو يمسد على ظهر يد ابنته بحنو وحب بعد أن سردت له احداث لم تحدث إلا في عقلها الباطن، جذبها لحضنه ممسدًا على ظهرها وراح يقول بعتاب ولوم

– اخس عليكِ يا رُبى فاكرني قاسي قوي كدا صحيح بعدتك عن العيلة بس كانوا يومين بس ورجعت لك بعدها بيومين ولقيتك سافرتي زي ما جدك قالي زعلت وقلت للدرجة هنت عليكِ

 

خرجت من حضنه وقالت بغضبٍ جم

– ازاي يعني محصلش طب ونوح لما جه لجدو تاني يوم فرح ملك و…

– رُبى ياحبيبتي ملك بنت عمك متجوزتش اصلا هو اتقدم لها واحد فعلا بس لسه كله مجرد كلام ومحصلش اي خطوة رسمي

 

 

زفرت ” رُبى” بحنق ثم قالت بضيق

– بابا أنا مش مجنونة والكلام دا حصل فعلا

 

تنهد ” عابد” بعمق ثم قال بهدوء

– مين إنك مجنونة أنتِ ست العاقلين يا روحي بس اللي بتحكي دا محصلش ولا عمره ها يحصل و…

 

ردت بغضبٍ جم وقالت

– كل دا ما محصلش وكمان تيتا معملتش عملية وعمتو فيروز جت لي وباست ايدي عشان اتبرع لها بفص من الكبد

 

نظر ” عابد” لابنته ولم يجيب على تساؤلاتها

مالذي حدث لابنته الوضع يزداد سوءً، ماكل هذه الأحداث التي تتحدث عنها وكأنها حقيقة واضحة وضوح الشمس، ماذا يفعل يخبرها أنها مُصابة بهلاوس سمعية وبصرية، أم يلتزم

الصمت وقع في مأزق إن اعترف لها بحقيقة مرضها سيتأزم الوضع وإن التزم الصمت سوف تكون صورة سيئة داخل عقلها الباطن

 

أتت الممرضة ونجته من إجابته التي لم تتكون لتقنعها بحديثها المتناقض مع حقيقة الأمر، ذهب والدها إلى الطبيب تاركًا إياها مع ذاك الملعون الذي قرر تدميرها للمرة المئة بعد الالف وهو يقول

– عاملة إيه يا رُبى ؟ ولا اقل لك يا ساندي ؟

تفتكري دكتور عابد يعرف موضوع ساندي دا !!

 

يتبع

 

الفصل العاشر

¤¤¤¤¤¤¤¤

 

نظرت ببصرها للأعلى قليلًا وجدته ماثل أمامها بهيبته التي لم تتغير قط رغم تقدمه بالعمر يُمسك بسيجاره الضخم، ينفثه بغرورٍ وثقة شديدان، جلس وهو ينظر حوله جيدًا، ليس خوفًا من والدها بل ساخرًا مما آلت إليه مؤخرًا هذا هو ما يريده تمامًا، وضع ساق فوق الأخرى وقال

– شفتِ يا رُبى وصلتي نفسك لفين ؟ شفتِ إن آخرة العناد مش حلوة ازاي ؟!! كان لازم تعرفي كويس إن أنا وبس اللي في ايدي اخرجك من اللي أنتِ في، عمومًا أنا مش جاي النهاردا عشان نتعاتب على اللي في فات أنا اعرفك إن حق ابني رامي هيرجع

 

تابع بتذكر وقال

– اه شرعًا أنتِ لسه مراته لأن مافيش أي إجراءت رسمي تثبت إنك اطلقتي منه

 

وقف والد رامي عن مقعده وقال بجدية كأنه

يخبرها عن أهم إنجازاته

– مش ابني اللي يتزهق ولا يتساب يارُبى، كل اللي كل حصل لك دا قرصة ودن صغيرة المرة الجاية التحذير هيكون واضح وصريح ومني أنا شخصيًا

 

غادر والد رامي بعد أن تركها تعيد حساباتها من جديد، علمت منه أنها اصيبت بإنفصام في الشخصية وليس هلاوس سمعية وبصرية، أصبحت لا تعرف هل هو صادق أم كاذب، ولكن إن كان كاذب لماذا أتى إلى هنا وإن كان صادق كيف تخبر والدها بما حدث للتو، هل تنهار وتصرخ الآن أم تصمد وتكمل رحلتها العلاجية لتنتهي من كل هذه الأوجاع ؟

زفرت زفرة عميقة تعبر عما يجيش بصدرها

عاد ” عابد” وقال بسعادة

– اطمني يا روبي الدكتورة طمني الحمد لله وقريب قوي هنرجع مصر

 

طالعته دون أن تعلق على حديثه بكلمة واحدة

بينما هو تابع والسعادة تنعكس على قسمات وجهه، قضى معظم الوقت معها ثم غادر لينهي أعماله العالقة ويخبر عائلته بتتطوراتها الجديدة، قررت أن تحتفظ بسرها لنفسها، الوحيد الذي يستطيع أن يجيب عليه هو

” نوح” كما قال لها والد رامي، ولكن ما الذي يربط ابن عمها بوالد خطيبها السابق أهي علاقة قوية ليثأر منها أم مجرد طُعم القاه لتنجرف نحو هي كالبلهاء، إن علم والدها بما حدث ستضرر صحته و هي لا تريد هذا فيكفي ما مرت به حتى الآن .

 

في مصر

داخل شقة ” بلال” ولجت شقيقته ” وصال”

وخلفها ابنة عمها، ظلت تتحدث وهي تلملم متعلقات أخيها من كل مكان وراحت تقول بعتذار

– معلش يا مهدية أنتِ بلال عايش في البيت لوحده وفاكر نفسه عايش في سوق، تقولي إيه بقى مهمل، تعالي هو بقال أسبوع بينام في القسم بسبب القضية اللي شغال عليها وأنا بروح ابات مع عمتك زي ما أنتِ ما عارفة عشان تعبانة

 

تابعت بنبرة حائرة

– أنا مش عارفة ليه بس مش عاوزة تيجي تقعدي معايا هناك ونبقى نرجع سوا

 

جلست ” مهدية” على المقعد بعد أن لملمت ملابسه وضعتها على فخذيها ثم قالت بإبتسامة جانبية

– ويجي مرات ابويا تفضحني هناك قصاد جوزها زي المرة اللي فاتت واكسفها وسط جوزها وعيالها !!

 

جلست ” وصال” على المقعد المجاور وقالت بغيظٍ شديد

– أنا مش عارفة بجد الست دي عاوزة إيه منك ؟!

 

تابعت باسمة

– وبعدين عم عاكف دا راجل سكرة وعمره ما كشر في وشنا بالعكس فاتح بيته لينا دايما

 

ردت ” مهدية” وقالت بعقلانية

– وعشان كدا مش عاوزه اضايق حد كلها يوم ولا اتنين وابويا يجي يصالحني ويرجعني البيت التاني اهو نبعد شوية عمتك عن المشاكل خلاص مبقتش تتحمل هي زي الأول

– على العموم براحتك أنا هقوم واسيبك بقى عشان معاد الدوا بتاع عمتك قرب وكمان عاوزة اشوف الدكتور غفران دا اتأخر ليه كل دا، دا أنا هطلـ ع عينه

 

ردت “مهدية” قائلة بإبتسامة واسعة

– اهو كلام وفي الآخر ضحكة فغمزة وتلاقي نفسك حنيتي على طول

 

وضعت ” وصال” يدها على قلبها ثم قالت بحب

– اعمل إيه يا مهدية بحبه، بحبه وها يجنني قريب ابن ملوك

 

تابعت بسخرية وهي تضربها على ظهر يدها وقالت

– وبعدين احسن من ابقى جاحدة وقاسية زيك

ودايمًا مطلعة عين الواد الغلبان

– واد مين دا اللي غلبان بلال ؟!! دا بلال اخوكِ لو طال يساعد إبليس في شغله مش هيتأخر أنا بحس إنه بيطبطب عليه ويقل له جهز نفسك يا بلال أنت اللي هاتحكم العالم من بعدي

– اخس عليكِ يا مهدية ما تقوليش كدا على بيبو ازعل منك واعمل أخت جوزك بجد

 

وقفت ” وصال” عن المقعد وقالت بجدية

– يا خبر أبيض أنا اتأخرت بجد يادوب الحق اوصل يلا اسيبك بقى، بصي الأكل جوا اهو لو حابة تتطبخي ولا تعمل أي حاجة عيشي بقى مع نفسك تصبحي على

– وأنتِ من أهله

 

نظرات اوزعتها هنا وهناك لتتفقد المكان، انتابها الاشمئزاز والتقزز، مما فعله بالشقة صدح صوت رنين هاتفها ليخبرها بوصول رسالة منه يتحدث فيها عن حديثهما الذي لم يتوقف ابدًا، ضغطت على الرسالة الصوتية لتستمع له يقول

( أنا بقى ياستي بروق الشقة ومش معتمد علي وصال اختي في حاجة أصلًا، هي مش فاضية لي اصلا، ومش معنى إني راجل عاذب ابقى مش نضيف ومهمل وهدومي في كل مكان عمومًا مسيرك هتيجي في يوم علي غفلة وتشوفي الشقة بنفسك)

 

حركت رأسها علامة الموافقة وراحت تقول بسخرية

– حصل حصل حصل

 

تابعت بغيظٍ شديد وحدثت نفسها قائلة

– وبعدين بقى في الراجل دا دا الكدب مش عارف يروح فين ويجيي منين

 

كتبت له رسالة صغيرة ولم تخبره بأنهرفي منزله حتي لا يترك عمله ويأتي إليها، قررت أن تنظف مقعد البهائم كما وصفته ثم بعد ذلك تتتجه للمطبخ لتبدأ دورة غسيل الملابس وإعداد وجبة الطعام.

 

استغرقت تلك التحضيرات وقتًا طويل، تجاوز الثلاث ساعات تقريبًا، كانت منهكة تريد أن تتناول وجبة العشاء لكن جسدها المتعب لايساعدها قط، قررت أن تأخذ قسطًا من الراحة ولكن غلبها النعاس لساعات الليل الأخيرة ولم تعر بوجوده، ولج ” بلال” وجد بيته قطعة من الجنة، تبدل في لمح البصر، على ما يبدو أن شقيقته تأتي تنظفه ثم تعود لغمته مرةً أخرى، أزاح الستار جنبا ليتفقد المطبخ وجد رائحة شهية لذيذة تملء أنفه، ولجه وتوزعت نظراته على الاطعمة الشهية وقال

 

ياعيني ياوصال دي عملت الأكل ونامت البت دي ربنا هيبارك لها طول ماهي واخدة بالها مني عشان أنا يتيم زيها

 

مد يده على أحد الاطعمة وتناول قطعة صغيرة ثم وضعها مرة أخرى وقال

– لأ عيب هي تعمل الأكل وتروق البيت وأنا ببرودي اكل لوحدي أنا هدخل اصحيها وبعدين نأكل

 

نظر في ساعة معصمه وقال

– ياااه دي الساعة أربعة الفجر كلها ساعتين والنهار يطلع أنا هدخل اخد حمامي وبعدها اصحيها نفطر احسن

 

بعد مرور عدة دقائق

 

خرج ” بلال” من المرحاض متجهًا نحو الغرفة

جلس على حافة الفراش بدأ يراسل ” مهدية”

ولا يجد منها أي إجابة رغم أنها ” نشط الآن”

ضغط على زر الرسالة الصوتية وقال

( بت يا مهدية بطلي برود بقى بصالح فيكِ من الصبح متبقيش رخمة، أنتِ عارفة إن أنا اصلا في شغلي بقالي أسبوع ومرجعتش البيت متبقيش أنتِ والشغل عليا )

 

انتظر ولم بجد ردًا منها على مراسلاته، ارسل آخر رسالة قبل أن يخلد للنوم وقال

( عموم براحتك بقى وخليكِ فاكرة إني اعتذرت كتير، وابقي خلي نصايح عمتي تنفعك يا حلوة ياجميلة وحياة أمي لأنام اسيبك هاا)

 

في صباح اليوم التالي

 

استيقظ على إثر قرع ناقوس شقته الذي لن ينفك اليوم إلا عندما يذهب إلى الطارق وينهي حياته، خرج من الغرفة متجهًا نحو المطبخ ليتناول أي قطعة خبز صغيرة، فتش في المكان جيدًا وهو يقول بصدمة وذهول شديدان

– إيه دا فين الكفتة أنا سبتها امبارح هنا وقلت لما تصحى نأكلها سوا، يبقى أكيد كلتها لما دخلت نمت منها لله مش هيبارك لك ربنا أبدًا يا وصال عشان أكلتي أكل اليتيم

 

زفر بحنق ثم قال بضيق وهو يلوح بيده

– طيب طيب جاي اهو مالك ياللي على الباب بس !!

-إيه وصال اومال مين اللي نايمة جوا دي ؟ هو أنتِ طالعة بدورين في حياتي !!

 

في إيه يابلال مالك وبعدين أنت رجعت إمتى وفين مهدية

 

هي اللي نايمة جوا دي مهدية ؟

اه

وأنا سبتها ونمت ؟

الظاهر كدا

مني لله أنا ربنا مش هيبارك لي عشان سبتها تنام في أوضة لوحدها

 

بتقول حاجة يابلال ؟

 

مافيش ياعمتي ادخلي ادخلي

 

صباح الخير ياعمتي إنتوا جيتوا إمتى بلال أنا اسفة إني نمت هنا حالا هاسيب الشقة

 

أردفت ” مهدية” عباراتها بجدية وهي تعتذر من الجميع وعلى رأسهم ” بلال” ليرد هو قائلا بغيظٍ شديد

 

اسفة إيه بس اصرفها منين اسفة دي بعد عرفت إن أنا وأنتِ نايمين في نفس الشقة طول الليل ولما اكتشف دا الاقي عمتي فوق دماغي !!

اخس عليكِ وأنا اللي جبت الغسالة عشان تحطي فيها هدومي

روح يابلال استر نفسك وتعال

طب ماتروحي أنتِ ياعماي وابقي تعالي أنا سامع إن في احتلال حصل عندك في الفيلا

 

امشي يا بلال انا عندي الضغط ومخدتش الحباية النهاردا نسيت اخدها

طب اجيب لك حباية منوم تنيمك خمس ساعات اهو ترتاحي ونرتاح

ياابني امشي استر نفسك البت واقفة

أنتِ إيه اللي قهرني

إيه ياحبيبي كفى الله الشر

انها كانت في نفس الشقة وأنا معرفش منك لله أنتِ وحلة العدس اللي لبساها دي

 

خد يابلال اقل لك

قولي ياعمتي

هو أنت ياابني مكنتش اتعرف إن مهدية معاك في الشقة ؟

اقسم بالله لو اعرف لكنت قعداشكي همومي وغسالتي تغسل هدومي وكان هيبقى نهار كله احزان مغسولة

امشي يابلال امشي احسن أنا خلاص دماغي هتنفجر

طب اجيب لك حبايتن منوم طالما مش عاوزة تاخدي واحدة ؟

مالك يابلال عامل كدا ليه ما تتظبط

 

اهي يارب اللي عملت لنفسها عملية قلب مفتوح وحطت مكانه حجر صوان ونامت في الأوضة اللي جنبي من غير مانخط الهموم على بعض

 

بعد مرور عشر دقائق

 

التفوا ثلاثتهما في غرفة الضيوف، جوار عمتهم يستمعون لها وهي تقول بجدية

– أنا بقول كفاية تأجيل لحد كدا يا مهدية في الفرح ونحدد بقي معاد الفرح خلينا نفرح

 

رد ” بلال” وقال بسعادة

– روحي إلهي ربنا يجبر بخاطرك أنا كمان عاوز. افرح بيا قوي

 

تنهدت ” مهدية” وقالت

– بس يا عمتي أنا لسه مخلتصش باقي حاجتي ولا هدومي كلها جت و

 

رد” بلال” بسرعة دون قصد

– ما قلت لك قبل كدا مش محتاجهم في حاجة

 

رمقته بنظراتٍ قاتلة من حديثه الوقح ذاك ثم عادت ببصرها لعمتها لتستمع إليها، لم تتدعها تقنعها بحديثها كسابق عهدها، قررت أن تضع الجميع أمام قرارتها وهي تقول

– خلاص مش هسمع كلمة من اي واحدة فيكم كل واحدة منكم خطيبها عاوزها تنور بيته قبل رمضان وعشان كدا وصال ومهدية أنا قررت تتجوزوا في يوم واحد وبما إن احنا جاهزين يبقى مافيش حاجة تعطلنا

 

نظرت لابن أخيها وقالت بجدية

– بلال حدد مع صاحبك معاد لكتب الكتاب والدخلة وشوف دنيته هتبقى إيه وظبط نفسك على اساسها والبنات اعتبرهم جاهزين خلاص

 

وثب ” بلال” من فوق مقعده يبطع قبلاته على رأسها وقال بامتنان

– دا مصر كلها بتشكرك ياعمتي ربنا يخليكِ لينا يارب هاسيبكم أنا بقى واروح افرح الواد غفران ماهو يتيم زيي وادخل السرور على قلبه واجب بردو.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

داخل منزل الجدة ولاء

 

كان مستندًا برأسه على حافة الفراش، يستعيد ذكرياته معها، كانت كالطفلة الشقية داخلها طاقة وحيوية، فتاة لا يعرفها ظهرت من العدم لتقضي معه يومان لكنهما بمثابة عمرًا

جديد بالنسبة له، عاد الجميع لحياته وعاد هو لوحدته، الأيام بدونها لاتمر يريد أن الوقت ويتوسل قلبه بأن “رُبى” لا مكان لها داخله لكن قلبه أبى الإعتراف بذلك، تنهيدة عميقة خرجت من صدره كلما تذكرها وهي تتطالعه دون التفوه بكلمة واحدة، لن ينسى ما حيا عندما ذهب لاطمئنان عليه فور خروجها من المشفى في المرة الأولى، كانت هادئة ناعمةولكن نظراتها معاتبة لهلا يعرف لماذا لكن ظن أنه السبب فيما آلت إليه .

وأخيرًا ظهرتي يا رُبى

سنة بحالها قافلة حساباتك ومسافرة

مالك يا رُبى مبتتكلميش معايا ليه ؟

طب بلاش أنا يمكن لسه زعلانة مني مع أنا أنا اللي المفروض ازعل مش أنتِ، رمضان بكرا كل سنة وأنتِ طيبة، كنت حابب نتجمع من تاني يا رُبى، مالك يا رُبى ساكتة ليه ؟!

 

عاوزها ترد تقول إيه يا نوح ؟

 

ازيك يا تيتا

ازيك أنت يا حبيبي عامل إيه ؟

بخير والحمد لله أنا جيت النهاردا عشان اطلب من رُبى تتسحر معانا وتفطر بكرا

هو انا مش عاوزة اضايقك بكلام زي ماجدك ريان بيعمل بس أنا آسفة رُبى مش فاضية لكم الصراحة

تيتا أنا جاي اقول لحضرتك حاجة ارجوكِ اسمعيني

اتفضل سامعك

أنا جاي اعزمكم على خطوبة تولين وتيم وكمان تيتا نفسها تشوف رُبى

 

خلصت ولا لسه في كلام ؟

اه خلصت

طب بص يا سيدي خطوبة تيم وتولين كدا كدا هنحضرها ووتين بنتي قالت لي لما جت آخر مرة إنما أنا آسفة رُبى مش هتقدر تدخل البيت تاني

ليه ؟

ليه أيه ؟!

ليه مش هتيجي خلاص اللي راح راح وأنا مسامح في حقي وربنا عوضني بشغل تاني، أنا بس صعبان عليا إننا مش متجمعين زي الأول

مبروك لشغلك الجديد يا نوح بس اللي راح لو كان راح بالسهل كنا ممكن نسامح ونعدي لكن للأسف اللي راح راح وفتح جراح عمرها ما هتتقفل اعتبر رُبى متجوزة ومسافرة زيها زي عمتك فيروز

بنتجمع بردو مع عمتي يا تيتا

من الآخر يا نوح عشان نوفر على بعض الوقت

انسى رجوع رُبى للبيت وللعيلة ودا مش كلامي دا كلام أبوها ياريت زي ما احنا بنحاول على قد ما نقدر نعيش حياتنا بعيد عنكم انتوا كمان تعملوا

 

لو كان ينفع يا تيتا كنا عملنها من زمان

الوقت هو الوحيد اللي يقدر يعمل دا سيب نفسك للوقت وأنت هتنسى اسمك مش حاجات عدا عليها سنة ولا اتنين شرفت يا نوح بعد أذنك لأن عندي مع الدكتور واتأخرت يلا يا رُبى

 

عاد بذاكرته للواقع المرير يتوق شوقًا لها، مر الأسبوع الأول من شهر رمضان، ولم تأتي كما حدد والدها، الأيام تمر عليه سنوات عجاف رغم قدرته الهائلة في تمثيل دوره المتقن بأنه يباشر حياته إلا إنه لا يعرف كيف يتحرك قيد أنملة، الأخبار التي ينقلها له عمه أولًا بأول جعلته يطمئن بعض الشئ، ولكن لماذا يرفض وجوده بجوارها هل يشعر بأنه يذوب عشقًا في ابنته ولكن هو لايظهر هذا أبدًا، نعم يسأله عنها مئة مرة في الدقيقة الواحدة، يريد رؤيتها بإستمرار يحذره من اقتراب إحدهم دون انتباهُ لكن هو لا يظهر هذا قط، اللعنة عليك يا نوح لقد اصابتك لعنة عشقها وانتهَ أمرك أيها المسكين.

 

لاحت إبتسامة عريضة على جانبي ثغره، ما إن تذكر لقائها بوالده، كاد والده يفقد عقله، كيف لابنة أخيه أن ترتدي مثل هذه الأشياء وتعيش على إنها فتاة لا أحد يعرفها من عائلتها، كانت والدته علمت من أحد الخطابات البنكية أنه قام بسحب مبلغ نقدي يفوق توقعاتها، بدأ والده مهمة البحث خلفه إلى أن وصل لشقته بأحد الأماكن الفارهة التي لم يتخيل أنه سيقطن فيها ابنه، ذهب إليه ليعرف إجابة سؤاله ليجد ما هو أسوء

– ممكن تفهمني يا اخويا ال150 الف اللي سحبتهم مرة واحدة دول سحبتهم ليه وعمـ

 

مين دا يانوح ابوك ؟! ازيك يا عمي عامل إيه اتفضل واقف ليه دا بيتك، ابوك دا عسل قوي ياختي عليه وعلى دقنه البيضة

 

قالتها ” رُبى” وكأنها مرتها الأولى التي ترَ فيها عمها، تصرفاتها كـ ساندي متناقضة تمامًا مع تصرفاتها كـ ربى هي لا تعي ما تفعله، حجظت أعين ” مالك” وهو يشير بسبابته تجاه ابنة أخيه وقال بدهشة وذهول شديدان

– مين دي يا نوح

– أنا ساندي مراته وام ابنه بس أنت قول إن شاء الله

 

ساندي يا حبيبتي ادخلي جوا دلوقت

 

قالها ” نوح” ويدفعها برفق لتلج غرفتها حتى ينفرد بوالده ويخبره ما رأه بعيناه، بينما هي نزعت يده وقالت بحدة

– الله مالك يا نوح في إيه مش عاوز تعترف ليه إنك جوزي ولا تكون خايف منه اكمنه غصبك تتجوز ست رُبى، بص بقى يا عمي ولا اقولك يا ملوكتي حلوة ملوكتي لاقية عليك أكتر، أنا ونوح متجوزين بقالنا شهرين وحامل لسه يا دوب في الشهر التالت

 

متجوزين بقالكم شهرين وحانل في الشهر التالت طب ازاي

ماتكسفنيش بقى يا ملوكتي وبعدين أنا زعلانة منك قوي كدا تغصب جوزي حبيبي على الجواز الزفتة اللي اسمها رُبى بس ولو اخدته منها بردو

يلا بقى قل لي مبروك

 

اقل لك مبروك مين دي يا نوح !!!

 

الله أنت بتسنى كتير كدا ما قال لك ساندي مش عجباك ساندي مشيها سالي او وقفها مش فارقة فرفشة كدا وخليك فريش

 

نجح اخيرًا ” نوح” في دفعها للداخل ثم طلب من والده أن يجلس ليحاورهُ قليلًا قبل أن يصدر حكمه، بدا يسرد له ماحدث من البداية وحتى هذه اللحظة، ليجد الهدوء والعقلانية من والدها هي تصرفه الوحيد، بل زاد من إعجابه حين قال بهدوء

– نوح يا ابني أنا مش عارف اقل لك إيه بس كل اللي بطلبه منك إن والدتك متعرفش بحاجة زي كدا ولا عمك طبعًا، أنا هساعدك في اي حاجة تعوزها بس بلاش تعرف عمك دا ممكن يروح فيها وبالنسبة للفلوس اللي اتسحبت أنا هرجعهم مكانهم من حسابي وهاقول لمامتك إنك دخلت مشروع ومحصلش نصيب ورجعت فلوسك تاني

 

ربت ” نوح” على فخذ والده وقال بإبتسامة واسعة

-متقلقش يا بابا مستحيل اطلع كلمة من اللي حصل برا ابدًا

– وأنت ناوي تعمل إيه دلوقت ؟

– مش عارف بس كل اللي اقدر اعمله هو إني اسايسها لحد ما اعرف جدها المشكلة إن محدش منهم مديني فرصة ابدًا .

 

نـــــوح إيه يا ابني جبتك من آخر الدنيا ولا إيه ؟!

 

أردفت ” مليكة” سؤالها وهي تهز ابن أخيها بخفة في ساقه بعد أن جلست على حافة الفراش، اعتدل في جلسته والإبتسامة لاتفارق شفتاه تنحنح وهو يقول بهدوء

– خير يا عمتو

– خير أنت يا نوح مالك في إيه ؟!

– أنا كويس اهومالي بس !

– بقى دا نوح اللي كنا بنقعد معاه ضحك وهزار والضحكة تبقى من الودن دي للودن دي، دلوقت الإبتسامة وبالعافية كمان !!

– مافيش والله عمتو بس أنتِ عارفة اللي حصل مخليني عصبي شوية وتيتا كل شوية تسألني على عمي ومبقتش عارف اقول إيه

 

تنفست ” مليكة” بعمق وهي تتطالعه، صادق في كل كلمة يتفوها، التزمت الصمت عاجزة عن الرد بينما تابع هو قائلا بتذكر

– قولي صحيح عمتو فيروز جاية إمتى بقالها أسبوع بتقول جاية ومبتجيش

 

ردت ” مليكة” بتلعثم استشعرمن خلالها كذبها عليه وهي تقول

– عمتك ياسيدي منتظرة صهيب افندي يخلص

شغله اللي متعلق هناك وهتجيبه وتيجي وقالت بالكتير أسبوع كمان

 

نظر لها وتسأل بشك وقال

– بس كدا ؟!

 

ردت عليه بذات النبرة وقالت

– عندك شك في كدا ؟!

 

كاد أن يرد عليها لكن قاطعه دخول ” شاهين” ابنها الذي كاد أن يموت غيظًا مما يحدث بالخارج استدارت نصف جلسة وقالت بنبرة متعجبة

– في إيه مالك ياسي شاهين

– بنتك دي هاموتها لك والله كل ما اقولها على حاجة تقولي لأ اعملها أنت

 

ضربته بخفة على ظهر يده وقالت بتحذير

– لو اتكلمت كدا تاني محدش مموتك غيري سامع ؟!

 

تابعت بجدية قائلة

– قل لي عاوز إيه ؟

– عاوز فنجان قهوة وعاوز طقم مكوي بدل اللي اخده مراد افندي وعاوز كمان الـ…

 

قاطعته والدته قائلة بجدية مصطنعة

– ومش عاوزها تقول لك لأ دا أنا تعبت لها من طلباتك أنت واخوك اللي مش بتخلص يلا هقوم اعملك قهوة

 

نظرت لابن أخيها وقالت

– تشرب قهوة يا نوح

 

أومأ برأسه علامة النفي وقال باسمًا

– لا يا عمتو ربنا يخليكِ

 

داعبت خده الأيسر وراحت تقول بحنو

– هاعملك اكيد وحشتك قهوة ميمي حبيبتك

 

خرجت ” مليكة” من الغرفة تاركة ابنها يتسأل عن ” عابد” وابنته بفضول قائلا

– هو خالو عابد هايجي إمتى ؟!

 

رد ” نوح” بجدية

– مش عارف

– مش عارف ولا مش عاوز تقول

– لأ بجد مش عارف هكدب عليك ليه يا شاهين يعني !

 

وقف” شاهين” عن مقعده وقال بجدية

– عموما براحتك أنا كنت حابب اطمن

 

تابع بتذكر قائلا

– صحيح طنط وتين راحت لباباها وبتقولك كانت عاوزك تشوف موضوع النت التقيل دا عشان مش عارفة تكلم خالو عابد بسبب الضغط اللي عليه

 

عقد” نوح” مابين حاجيبه وقال باهتمام

– قصدك مضغوط عليه ولا تقيل هي قالت إيه بالظبط ركز معايا كدا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حرك” شاهين” رأسه ببلاهة وراح يقول بسخرية

– اركز في إيه يا نوح النت وتقيل وهي مش عارفة تكلم جوزها بسببه فرقت إيه بقى من تقيل لـ مضغوط عليه ؟!!

 

دفع ” نوح” برفق وهو يقول بغيظٍ شديد

– امشي برا يا شاهين امشي أنا هشوف الموضوع دا اطلع أنت دلوقت

 

خرج ” شاهين” وبقى هو بمفرده يحاول الوصول لزوجة عمه التي تركت هاتفهافي غرفتها بمنزل أبيها وجلست معه تتناقش حول

قضية ابنتها، حتى أتت الخادمة تخبره بوصول أحدهم إلى بيته يريده في أمرًا هام، أمرها بالصعود لغرفتها لحين الإنتهاء من ذاك الرجل الذي يعرف لماذا أتى في هذا الوقت المتأخر من الليل جلس وبيده حقيبة جلدية صغيرة، نظر لها ” ريان” ثم عاد ببصره وقال بهدوء المريب

 

إيه دول ؟

20 مليون جنية

بتوع إيه ؟!

دول تعويض بسيط يا ريان باشا

تعويض ؟! عن مين بالظبط عن حفيدتي اللي دمرتوها لحد ما انتحـ رت ولا عن قتـ لها لأبوها ولا عن شرفها وسمعتها اللي بقوا في الأرض ولا عن إيه بالظبط ؟!!

ريان باشا أنا عارف إنه مبلغ صغير بالنسبة لحضرتك بس خلينا نقول إننا لو اتفقنا على المبدأ ودكتورة وتين تنازلت عن القضية كل شئ هايمشي زي ماحضرتك عاوز

يعني أنت عاوزني اقول لبنتي خدي دية بنتك وأبوها واتنازلي ماشي أنا موافق بس عاوز اسألك سؤال بس كدا

أنت ساحر ولا محامي ؟

محامي اكيد!!

ولما أنت محامي جاي لي ليه وبتطلب المستحيل

ريان باشا الموضوع عارفه إنه كبير ومؤلم ليكم والفراق صعب بس خلينا نكون واقعيين واقول لحضرتك إن مجرد قبولكم للعرض كل شئ هايتحل

هو أنا ما قلتلكش مش أنا سبت شغلي وحياتي واتفرغت لكم خلاص أنا واحد خسر اهم حاجة في حياته وحق حفيدتي وابوها مش هاسيبه وامشي من هنا بدل ما تمشي على ضهرك

وبلغ اللي بعتك إن ريان الأنصاري مش هاسيب حق بنته يضيع وإن معادنا قرب قوي وصدقني

المو ت هو وبس اللي هيخليني ابعد عنكم

 

تنهد محامِ والد رامي بيأس يحاول أن يصل لحلًا يرضي جميع الأطراف، عاد ببصره لذاك العجوز الذي لم يغير فيه الزمان سوى الشعر الأبيض، أومأ برأسه قليلا وراح يقول

– طب يا ريان باشا خلينا نقول إننا ممكن نكتب شيك على بياض وحضرتك أو مدام وتين أو رُبى نفسها تحطوا الرقم اللي يعجبكم فيه في مقابل التنازل قبل تحويل القضية للمحكمة

 

ابتسم ” ريان” وقال بثقة وغرور

– تفتكر جوز بنتي الدكتور الاستشاري المعروف واسمه مسمع في كل مكان هايقبل ياخد تمن بنته طب فرضًا دا لو حصل بنته هاتقبل

 

تابع بإبتسامة عريضة قائلا

– أنا مش عاوز اقل لك ابوها حاطط بإسمها كام في البنك لتتخض من الرقم، ومش عاوز بردو اخضك واقل لك الدكتور عابد ثروته كام داخل وخارج مصر لتيجي لك سكتة قلبية من الرقم

 

اختفت الإبتسامة فجأة لتحل محلها ظلام حالك كمستقبل الذي جالس أمامه وقال

– لم فلوسك واتفضل بالذي بدل ما تتفضل على المستشفى .

 

غادر المحامِ دون أن يعلق على حديثه بكلمة واحدة، الوضع اصبح خارج السيطرة عليه

خرجت ابنته من غرفتها وجلست تستمع لأبيها

حتى انتهَ من حديثه قائلًا بتساؤل

– والرأي رايك برود يا بنتي

 

ردت ” وتين ” معاتبة إياه قائلة

– اخس عليك يا بابا بقى بعد كل اللي عملته ولسه منتظر رأيي أنا ولا عابد

– يابنتي دي حياة بنتك ووارد اكون غلط ماهو انا بشر مش ملاك ولا نبي عشان أبقى معصوم من الغلط، أنا بس اتصرفت زي ما الأصول بتقول إني لازم اتصرف

– بابا هو عابد قالك إيه لما سابنا وسافر ؟!

– قالي اتصرف في الموضوع وتابع القضية من غير ما ترجع لي انا واثق فيك وفي قرارتك

 

ردت ” وتين” بإبتسامة واسعة وقالت بجدية مصطنعة

– مالك بقى بيا ما تمشي في القضية زي ما هو قالك أنا هعرف اكتر منك يعني وبعدين هي مش بنتك دي زي ما أنا بنتك و آآآه

 

انتفضت ” وتين” فجأة صارخة بصوتٍ مرتفع محتضنة أبيها وقالت

– بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه إيه اللي حصل

 

 

 

 

 

 

 

 

جلس جوارها ” سليم ” فجاة وقال بسعادة لرؤيتها

– وحشتيني يا عمتي والله حبيبتي حبيبتي عاملة إيه ؟

 

وضعت يدها على صدرها وقالت بجدية وهي تشير بيدها تجاهُ

– الواد دا ناوي يموتني على فكرة يا بابا

– يموتك أنتِ بس دا ناوي يموت البيت كله دا خدي من دا كل يوم

 

ولجت ” جميلة” على إثر صوت زوجها المرتفع الذي يشكو لابنته الحياة المريرة التي يعيش فيها من تحت رأس ذاك الأبله وقالت

– مالك يابابا بالواد هو أنت عان بنتك جت خلاص هتبدأ وصلة النكد بتاعت كل مرة الواد غلبان وفي حاله إنتوا بس اللي مش طايقين نفسكم

– حبيبتي يا تيتا ربنا يخليكِ ليا ايوة كدا عرفيهم إن ليا ضهر جامد قوي

 

ضربته بخفة وقالت بهمس

– ما تلم نفسك بقى مش عارفة الم بلاويك منين ولا منين

– حاضر هاتلم

 

انتشله صوت ” وتين” وهي تسأله عن والده قائلة

– فين ابوك يا سولي مش باين بقاله يومين

– بابا قاعد برا بيتكلم في التليفون وجاي

 

وقفت عن المقعد وقالت بهدوء

– طب أنا هطلع اشوفه وجاية عن اذنكم

 

نظر ” ريان” لحفيده الجالس جوار جدته يحاورها بخفوت حتى لا يسمعه أحد، ركله في ساقه وقال

– ساجد ابن عمك فين يا آخرة صبر العيلة

– إيه يا جدو رجلي، ساجد راح يجيب عمو أدهم من المطار معاد طايرته فاضل عليها 3 ساعات تقريبا

 

تابع بتذكر قائلا

– اه صحيح تاليا فين ؟!

– الله هي مش مع ساجد ؟!

– مش عارف أنا كلمته بس مجبش سيرة إنها معاه نسيت اسأله

 

رد ” ريان” بغيظٍ مكتوم وقال

– اومال فاكر إيه بس فاكر تجلطني ومتعديش فرصة من غير ما تحر.. ق دمي !!

 

ردت ” جميلة ” لتهدأ الوضع قائلة بهدوء

– ريح دماغك يا ريان تاليا مع ساجد من الصبح ما أنت عارف اللي فيها

– أنا مش عارف تاليا اختي بتعمل في نفسها كدا ليه بجد إيه يعني واحد سابها ولا هي سابته ما حصل قبل كدا كتير بيسيبوا

– بس مش تاني يوم الخطوبة يا خفيف

– جدو بيسيبوا بعض يوم الفرح وبيعيشوا حياتهم عادي اختي هي اللي مكبرة الموضوع حبتين وبعدين عمو ذنبها إيه تفضل تحاول تصالح بابا وهو بيهرب منها بابا مزودها قوي الصراحة

– سليم هزعل منك متقلش كدا على باباك عيب

– تيتا والله مش قصدي بس بجد مكبرين الموضوع وهو عادي قوي.

– سيبك أنت بس من الموضوع وقل لي يا حبيب تيتا نتيجتك امتى ؟!

– بكرا إن شاء الله متقلقش يا جدو هشرفك وارفع راسك

– والله يا ابني أنا ما خايف غير منك أنت شخصيًا وملكش دعوة براسي ولادي رفعوها والحمد لله الدور والباقي عليك أنت

 

 

 

 

 

 

في ظهر اليوم التالي

 

جلست العائلة بأكملها في بهو المنزل في انتظار وصول ” سليم” الذي خرج منذ الصباح ولم يعد حتى الآن، كان” ريان ” يرتشف قهوته في صمتٍ تام بينما كانت زوجته كادت أن تفقد عقلها من فرط قلقها، نظر لحفيده وقال

– هو ابوك بيعمل إيه كل دا في المانيا يا ساجد

وإيه حكاية جاي ويرجع يعتذر ويقول مش جاي دي ؟!

– مش عارف والله يا جدو أنا زيي زيك مش عارف أي حاجة وكل ما أسأله يقل لي بعدين يا ساجد بعدين ويقفل في وشي السكة

– طب يا ابني خلينا معاه للآخر اما نشوف

 

نظر لزوجته التي لم تهدأ ابدًا، عيناها كادتا أن تخرجان من مكانها، رفعت يدها للسماء وقالت

يارب يا نجحك يا سليم احسن لو عملت غير كدا ريان مش هيسبني في حالي

 

يارب انا لو دعيت على سليم كان وقت غضب والواد اصلا مستفز بس طيب وغلبان يارب ينجح مش عشانه عشان ما شفش الشماتة في عين جدو، يارب يعديها على دي آخر سنة

ريحي نفسك ساقط ومش هيورينا وشه

اخس عليك يا ريان متقلش على الواد كدا وايه رأيك بقى هينجح ويكسفك

ياختي أنا عن نفسي بدعي ينجح عشان نخلص من الجامعة اللي مش راضية تخلص دي

 

جدو يا جدو ياجدو

 

خير يا حبيب جدك عملت إيه

 

نجحت يا جدو نجخت

 

الحمد لله يارب كسفت ريان ونصرتني

 

المهم جبت كام

 

إيه واحد دي الأول على الدفعة ؟ عملتها ازاي دي ياواد سليم دا انا نفسي كنت بطلع التاني

 

الاول إيه ياجدو أنا بقولك نجحت في مادة واحدة بس

 

اومال الفرحة اللي داخل بيها وكانك عبرت قناة السويس دي عشان إيه عشان مادة كدا يا سليم تكسف ستك اهو شتمان فيا دلوفتي

 

استني أنتِ دلوقتي دا بيقلك نجح في مادة اومال سقطت في كام مادة ياواد أنت ؟

 

عشرة

كام يا حبيبي ؟

بس الحمد لله أنا بخير متقلقش

عشان لما بضربه وبقول عليه ماعندوش دم بتزعلي وبتفضلي تدلعي في الحيلة

 

خلاص بقى يا جدو هعوضها السنة الجاية اوعدك قل لي هنعمل الحفلة إمتى ؟

حفلة إيه ؟!

حفلة عشان المادة اللي نجخت فيها ياحدو ركز معايا مالك ؟!

 

كادت تبكي ” جميلة” من فرط حزنها وخيبة أملها بهِ لكنه حول هذه الدموع المتجمع في مقلها لأخرى سعيدة، حين قال بصوته المرتفع وهو يضم جده له

– متقلقيش يا تيتا نجحت دا كان مقلب في جده أنا مستحيل اخليكِ تزعلي ابدًا يزعلك جده واراضيكِ أنا يا روح قلبي

 

مال ” ريان” ليلتقط حذائه وهو يقول بغيظٍ شديد من ذاك المعتوه

– يا اخي طلعت روحك من الدنيا و

 

هرول ” سليم” وهو يعتذر من جده قائلا

– معلش يا جدو استلفت الفيزا بتاعتك ساعتين أو شهرين لسه مش عارف بالظبط هدية نجاحي بقى

 

نظر لزوجته وقال بغيظ

– شايفة آخرة دلعك في الحيلة سرقني وجري ولما ابلغ عنه دلوقت ترجعي تزعلي صح ؟!

– ابني يخسر ويكسر زي ما يحب هدية نجاحه ياريان إيه البُخل دا سيبه يعمل اللي نفسه في

– ماعندك ساجد ابن عمه اهو عاقل وربنا مكمله بعقله واخته ربنا يهديها هي كمان

– يا سلام خلاص سليم هو بقى مجنون العيلة لو مش عجبك عمايله اخد الواد وامشي عادي

 

رد ” ريان” بجدية مصطنعة

– يلا مع السلامة

– هامشي يا ريان وهترجع تزعل وتقول البيت من غيرك وحش يا جميلة

– دا كان كلام وخلاص عشان العيال كانت لسه صغيرة انما دلوقت اتفضلي أنتِ وهو مع الف سلامة

– طب يا ريان أنا هامشي ووريني بقى هتعمل إيه من غيري و

 

قاطعها ” ساجد” قائلا بإبتسامته العريضة وقال

– يا تيتا دا جدو بيهزر معاكِ هو يقدر يستغنى

– حد قال لك تتدافع عني !! عينتك محامي ؟!

– الحق عليا اللي عاوز انجدك

 

تنحنح وراح يقول بجدية

– نتكلم جد شوية، أنا عاوز اخد رأيكم في موضوع كدا مش أنا صح ولالأ

 

تبدلت الجلسة من مشاكسات ومزاح لأخرى جادة نظرت له الجدة وقالت

– قول يا حبيبي خير ؟!

 

دام الصمت لخمس دقائق كاملة ثم قال بجدية

– أنا عاوز اتجوز تاليا

 

تبادلت ” جميلة ” مع زوجها نظرات متعجبة ثم عادت ببصرها وقالت

– أنت متإكد من حقيقة مشاعرك دي يا ساجد ؟!

– جدتك تقصد يعني مش ممكن تكون مثلا صعبانة عليك وعاوز تتجوزها عشان اللي حصل

– جدو محدش بيتجوز حد عطف أو شفقة خلينا متفقين بس في النقطة دي كويس، نيجي بقى لنقطة متأكد من مشاعري ايوة متأكد مليون في المية أنا بس محتاج منكم إنتوا تسألوها إن كان ليها رغبة لو ليها رغبة إني اتجوزها يبقى اطلبها بشكل رسمي من عمي عدنان

 

رد الجد بسعادة وقال

– أنا شخصيًا مش هلاقي احسن منك ليها وعمك عدنان اكيد رأيه من رأيي

 

ردت الجدة بسعادة وقالت

– إن كان على تاليا فسيبوها لي أنا هعرف ردها

 

بعد مرور اسبوعًا كامل

 

كان ” نوح” جالسًا في صالة المطار، ظن أن أحد كبار الدولة سوف يأتي إلى مصر، عدد كبير من الصحافة والإعلام في انتظار شخصًا ما ارتشف آخر رشفات القهوة بعد أن نظر في ساعة معصمه، الساعة تجاوزت التاسعة مساءً

ولم يأتي عمه، فجأة وقف عن مكانه ما إن انتهت المضيفة الأرضية من رسالتها تخبر الجميع بوصول الطائرة القادمة من فرنسا بعد تأخرها بسبب العطل الذي حدث فيها، بعد عدة ساعات من الإجراءت خرجت ” رُبى ” برفقة” عابد” وسط حشد كبير من الصحافة والإعلام، صُدم ” نوح” من هذا الحشد، كان على يسارها وأبيها على يمينها، متجهين نحو سيارة أخيه، لكن قبل وصولهم القوا عليهم التساؤلات كالامطار

نوح نوح عاوزين تصريح واحد بس، اتجوزت رُبى عرفي ليه انتقام من عمك ؟

 

نوح ازاي رُبى هي ساندي ؟

 

دكتور عابد ليه مش عاوز ترد على تساؤلاتنا ؟

رُبى اشمعنى نوح اللي جه يستقبلك في المطار عشان جوزك فعلا ؟!

 

ياجماعة المفروض تردوا على الصحافة عيب كدا ؟

 

بنعتذر مشاهدينا الأعزاء عن الهجوم اللي صدر من نوح المحمدي وبنؤكد لكم إنه هيتم إجراء قانوني ضده لضربه لينا لأننا بنباشر عملنا و كنا عاوزين نتأكد من صحة المعلومات اللي وصلت لنا وعلى ما يبدو إنها فعلا مراته مش عاوز يصرح بدا بشكل مؤقت ويبقى السؤال

رُبى عابد المحمدي مريضة نفسية وحاولت تقتل والدها وكان عندها انفصام في الشخصية واتجوزت ابن عمها ولا دي كلها محاولات لهروب من محاولة قتل رامي المنياوي خطيبها السابق ؟!

 

استقلت السيارة ثم ضغطت على زر النافذة لتمنع أيدي الصحافة من الاقتحام، نظرت لوالدها وقالت

– بابا هو في إيه ؟! رامي مين دا اللي حاولت اقتـ له !!

– رُبى انا قلت لك قبل ما نرجع مصر إن دي كلها محاولات عشان يضغطوا بيها علينا ونتنازل عن القضية ودا مستحيل طبعا يحصل

 

بس فعلا يا بابا هتنازل عن القضية ومش عاوزة اكمل فيها

 

يتبع

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى